في مواجهة الجهود الغليظة من جانب الحكومات العربية للسيطرة على الجدل العام، برزت الإنترنت كمنصة للأصوات التي حرمت من مكان في التيار الرئيسي للإعلام الذي تملكه الدولة - خصوصا أصوات الإسلاميين. وخلافا للفهم الشائع في الغرب، بأن المواقع الإليكترونية الراديكالية تشغل القسم الأعظم من الفضاء الإليكتروني الإسلامي، لأن الجماعات التي تعتنق تفسيرا معتدلا للدين يطلقون مواقع إليكترونية بغرض "كسر احتكار الدولة لصياغة البرنامج السياسي والاجتماعي"، على ما وصف أحد الناشطين. ترمي تلك المواقع على نحو خاص إلى اجتذاب المسلمين الأصغر سنا بالتعامل مع همومهم وتقديم تفسير للإسلام ملفوفا في اللغة الجديدة التي تروجها التكنولوجيا الحديثة. وكانت مصر موقعا رئيسيا لهذا النوع من المبادرات الفضائية.

"هل يسمح الإسلام بالقوة للدفاع عن النفس فقط أم يمكن استخدامها لإزالة القمع؟" هذا ليس إلا واحدا من الأسئلة الكثيرة عن شؤون السياسة والدين والحب والزواج والصحة التي يتلقاها من المسلمين في أرجاء الكوكب كل ساعة، الموقع الإليكتروني "إسلام أون لاين" (www.islamonline.net) الذي يصدر من القاهرة. أطلق إسلام أون لاين في 1999 على يد مجموعة من المثقفين الإسلاميين المصريين في سياق رواج المواقع الإليكترونية، التي تقدم منظورا جديدا للدين الإسلامي. الهدف الرئيسي لإسلام أون لاين، بكلمات مؤسسيه، هو "العمل لخير الإنسانية ودعم مبادئ الحرية والعدالة والديموقراطية وحقوق الإنسان". وإلى جانب خدمته الإخبارية على مدار الساعة، يوفر الموقع ثروة من المعلومات في المسائل المتعلقة بالنساء والفتاوى والمقابلات مع علماء المسلمين وتأملات حول الفكر والتشريع الإسلاميين.

كذلك كانت صحيفة "الشعب" لسان حال "حزب العمل" ذو التوجه الإسلامي، لاعبا رئيسيا في الفضاء الإليكتروني. عندما حظرت الحكومة المصرية الصحيفة في العام 2000 بعد خلاف ساخن حول رواية نشرتها وزارة الثقافة واعتبرتها "الشعب" جارحة للمشاعر الإسلامية، وفر الفضاء الإليكتروني منصة تمس إليها الحاجة لاستئناف النشر. انتقلت الصحيفة إلى الإنترنت، حيث ينشر رئيس تحريرها مجدي حسين انتقادا ضاريا للنظام المصري. لكن الموقع الإليكتروني لم يستطع تجنب اليد الغليظة للدولة. فتعرض للرقابة مرتين وتم اجتياحه مرات عديدة، رغم أنه لم يتم أبدا تحديد الفاعلين، وهو ليس على الإنترنت في الوقت الراهن.

منذ 1985، عندما أغلقت الحكومة المصرية مقر "الإخوان المسلمون" كبرى جماعات المعارضة الإسلامية في مصر وصحيفتهم، أصبح الموقع الإليكتروني للإخوان (www.ikhwanonline.com) هو أداتها الأولي للاتصال الجماهيري. فقد وفر الموقع أداة كفؤة لربط الجماعة بالجماهير المحلية والدولية أثناء الانتخابات البرلمانية في العام 2000 التي استطاع "الإخوان" خوضها ب52 مرشحا تقدموا كمستقلين، رغم كونهم غير شرعيين من الناحية الفنية، لكن النظام يتسامح معهم أحيانا. نشر الموقع هجمات الشرطة على المتعاطفين مع الجماعة ووزع نتائج الانتخابات والدعاية الانتخابية. وفي سبتمبر الماضي، أحبط فنيو الجماعة آخر محاولات الحكومة لفرض رقابة على الموقع، ومازال الموقع عاملا. وسيقوم بدور المنفذ الأفضل لحملة الجماعة في الانتخابات البرلمانية المزمعة في نوفمبر 2005 وسيواصل ربط "الإخوان" مع أتباعهم خارج مصر.

ومن بين أكثر المواقع الإليكترونية شعبية بين شباب المصريين، موقع الواعظ التليفزيوني الشاب عمرو خالد [www.amrkhalid.net]. يسعى خالد إلى مخاطبة هموم وتطلعات ما يسمى المسلمين الذين ولدوا من جديد أو المتدينين الجدد بالتركيز على المسائل الاجتماعية والأخلاقية، وتلك المتعلقة بأسلوب الحياة وليس التغير السياسي المباشر أو إقامة دولة إسلامية. هدف الموقع، حسب ما يقول أحد مساعدي خالد المقربين، هو إعادة بناء التوجهات الشعبية نحو الإسلام ني تعتنق الحداثة.

الانتشار الواسع لموقع خالد الإلكتروني بنى له أتباعا في أرجاء العالم العربي وأوروبا. ورغم أن خالد نفسه كان ضحية لحملة شريرة من الدولة أجبرته على مغادرة البلاد - هو الآن يتنقل بين بيروت ولندن - بقي موقعه الإلكتروني محصنا من تدخل الحكومة ورقابتها، أساسا بفضل خلوه من المضمون السياسي الصريح.

قد يتساءل البعض عن نفوذ مثل هذه المواقع الإليكترونية في مصر، البلد الذي تبلغ فيه نسبة أمية الكبار نحو 60 بالمائة والذي لا يزيد فيه مستخدمو الإنترنت عن242 مليون شخص من بين سكان يبلغ تعدادهم 74 مليونا. لكن ماله أكبر الأهمية هو نوعية المستخدمين لا كميتهم. أغلب مستخدمي الإنترنت، في مصر شباب متعلمون وطموحون سياسيا ولديهم القدرة - أكثر من أي شريحة في المجتمع - على تغيير الواقع السياسي والاجتماعي الراكد. تثبت المواقع الإليكترونية أنها، رغم شعبية التليفزيون الفضائي، تستطيع الوصول إلى جمهور واسع، وأن بمقدورها أن تكون أذكى من محاولات الدولة لفرض الرقابة عليها.

** أميمة عبد اللطيف كاتبة من هيئة تحرير الأهرام ويكلي في القاهرة.