منذ انتخابات أكتوبر 2002 التي أعادت إحياء البرلمان البحريني بعد تعليقه طيلة 27 سنة، يحاول نوابه الاضطلاع بدور مهم. وتُبرز محاولتهم الأخيرة في الإشراف على أعمال الحكومة، التي باءت بالفشل، صعوبة مهمتهم.

ويضع الدستور الذي أصدره الملك حمد بن عيسى آل خليفة في فبراير 2002 قيودا على دور البرلمان كسلطة موازية للسلطة التنفيذية. ويقسّم الدستور البرلمان إلى مجلسين متساويي السلطات: مجلس النواب المنتخب مباشرة، ومجلس الشورى الذي يقوم الملك بتعيين أعضائه. وينص الدستور على أنه يمكن للنواب إعداد اقتراحات لمشاريع قوانين، لكن الحكومة وحدها تستطيع طرح مشاريع القوانين للتصويت، وأن للملك الكلمة الفصل في أي خلاف تشريعي. وبالإضافة إلى ذلك، فإن مرسوما ملكيا صدر في يوليو 2002 يحظر على البرلمان التداول بشأن أي إجراء اتخذه الحكومة قبل 14 ديسمبر 2002 – تاريخ الجلسة الافتتاحية للبرلمان. (أصدر الملك حمد 56 مرسوما من هذا النوع بين تاريخ إصدار الدستور الجديد وافتتاح البرلمان).

إن هذه القيود القانونية وقلة خبرة النواب وهشاشة قاعدة الدعم الشعبية وتهديدات الحكومة غير المباشرة من حين لآخر بـ"إنهاء التجربة الديموقراطية" جعلت النواب يترددون في أداء دور إشرافي فعال. وبدلا من ذلك، ركزوا على الضغط على الوزراء لأجل تأمين وظائف وقروض سكنية لناخبيهم.

ولكن في أبريل 2003، سنحت الفرصة أمام النواب للتصدي للحكومة دفاعا عن المصلحة العامة حينما أوشك صندوقا تقاعد تديرهما الحكومة على الانهيار. وبما أن كل الموظفين البحرينيين تقريبا في القطاعين العام والخاص استثمروا في هذين الصندوقين، فقد عمّ الاستياء في أنحاء البلاد. وبالرغم من اعتراضات الحكومة، شكل النواب لجنة مختصة للتحقيق في ادعاءات بوجود شوائب في إدارة الصناديق.

وفي 10 يناير 2004، قدمت اللجنة تقريرا مؤلفا من 1200 صفحة إلى مجلس النواب تشرح فيه بالتفصيل سوء الإدارة والفساد المتفشي بين كبار مسؤولي الصندوقين. وتضمن التقرير توصية بأن يستجوب النواب وزير المالية ووزير العمل، اللذين يشرفان على صندوقي التقاعد، وكذلك وزير الدولة الذي كان يشغل سابقا منصب وزير العمل. وستكون تلك الخطوة الأولى قبل التصويت على عدم الثقة بوزراء فرديين. لكن الحكومة سارعت إلى إحباط أي إجراءات برلمانية في هذا الصدد، خشية أن يستغل النواب الفرصة لمحاولة إخضاع رئيس الوزراء خليفة بن سلمان آل خليفة لاستجواب في خطوة لا سابقة لها. وهو عم الملك، ويسيطر على كل أجهزة السلطة منذ نيل البحرين استقلالها عن بريطانيا عام 1971 كما أنه يتمتع بالحصانة السياسية.

وفي محاولة منها لإثناء النواب عن المباشرة بإجراءات الاستجواب، وعدت الحكومة بإنقاذ صندوقي التقاعد وتعويض أعضائه عن الخسائر. وتضمنت التعويضات نحو 16 مليون دينار بحريني (38 مليون دولار) نقدا، والعديد من الأراضي في منطقة غالية من العاصمة، المنامة. وقد حذر رئيس مجلس النواب، خليفة الظهراني، مدعوم من قبل رئيس الوزراء، زملاءه من مغبة "إثارة المتاعب" – في إشارة مبطنة إلى قيام الحكومة بحل أول برلمان للبحرين عام 1975 بعدما حاول النواب منع إصدار قانون أمني مثير للجدل.

بيد أن معظم النواب تشبثوا بمواقفهم. وفي 14 أبريل استدعى المجلس الوزراء الثلاثة لاستجوابهم. ومن خلال اتفاق غير رسمي مع الحكومة، حصر النواب أسئلتهم بالدور الذي لعبه كل وزير في إدارة صندوقي التقاعد. واتفق النواب أيضا على أن تقتصر الأسئلة على مسائل متعلقة مباشرة بالمحنة المالية للصندوقين. غير أن هذه العملية بحد ذاتها كانت ذات أهمية تاريخية لأنها ساعدت، على حد قول أحد النواب، على "إرساء تقاليد برلمانية" من دون "إفساد العلاقات بين السلطتين التنفيذية والتشريعية". وفي سابقة أخرى، بثت محطة التلفزة الفضائية التي تسيطر عليها الحكومة أجزاء من النقاش، رغم حذف الكثير من المشاهد منها.

وتمكن الوزراء الثلاثة من الحفاظ على مناصبهم بعد ثلاثة أسابيع من النقاشات والاستجوابات الجدية والحامية. فقد اعتمدت الحكومة على نقاط قانونية عدة للتغلب على النواب. ومن خلال الاستعانة بالمادة 145 من النظام الداخلي للمجلس، التي تنص على أنه لا يمكن محاسبة الوزراء على أعمال تمت حينما كانوا يشغلون مناصب وزارية غير المناصب الحالية، تمكنت الحكومة من وضع حد لاستجواب وزير الدولة. واستعانت أيضا بالمادة 45 من المرسوم الملكي الصادر في يوليو 2002، الذي يعفي وزير المالية من التدقيق. واعتُبر وزير العمل، الذي عُين في نوفمبر 2003، جديدا على منصبه لمحاسبته. وتدل هذه الأحداث على ضعف الحكومة ككل، بعد كشف تقرير اللجنة أن خسائر صندوقي التقاعد ناتجة عن القرارات الاستثمارية السيئة وسوء الإدارة والفساد.

إن إحباط أولى محاولات النواب الجدية لتأسيس مسؤولية الحكومة قد يقود البرلمان ليتقمص دورا فخريا. ولكن من جهة أخرى، فإن محنة صندوقي التقاعد قد تعزز الكفاح من أجل الديموقراطية في البلاد، من خلال تعزيز وجهة نظر المعارضة بأن البحرين ما زال أمامها شوط طويل قبل أن تصبح "مملكة دستورية عصرية" كما أعلنها الملك حمد في فبراير 2002.

** عبد الهادي خلف يدرّس علم الاجتماع في جامعة لوند بالسويد.