كانت الانتخابات البرلمانية التي جرت بين 29 مايو و19 يونيو انكسارا للموجة التي هزت لبنان في الشهور الستة الأخيرة. فقد عبر المراقبون المحليون والدوليون عن خيبة الأمل في أن انسحاب القوات السورية من لبنان لم يحل المعضلات التي تواجه اللبنانيين. على أي حال، لم تكن آمال التحول السياسي الفوري والكبير واقعية، فالانتخابات أوضحت أن المشاكل الأساسية للنظام الطائفي لا تزال عل حالتها.

مبدئيا، سنحت الأحداث الأخيرة في لبنان فرصة تاريخية للتغيير السياسي الحقيقي. فالانسحاب السوري يسمح للجمهور بالتعبير عن آرائه والتعامل مع المسائل التي كُتمت منذ نهاية الحرب الأهلية، من العلاقات الطائفية وتوزيع السلطة إلى سلاح حزب الله ووضع مخيمات اللاجئين الفلسطينيين.أيضا لبنان يشهد ضغطا دوليا غير مسبوق من أجل الإصلاح السياسي والاقتصادي.

عمليا أدت تلك الأحداث إلى تعديلات سطحية لكنها لم تأتِ بعد بتغير سياسي هيكلي. فبينما كانت هناك مواجهة سياسية حقيقية في الجولتين الانتخابيتين الأخيرتين إلى جانب رقابة دولية ومحلية حقيقية للاقتراع، فقد بقي الإطار الانتخابي دون تغيير. طبيعة القانون الانتخابي لسنة 2000 لا تسمح بدخول ممثلين جدد إلى النظام السياسي، فما إن تتشكل لائحة انتخابية قوية في دائرة معينة تكتسح جميع المقاعد. أدى هذا إلى مقاعد مختلفة لم يحدث عليها صراع في جولتي جنوب لبنان وبيروت. كما واصل السياسيون تأييدهم اللفظي لمفاهيم مثل "العيش المشترك"

و"المصالحة الوطنية" لكنهم قصَروا عن تقديم برامج انتخابية محددة.

ركزت الانتخابات الضوء على العقبة الكأداء أمام فتح حقيقي للنظام، خصوصا كون الجماعات المختلفة في لبنان تواصل الانغماس في السياسات الطائفية. فأثناء المظاهرات الضخمة في أعقاب اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري ، نجحت حركة المعارضة (التي ضمت شخصيات بارزة مسيحية ودرزية وسنية) في أن تشيع انطباعا بأن اللبنانين اجتازوا التقسيمات القديمة وتغلبوا على الميراث المر للحرب الأهلية. بدأ ما شابه الوحدة في الانهيار أثناء مساومات ما قبل الانتخابات. ومع جريان الجولات الانتخابية الأربع، لم يتردد السياسيون في توجيه الاتهامات الطائفية إلى الخصوم . وبذلك تواصل الحياة السياسية العمل في سياق خوف حاد بين الطوائف التي تتصرف كأنما الحلول الوسط تعني موتها.

كما زادت الانتخابات من استقطاب النظام الطائفي، حيث انتجت شخصيات معينة باعتبارها القيادات التي لا يمكن تحديها في طوائفها. فسعد الحريري، الذي يعتمد على تراث أبيه، أصبح زعيم الطائفة السنية مستحوذا للائحة تيار المستقبل على 23 من المقاعد السنية الـ27. وثلاثة وعشرون من النواب الشيعة الـ 27 ينتمون إلى الجماعتين الشيعيتين الغالبتين حزب الله وأمل. وتعود جميع المقاعد الدرزية الثمانية إلى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط. كانت المقاعد المسيحية الـ 64 أكثر تنوعا، موزعة بين "القوات اللبنانية" و "قرنة شهوان" وحركة "التيار الوطني الحر" التي يقودها العماد ميشيل عون. على أي حال، ظهر عون فعليا كزعيم للطائفة المارونية بحصوله على 21 مقعدا برلمانيا.

ينذر الاستقطاب الطائفي بالسوء للإصلاح السياسي في لبنان المبني على مقترحات محددة لبناء الدولة ومعالجة الفساد والمصالحة بين الطوائف التي تشمل الجمهور الأوسع، تمييزا عن المصالحات المتقطعة بين النخب. الأمل الوحيد للتغيير هو أن التوقعات المحلية والدولية ما بعد الانتخابات هذه المرّة أعلى من السابق. فداخليا هناك شعور بعدم الرضا عن النظام الحالي، خصوصا بسبب الأزمة الاقتصادية التي يواجهها البلد. وبينما احتشد الجهور حتى اليوم وراء زعمائه الطائفيين وقصر عن محاسبتهم، فثمة شعور له ما يبرره بأن الوضع الاقتصادي والسياسي الراهن لا يمكن استمراره. يضاف إلى ذلك، أن اللبنانيين لم يعد بوسعهم لوم سورية على كل ما يلحق بهم من فشل.

ربما يبدأ البرلمان الجديد في إدخال إصلاحات اقتصادية في جهد لاسترضاء الضغوط الداخلية والأجنبية. فقد قدّم رئيس الوزراء السابق نجيب ميقاتي أخيرا "الطريق إلى ميثاق بيروت"، خطة إنقاذ اقتصادية ترمي إلى نقل البلد من مرحلة تصاعد الديون وإعادة البناء إلى اقتصاد صاعد مفعم بالحيوية.

على أي حال، ستكون الإصلاحات السياسية التي تتخطى النظام الطائفي المتكلس، أعصى على التحقيق، على نحو ما ظهر في انتخاب زعيم حركة أمل نبيه بري رئيسا للبرلمان. فرغم الاعتراضات الدولية على إعادة الاعتبار إليه بسسب مزاعم فساد، أعيد انتخابه بأغلبية غامرة بلغت 90 صوتا من 128. كما أن التأخير المتواصل في تشكيل الحكومة يركز الضوء على الصعوبة التي ستجدها حكومة رئيس الوزراء فؤاد السنيورة في صياغة برنامج مفهوم للإصلاح. فطوائف لبنان الرئيسية تتقاتل على المراكز الوزارية الرئيسية، وهو النمط الذي قد يتكرر مع كل قرار رئيسي أو مبادرة تتخذها الحكومة.

 

جوليا شقير هي مساعدة تحرير نشرة الإصلاح العربي.