في كانون الثاني/يناير المقبل، سيقوم الرئيس الأمريكي الجديد بدراسة ما يجب وما لا يجب القيام به لإحياء عملية السلام بين الفلسطينيين وإسرائيل، ولكي يتمكن من تحديد أفضل خياراته، فإن المفتاح يكمن في أن يكون على معرفة بيّنه بالحقائق الجديدة التي تؤثر في هذا الصراع.
اليوم، ينقسم الفلسطينيون بين معسكرين كبيرين، "فتح" و"حماس". والصراع بينهم يدور حول من يمثل الشعب الفلسطيني، وهم مختلفون حول الأهداف ووسائل تحقيقها. منظمة التحرير التي تسيطر عليها "فتح"، بالكاد قادرة على حكم الضفة الغربية بالرغم من الدعم الدولي الهائل لها، لكنها تؤمن بطريق  المفاوضات لإنهاء الاحتلال  الإسرائيلي  للأرض الفلسطينية منذ العام 1967، وتعتبر قيام الدولة الفلسطينية عليها، نهاية لمطالبها. في حين يسيطر معسكر "حماس" على غزة، وله تأييد كبير بين الفلسطينيين في الشتات، وهو يؤمن بالمقاومة المسلحة  والإرهاب لتحقيق هدف الدولة المستقلة، ويصر بأن ذلك ممكن مقابل هدنة طويلة  الأمد مع  إسرائيل.
وبسبب طبيعة الصراع بين "فتح" و"حماس"، فإن السؤال المتعلق بما إذا كان على الولايات المتحدة أن تقف مع وحدة الفلسطينيين أو أن ترفضها، هو سؤال غير ذي صله. فأيا كان موقف الولايات المتحدة من ذلك، فإن صراع الإخوة سيستمر، وحتى لو وقعوا اتفاقا تصالحيا في ما بينهم، فإن ذلك سيكون مؤقتا، ولن يطول. يضاف إلى هذه الصورة الكئيبة، استمرار إسرائيل في بناء مستوطنات جديدة وتوسيع القائم منها في الضفة الغربية، وتشييدها الجدار الأمني داخل حدود الأراضي المفترضة للدولة الفلسطينية.  لذلك يعتقد بعض السياسيين والمفكرين بأن مبدأ الدولتين قد أصبح باطلا. إن هذا الاستنتاج خاطئ، فالذي انهار حقيقة، هو مبدأ المفاوضات الثنائية بين  إسرائيل ومنظمة التحرير، وليس الحل المتمثل في اقتسام  الأرض.
الحقيقة أن الوقت الذي كانت فيه منظمة التحرير تتمتع بتمثيل شرعي لجميع الفلسطينيين قد انقضى، فهي اليوم لا تمتلك الشرعية لتوقيع اتفاق مع إسرائيل، وليس لها القدرة على تنفيذه أيضا. يضاف إلى ذلك أن  إسرائيل قد جعلت من موضوع التقدم على الصعيد  الأمني، شرطا للمضي باتجاه تسوية لقضايا الحل الدائم، ولكن ثمانية سنوات من العنف  الأعمى المتبادل بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد، قد جعلت من الصعب التكهن بان المنظمة ستكون يوما ما قادرة على الوفاء بهذه الشروط  الأمنية.
 أما وقد قيل ذلك، فإن الرئيس الأمريكي الجديد عليه أن يبدأ بالتحرك على مسارين.  الأول يهدف  إلى تقوية المعتدلين الفلسطينيين، ومساعدتهم على توسيع قواعدهم بهدف تهيئة الطريق لاتفاق سلام وجعل تنفيذه ممكنا. وهذا يمكن تحقيقه من خلال إصلاح الوضع الاقتصادي الفلسطيني، تخفيف حدة الصراع مع  إسرائيل من خلال وقف بناء مستوطنات جديدة، أو توسيع القائم منها، إزالة الحواجز العسكرية لتسهيل حياة الفلسطينيين وحركتهم، وكذلك حث  أطراف الصراع على تمديد التهدئة في غزة.
أما المسار الثاني فهو يهدف إلى البحث عن طريق جديد للمفاوضات،  يكون فيه من الممكن للعرب مجتمعين أن يتفاوضوا على تسوية نهائية للصراع مع إسرائيل. الهدف هنا سيكون إيجاد حل للمسالة الفلسطينية كجزء من الصراع الأكبر بين إسرائيل من جهة، وسوريا ولبنان والفلسطينيين من جهة أخرى.
وعند هذه النقطة ثمة العديد من الأسئلة المشروعة هنا أهمها: وفق أية ألية ستجري هذه المفاوضات؟ لماذا لهذا المسار التفاوضي حظوظ أكبر بالنجاح؟ وماذا ستكسب إسرائيل من هذا المسار؟ وهل سيدعم العرب والفلسطينيون هذا المنهج التفاوضي الجديد؟
كبداية يمكن القول أن الفكرة هنا ليست دعوة العرب إلى التخلي عن مبادرتهم من اجل السلام التي اعلنوا عنها في آذار/مارس العام 2002، ولامحاولة إقناع إسرائيل بقبولها، ولكن في بدء التفاوض على الاسس التي قبل بها الطرفان في مؤتمر مدريد العام 1991، وهي تحديدا الأرض مقابل السلام، وقراري مجلس الأمن 242 و 338.
الدول العربية في هذا المفهوم التفاوضي الجديد ستعوض ضعف منظمة التحرير والانقسام الفلسطيني، وستفاوض إسرائيل من خلال الجامعة العربية على قضايا الوضع الدائم التي سيكون بينها بالتأكيد ترتيبات أمنية لجميع أطراف الصراع. إضافة إلى ذلك، الاتفاق على مسألتي القدس واللاجئين مع العرب، سيكون أقوى وله القدرة على الصمود والاستمرار من اتفاق مع منظمة التحرير لوحدها. أخيرا، هذا الاتفاق سيضع حماس وحزب الله في موقف الدفاع، وسيكون خياراما بين العمل على إفشال الاتفاق، وهذا سيضعهما في مواجهة مع الدول العربية جميعها بما في ذلك سوريا، أهم حلفائهما، أو التعايش معه والتحول إلى أحزاب سياسية غير مسلحة.
من جانبها ستتمتع إسرائيل بفوائد ثلاث. فهي ستتفاوض على اتفاقية مقنعة لمشاكلها الأمنية، وستطبّع علاقتها بالعرب جميعا كنتيجة للاتفاق، ثم أنه لايوجد ما يدعو إلى الاعتقاد، بأن الاتفاق النهائي مع العرب في شان الأرض الفلسطينية المحتلة، لن يكون وفقا للمبادئ التي تفاوضت عليها مع الفلسطينيين واتفقت عليها معهم خلال السنوات الثماني الماضية. وهذه المبادئ تحديدا هي، تبادل الأراضي، حل متفق عليه لمشكلة اللاجئين، والاشتراك في السيادة على القدس، فجميعها لن تتأثر بمنهج المفاوضات الجديد.
للدول العربية مصلحة حيوية في حل الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. ومن الواضح أن زيادة النفوذ الإيراني في منطقة الشرق الأوسط، و صعود حماس كقوة سياسية مقررة في السياسات الفلسطينية وحزب الله في السياسات اللبنانية، قد جعل هذه الدول عرضة أكثر للضغوط الداخلية عليها من جانب الحركات الإسلامية في بلدانهم والتي تستخدم الصراع لتحقيق طموحاتهما السياسية. مع ذلك، ربما لايحبذ العرب الانخراط المباشر في المفاوضات مع إسرائيل يفضلون الاختباء وراء ظهر الفلسطينيين عندما تتعلق المسألة بمن سيقدم التنازلات الضرورية من أجل السلام. بالنسبة إلى سوريا ولبنان، فنحن نعلم أنهم قد فضلوا في مدريد مساراً واحدا للمفاوضات بدلا من فصلها عن بعضها، لكن أشياء عديدة قد تغيرت منذ ذلك التاريخ.  وليس ثمة شك بان هذا الطريق الجديد المقترح للمفاوضات مليء بالعقبات. أحدها مثلا، هل سيضحي الفلسطينيون باستقلاليه قرارهم الوطني ويقبلوا بنوع من الوصاية عليهم من قبل جامعة الدول العربية؟
سيكون على الولايات المتحدة في جميع الأحوال أن تدرس جدوى هذا المسار التفاوضي، وان تشجع اسرائيل والفلسطينيين والدول العربية على القبول به. الخبر الجيد مع ذلك، هو أن العرب قد اقترحوا ضمنيا هذا المسار في مبادرتهم من اجل السلام عندما تقدموا بها  قبل خمس سنوات، وان ايهود باراك رئيس حزب العمل  أعلن مؤخراً انه وتسيفي ليفني، رئيسة حزب كاديما، يدرسان الرد بايجابية على مبادرة السلام العربية.

 محمد ياغي هو كاتب في صحيفة الأيام الفلسطينية.