في أعقاب موجة من المظاهرات الفلسطينية في القدس الشرقية واطلاق النار أدى الى وفاة أربعة أشخاص في الضفة الغربية، فإنه من المنطقي أن نتسأل عما إذا كنا نشهد بداية إنتفاضة ثالثة. في حين أن الاضطرابات العفوية لا يمكن التنبؤ بها، يمكن تحليل رد فعل القيادات الفلسطينية.

خطب وزير الشؤون الاجتماعية في المصلين في 19 من أذار/مارس، للترويج لثقافة "المقاومة السلمية" واحباط اي امكانية لاندلاع انتفاضة ثالثة قائلا " نقتدي بالرسول عليه السلام، أول من مارس المقاومة السلمية، والجهاد السلمي، وأمضى 13 عاما لم يرفع سلاحا ولم يأمر برد عنيف على الذي تعرض له هو وأصحابه... مصالح شعبنا اليوم تقتضي اختيار وسيلة مقاومة تقلل الخسائر وتحقق الانجاز".
وعلى رغم مواصلة قيادات حركة حماس في قطاع غزة الدعوة إلى إشعال انتفاضة فلسطينية ثالثة في الضفة الغربية، ظلت المظاهر المعتادة للإنتفاضة غائبة حتى في القطاع--الذي يخضع إلى سيطرتها--وبقيت صواريخ حماس في مهدها، خلال  الأزمة السياسية التي عصفت في المنطقة مؤخرا، وهو مايؤشر الى أنه حتى حماس تحاول التعامل بدبلوماسية.

يبدو أن السياسيين الفلسطينيين، خاصة الرئيس محمود عباس ومستشاريه وحكومة سلام فياض، مقتنعون أكثر من أي وقت مضى بأنهم حققوا انتصارا سياسيا حين وافقوا على المفاوضات غير المباشرة التي اقترحتها الولايات المتحدة الأميركية، في الوقت الذي نشبت فيه أزمة بين إسرائيل وأمريكا عقب إعلان إسرائيل عن بناء الوحدات السكنية في القدس يوم زيارة نائب الرئيس الأمريكي، جو بايدن إلى إسرائيل والأراضي الفلسطينية للترويج للجهود الأميركية. وتشير هذه التطورات الى ان القيادة الفلسطينية تأمل أن تقود الأزمة القائمة بين إسرائيل والولايات المتحدة الأميركية، على خلفية القرار الإسرائيلي ببناء الوحدات السكنية في القدس، إلى تقدم لصالح الفلسطينيين لأنهم يعتقدون أن الولايات المتحدة أكثر تعاطفا معهم، وهذا غير مسبوق منذ بدء عملية السلام في العام 1991، ولايريدون تغيير ذلك بتشجيع العنف.

وبسبب هذا الانتصار الدبلوماسي الذي تشعر به القيادة الفلسطينية، تولد شعور مؤكد لديها بان إسرائيل تهدف، من وراء إثارة قضية بناء الكنيس، الى  جر الفلسطينيين نحو انتفاضة ثالثة ومواجهات عنيفة تُخرج إسرائيل من أزمتها الدبلوماسية مع الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي، واللجنة الرباعية. من هذا المنطلق، وبشكل يختلف عن تعامل السلطة في هبة النفق العام 1996، وعن انتفاضة العام 2000، تتعامل السلطة الفلسطينية بحذر شديد في تقنين ردة فعل الشارع الفلسطينية على بناء الكنيس.

وهي تحاول إحكام سيطرتها على الشارع الفلسطيني ومنع انتفاضة جديدة تدعو إليها حماس، وتتخوّف من أن  تؤدي  مثل هذه الانتفاضة إلى تدمير ما أنجزته حكومة فياض خلال السنوات الثلاث الماضية، في مجال بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية، على  رغم وجود الاحتلال.  ويقوي موقف السلطة الفلسطينية الدبلوماسي الأخير أطراف دولية ترى بان الأزمة الإسرائيلية-  الأميركية " قد تكون السحر الذي سيسهم في إطلاق المفاوضات بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي".  ولذلك، عممت السلطة الفلسطينية على أجهزتها " أن حماس وإسرائيل تهدفان إلى إعادة الفوضى وجر الشعب الفلسطينية إلى ساحة العنف التي تنجح فيها إسرائيل على الدوام". وكتب وزراء فلسطينيون سابقون في حكومة فياض، وإعلاميون قريبون من المستوى السياسي الفلسطيني، مقالات يدعون فيها إلى عدم الانجرار نحو انتفاضة جديدة " تؤدي إلى تدمير ما تم انجازه".

وبالمقابل، وكمؤشر على الاهتمام بإشراك المواطن، فتحت السلطة المجال لمواطنيها في الضفة الغربية على الأقل، للمشاركة في عملية البناء من خلال الدعوة إلى انتخابات محلية وبلدية في السابع عشر من تموز/يوليو المقبل، وسط معارضة كانت متوقعة مسبقا من حركة حماس. وفي غياب حركة حماس على الانتخابات المحلية رسميا، يُرجّح أن    حماس ستواجه حركة فتح في هذه الانتخابات من خلال العائلات التي ستكون المنافس الحقيقي والمزعج لها بدلا منها.

وتعتقد قيادات من حركة حماس ومن فصائل فلسطينية معارضة أخرى في الضفة الغربية بأنه لايمكن إشعال انتفاضة ثالثة في ظل حالة الانقسام الفلسطينية القائمة، وأن الأمرلايتعلق فقط بمنع السلطة للتظاهرات في الضفة الغربية. ومما يسهم في تمسك السلطة الفلسطينية بسياستها الدبلوماسية، استمرار رفض حركة حماس التوقيع على المقترحات المصرية للمصالحة. بمعنى أنه  " إن كانت حماس لاتريد التوقيع والمصالحة فكيف يمكن الاتفاق على قيادة موحدة لانتفاضة ثالثة؟"

لكن هذه الخلافات لم تمنع وقوع مواجهات في بعض أحياء مدينة القدس، إلا أنها بقيت محدودة وقد تكون دوافعها حالة الضغط الموجودة أصلا على المقدسيين من قبل السلطة الإسرائيلية هناك. وعلى أي حال، الأحداث التي وقعت في مدينة القدس شابها نوع من الحذر حينما التقت القوى الوطنية والإسلامية لبحث آلية الرد على الإجراءات الإسرائيلية، واختارت إغلاق المحلات التجارية لساعتين فقط.

وإذا  ماكانت السلطة الفلسطينية منعت التظاهرات في المناطق التي تقع تحت سيطرتها في الضفة الغربية، إلا أن الفصائل الفلسطينية لم تستطع التوحد لقيادة انتفاضة داخل مدينة القدس التي لاتخضع إلى سيطرة الأجهزة الأمنية الفلسطينية. وكانت الأحداث الأكثر تواصلا، هي تلك التي وقعت في مخيم قلنديا القريب من الحاجز العسكري الإسرائيلي بين القدس ورام الله، حيث أن المواجهات في تلك المنطقة معهودة حتى قبل التطورات الأخيرة في مدينة القدس. كما أن تلك المنطقة لاتخضع أيضا إلى السيطرة الأمنية الفلسطينية. ولم تسجل أحداث في المناطق الواقعة تحت السيطرة الإسرائيلية في الضفة الغربية (غير القدس). وهو ما يشير إلى أن سكان تلك المنطقة يتفقون مع القيادة الفلسطينية في الحذر من الانجرار إلى انتفاضة ثالثة والتمسك بالدبلوماسية.

حسام عزالدين صحافي فلسطيني مقيم في رام الله، ومتخصص في الشؤون السياسية والبرلمانية وعلم الاجتماع.