حين حددت وزارة الداخلية والبلديات تاريخ الثاني من مايو/أيار 2010 موعداً لبدء الانتخابات البلدية والاختيارية على أربع مراحل (بتواريخ 2، 9، 23 و 30 مايو/أيار تباعاً في محافظات جبل لبنان وبيروت والبقاع والجنوب والشمال)، فهي لم تقم سوى باحترام المهل القانونية التي تقضي بإجراء الانتخابات المحلية كل ست سنوات. فبعد توقف دام حوالي 35 سنة، عادت السلطات السياسية (الحكومة والمجلس النيابي) في العام 1998، تحت ضغط من الجمعيات المدنية وبقرار من المجلس الدستوري، إلى تنظيم الانتخابات المحلية وتجديد المجالس البلدية بشكل دوري. ومنذ انتهاء الحرب اللبنانية سنة 1990 والتصويت على الإصلاحات الدستورية التي نص عليها اتفاق الطائف، أجرت السلطات السياسية خمس دورات من الانتخابات النيابية، ودورتين من الانتخابات المحلية، آخرها كان في مايو/أيار 2004، لكن من دون أن تقوم بالإصلاحات البنيوية التي نص عليها الاتفاق، وتحديداً تلك المتعلقة بإصلاح النظام الانتخابي واللامركزية الإدارية. فكان موضوع الإصلاح يطرح عشية كل استحقاق انتخابي وغداة تجديد كل سلطة سياسية (نيابية، حكومية، رئاسية) من دون أن يترجم فعلياً. 

وهذا ما حصل غداة تشكيل الحكومة التي انبثقت عن الانتخابات النيابية الأخيرة، في 7 يونيو/حزيران 2009 (تألفت الحكومة بعد أخذ ورد بين القوى السياسية في 9 نوفمبر/تشرين الثاني، 2009 ونالت ثقة المجلس النيابي في 10 ديسمبر/كانون الأول، 2009)، وعشية إجراء الانتخابات البلدية، بحيث طرحت وزارة الداخلية والبلديات مشروع قانون متعلق بالانتخابات البلدية والاختيارية على مجلس الوزراء، الذي ناقشه ووافق عليه بالإجماع، بعد سبع جلسات من النقاش، ورفعه بصفة المعجل إلى المجلس النيابي بتاريخ 5 مارس/آذار، 2010. كانت اللجان النيابية المختصة، وتحديداً لجنة الإدارة والعدل ولجنة الدفاع والداخلية ولجنة المال، أول من ناقش مشروع قانون الانتخابات البلدية، ومن ثم ناقشته اللجان المشتركة من دون أن يتوصل أيُّ منها إلى قرار معين في شأن مشروع القانون، ومن دون أن يُحدد لنقاشاتها مهلة زمنية. وكذلك، تحججت اللجان النيابية بعدم وضوح الإصلاحات الواردة في مشروع القانون وتناقضها مع الغاية المرجوة وحاجتها إلى نقاش مطول ومعمق وإلى إطلاع الناخبين عليها وتفسيرها لهم، كما تذرعت أيضاً بضيق الوقت المتبقي أمام مهلة إجراء الانتخابات.

من هنا، ووفقاً للمهل القانونية، دعا وزير الداخلية والبلديات في 30 مارس/آذار، 2010 الهيئات الانتخابية البلدية إلى انتخاب أعضاء المجالس البلدية في 2 مايو/أيار، 2010 وفقاً لقانون الانتخاب المعمول به (تحديداً وفقاً للمرسوم الاشتراعي الرقم 118 تاريخ 1977 وللقانون الرقم 665 تاريخ 1997). إن ضيق الفترة المحددة للمهل القانونية وتلاحقها ومحاولة تحقيق إصلاح قانون الانتخابات البلدية قبل حلول موعد الانتخابات أثارا الشك حول إمكانية حصول الانتخابات في التاريخ المحدد، وخصوصاً أن وزارة الداخلية والبلديات كانت قد طلبت في مشروع القانون الذي قدمته فترة تأجيل تقني للانتخابات ريثما تكون قد أنجزت التحضيرات كافة. وهكذا تم تثبيت الانتخابات البلدية في موعدها وفي الوقت نفسه تم تأجيل الإصلاح إلى أجل غير مسمى.

في الواقع، شكلت الإصلاحات التي تقدم بها مشروع القانون تحدياً أساسياً لأكثرية الكتل النيابية والقوى السياسية، وهذا ما حال دون التصويت عليها من قبل المجلس النيابي. إن الإصلاحات التي حملها المشروع – كاعتماد مبدأ النظام النسبي مع اللوائح الانتخابية المقفلة، واعتماد الكوتا النسائية بنسبة 20 بالمئة، واعتماد أوراق الاقتراع المطبوعة مسبقاً من قبل وزارة الداخلية والبلديات، وإتاحة المجال لأساتذة الجامعة اللبنانية وللموظفين من الفئة الثالثة وما دون للترشح إلى المجالس البلدية، الخ – تهدف بالدرجة الأولى إلى تفعيل الديمقراطية من خلال اعتماد نظام انتخابي يسمح بتمثيل أدق لمختلف القوى السياسية وفئات المجتمع، مع أعطاء دور أساسي للأحزاب في تنظيم عملية التنافس الانتخابي، بحيث تصبح هذه الأخيرة المحدد الأول للانقسامات السياسية.

 لكن هكذا إصلاح يقتضي وجود أحزاب تتمتع بحد معين من التماسك الداخلي ومن الالتزام الحزبي القائم على البرامج السياسية، وهذا ما تفتقر إليه معظم الأحزاب السياسية اللبنانية. من هنا جاء رفضها للنظام الانتخابي النسبي وللوائح المقفلة مخافةً  تشرذمها، لأنه يفترض بأن تختار الأحزاب أسماء مرشحيها من بين مناصريها مع ما يحمله ذلك من خلافات داخلية ومن مطالب من قبل القاعدة لا تستطيع القيادة تلبيتها وتفضل بالتالي الإبقاء على النظام الحالي (الأكثري الفردي وعلى دورة واحدة). فبقيت الأحزاب أسيرة اللحظة الراهنة وحسابات الربح والخسارة على المدى المنظور على الرغم من إدراكها بأن هكذا إصلاح يؤدي عبر الممارسة ومع الوقت إلى قيام نظام حزبي فاعل على حساب الزعامات العائلية التقليدية. كما رفضت هذه الأخيرة مشروع القانون لما يحمل من تغيير جذري في قواعد وشروط اللعبة السياسية التي على أساسها بنت زعامتها منذ قيام الجمهورية اللبنانية، كشبكة الخدمات والمصالح والمحسوبيات الزبائنية، وحالت دائماً أمام قيام أي إصلاح يشكل تهديداَ لها سواء كان على صعيد اللامركزية الإدارية وتوسيع صلاحيات البلديات أو على صعيد القوانين الانتخابية. غير أن المفارقة تكمن اليوم في أن الإصلاح بات يطرح ويؤجل ويعطل على أيدي النخبة السياسية الحاكمة نفسها، بينما كان يطرح في السابق من قبل أطراف خارج السلطة ويجابه ويرفض من قبل من هم في الحكم.

إن تبني السلطة السياسية اليوم "خطاب إصلاحي" جعل المجتمع المدني في حال من الارتباك حيث يصعب عليه تحديد موقفه وموقعه من السلطة كما يصعب عليه إعادة النظر في آليات عمله وأهدافه. وعليه، قررت معظم القوى السياسية الذهاب إلى الانتخابات البلدية، وفقاً للقانون القديم، تحت عدة شعارات يراد من خلالها المحافظة على "الستاتيسكو"(الأمر الواقع). فبعد أزمة سياسية حادة وانقسام وتعطيل للمؤسسات السياسية دام حوالي السنتين (2006-2008)، وبعد انتخابات نيابية شهدت شرخاً كبيراً بين القوى السياسية، توصلت هذه الأخيرة إلى تسوية قضت بتأليف حكومة وحدة وطنية شارك فيها الجميع، وهي قررت اليوم ألا تتصادم من جديد خلال الانتخابات المحلية مخافةً  تزعزع التوازن على المستوى الوطني الذي تجد جميعها مصلحة في المحافظة عليه في الوقت الراهن. فقررت تغليب التوافق ضمن الممكن في الانتخابات البلدية، كما عرَفت الانتخابات البلدية على أنها انتخابات عائلية هدفها التنمية والخدمات المحلية ولا دخل للأحزاب وللسياسة بها. وهذا ما بدأ يتجلى من خلال التحالفات الانتخابية وتأليف اللوائح، حيث أُعيد خلط الأوراق في الكثير من المناطق والدوائر الانتخابية، حتى في تلك التي كان من المتوقع أن تشهد مواجهات حادة بين قوى متنازعة، كالدوائر التي تخضع لنفوذ الأحزاب المسيحية. فعلى سبيل المثال، يتحالف كل من حزب الله وحركة أمل في الدوائر كافة التي تخضع إلى نفوذهما (في الجنوب والبقاع والضاحية الجنوبية لبيروت)، ويتم التوافق في أكثرية المجالس البلدية في قرى الجبل الخاضعة إلى نفوذ الحزب التقدمي الاشتراكي، ويتم التأكيد على المناصفة الطائفية ومشاركة الجميع في مجلس بلدية بيروت، كما يتم التوافق في عدد كبير من المدن الكبرى ذات الطبيعة السياسية الحساسة كصيدا وجونيه وعمشيت، فيما يشهد عدد من بلديات المتن التحالف بين أخصام الأمس القريب، التيار الوطني الحر، والكتائب، والقوات اللبنانية، وميشال المر، الخ. في حين ساهم تلكؤ السلطات السياسية في تعطيل الإصلاح، ساهمت، من ناحية ثانية، المهل القانونية المتلاحقة وقصر المسافة الزمنية، بين التأكيد على موعد الانتخابات وإجرائها، في تعطيل كل حوار كان يمكن أن يتم حول المجالس البلدية ودورها في عملية التنمية المحلية.

والحال أن اختباء الأحزاب والتيارات السياسية وراء شعار أن "الإنماء هو شأن عائلي ومحلي" يفضح عجزها وقصورها عن تقديم سياسات عامة وبرامج في مجال التنمية المحلية. ويبقى السؤال الذي مفاده كيف يمكن اعتبار الانتخابات البلدية انتخابات تنموية عائلية لا دخل للسياسة وللأحزاب فيها، في الوقت الذي تُبنى فيه السياسة في لبنان على العائلات والخدمات؟

كرم كرم باحث في العلوم السياسية ومدير البرامج في المركز اللبناني للدراسات.