سبع ساعات كانت المتبقية لتقديم القوائم الانتخابية لمكاتب لجنة الانتخابات المركزية، حين قرر مجلس الوزراء الفلسطيني في 10 حزيران/يونيو الماضي، إلغاء انتخابات مجالس الهيئات المحلية التي كانت مقررة بعد ذلك بنحو شهر.
ورغم أن السلطة بررت قرارها المفاجئ بوجود أفق لمصالحة مع حركة "حماس" لا تريد تعطيلها بإجراء انتخابات من طرف واحد، إلا أن الأكيد أن حركة "فتح" هي من كانت وراء هذا القرار، وبتدخل مباشر من الرئيس محمود عباس،  حسبما أكد القيادي الفتحاوي حسام خضر، معللا الأمر بواقع حركته القاتم. فما زال يعم فتح التجزؤ والصراع الداخليين، حتى بعد مؤتمرها السادس الذي عقد قبل نحو عام وأريد منه إصلاح وضعها، علاوة على عجزها عن تمييز نفسها عن السلطة الفلسطينية التي تنوء تحت عبء تلاشي شرعياتها: انسداد أفق العملية السياسية مع إسرائيل، وانتهاء مدة الولاية الرئاسية لمحمود عباس، إضافة للفضائح المالية والأخلاقية لأكثر من مسئول فيها.
لذا حاولت فتح--والسلطة الفلسطينية--منذ البداية السير على خيط رفيع يفصل بين وضعها الداخلي المأزوم وحاجتها إلى إصلاحات تعيد ترميم مكانتها المتآكلة. وهو ما رأت بانتخابات محسومة النتائج سلفا (بالتزكية) وسيلة مضمونة لتحقيقه، حتى لو تطلب الأمر الضغط على المنافسين لإجبارهم على إخلاء الساحة لمرشحيها. ومن ذلك ما حدث في قرية بيت اكسا شمال غرب القدس مثلا، حيث قالت مصادر صحفية أن أجهزة الأمن الفلسطينية أوقفت رئيس القائمة المنافسة المستقل للتحقيق، ما دفع الأعضاء الآخرين للانسحاب خشية أن يتعرضوا لنفس الموقف، الأمر الذي أدى إلى انفراط عقد القائمة.
بيد أن الأمور لم تجر كما شاءت فتح لسببين: فشلها في خلق ائتلاف وطني موسع بقيادتها لخوض الانتخابات، بعدما رفضت كل من الجبهة الشعبية والمبادرة وحزب الشعب هذا العرض، طمعا بأن تصب أصوات المعارضين لسلطة رام الله لصالحهم، خاصة مع خلو الساحة من المنافس الحقيقي حركة "حماس". أما الفشل الأكبر لفتح فكان في عجزها عن تشكيل قوائم موحدة لها في جميع بلديات الضفة الغربية، نتيجة إصرار عدد من كوادرها على الترشح كمستقلين أو في قوائم أخرى في حالة تم استبعادهم من قوائمها، غير آبهين بالتهديدات بفصلهم من الحركة إذا ما أصروا على ذلك.
ولعل المثال الأوضح والأكثر إرباكا لفتح، هو ما حصل في مدينة نابلس احدى اكبر مدن الضفة الغربية، عندما قرر احد قادتها الرجل القوي غسان الشكعة ترشيح نفسه لرئاسة البلدية، رغم وجود مرشح رسمي للحركة هو أمين مقبول، ما أظهر جليا مدى التشتت وانعدام الانضباط داخل الحركة. وبذلك بدت فتح أمام خيارين، أما أن تلغي الانتخابات تحت داعي التأجيل، أو أن تكرر تجربة الانتخابات التشريعية عام 2006 التي منيت فيه بهزيمة قاسية، عندما ترشح ستة مرشحين فتحاويين ضد مرشح واحد من حماس، ما جعل الأصوات الفتحاوية تتشتت وتضيع.
وإذا أخدنا بالاعتبار وجود فتور في الرأي العام الفلسطيني إزاء إجراء الانتخابات المحلية في ظل الانقسام الفلسطيني الحالي:  حيث أيدها 54 في المائة وعارضها 41 في المائة حسب احد استطلاعات الرأي، يمكننا الاستنتاج أن  قلة المشاركة الشعبية لم تكن لتطعن في صحة نتائج العملية الانتخابية فحسب، بل في مكانة فتح كأكبر الفصائل في الساحة الفلسطينية، فحتى إن كان نجاحها مضمونا في ظل غياب حماس، فإنها لن تحصد أكثر من 30 في المائة من أصوات من يحق لهم الاقتراع  حسب غالبية المراقبين . من جهتها، أعلنت الحكومة المقالة في قطاع غزة مبكرا (شهر أكتوبر/تشرين الأول 2009)، أنها ستمنع إجراء الانتخابات المحلية في المنطقة التي تسيطر عليها، متذرعة بعدم وجود توافق وطني حول الموضوع، ومتوعدة بملاحقة كل من يقوم بأية تحضيرات لإجرائها، في إشارة إلى لجنة الانتخابات المركزية التي منعتها "حماس" من العمل في قطاع غزة.
وترجع أسباب هذا المنع  إلى الصراع على السيطرة بين حماس وفتح، بمعنى من يملك القرار وفي أي بقعة جغرافية، إضافة إلى إدراك حماس حاجة فتح الماسة للانتخابات المحلية، وبالتالي عدم استعدادها لمنحها إي طوق نجاة قد يساهم في إنتشالها من محنتها الحالية، بما في ذلك عدم دعم مرشحين مستقلين قد تصبغ مشاركتهم نوعا من الشرعية على هذه الانتخابات، حسبما أكد احد مسئولي حماس.
أما حماس في الضفة الغربية – التي تحاول الظهور بمظهر أكثر اعتدالا تحسبا لرد عنيف من السلطة-، فبررت رفضها إجراء الانتخابات المحلية في هذه الفترة بالذات، بعدم توفر الشروط الأساسية لقيام عملية شفافة ونزيهة تعكس إرادة الناخبين، بما في ذلك احترام الحق في حرية الرأي والتعبير والحق في التجمع السلمي وتكوين الجمعيات، إضافة إلى ضمان النشاط السياسي لكافة القوى السياسية.  وحسب مسئول في حماس اعتقلت السلطة الفلسطينية في مايو/أيار2010 أكثر من 250 شخصا بذريعة انتمائهم لها، كما استدعت نحو ألف آخرين  للتحقيق. وحسب ذات المسؤول تركزت اسئلة المحققين بداية  حول إن كانت حماس ستشارك بالانتخابات المحلية ومن هم مرشحوها، ولكن بعد أن أعلنت الحركة مقاطعتها للانتخابات في 24 مايو/أيار، انصبت الأسئلة عما اذا كانت حماس ستدعم مرشحين مستقلين أم لا، ومن هم هؤلاء المرشحون. وما يساند حماس في مسعاها لاضعاف فتح، علمها أن نتائج اي انتخابات يبقى مشكوك بها طالما غابت عنها، وهو ما لا تتردد في فعله.
وتقدم انتخابات مجلس طلبة جامعة بيرزيت هذا العام مثالا على هذا الأمر،  فهذه الانتخابات التي قاطعتها الكتلة الإسلامية (تحالف حماس والجهاد الإسلامي)– بسبب وجود أكثر من سبعين من أعضائها في سجون السلطة حسبما قالت مصادر فيها  وأكد كثير من المراقبين المستقلين-، خفض نسبة الاقتراع إلى 56.7 في المائة ، فيما كانت نسبة الاقتراع في انتخابات العام السابق التي شارك بها الإسلاميون 84.21 في المائة (5970 صوتاً)، الى جانب أن عدد الأوراق الباطلة بلغ هذا العام 299 ورقة اقتراع، وعدد الأوراق الفارغة 196 ورقة، أي قرابة 12 في المائة من نسبة المقترعين.

ورغم أن كتلة الشبيبة التابعة لفتح حصدت في هذه الانتخابات 31 مقعداً، وتحالف اليسار 16 مقعدا، وتجمع المبادرة 3 مقاعد، والتيار القومي مقعد واحد، مقارنة بحصول كتلة الشبيبة على 24 مقعدا، والكتلة الإسلامية 22 مقعدا، والجبهة الشعبية 4 مقاعد وحزب الشعب ومقعد واحد، في الانتخابات السابقة، فإن كتلة الشبيبة حصدت هذا العام 2200 صوتا مقابل 2540 صوتا العام الماضي، أي أنها خسرت 340 صوتاً رغم مقاطعة حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي".
وأخيرا، فإن تأجيل الانتخابات المحلية لا يعكس الوضع الفلسطيني المتردي فحسب، بل يشير الى صعوبة-أو استحالة-اجراء اي انتخابات اخرى تشريعية أو رئاسية في المستقبل المنظور على الاقل. مما يعني أن النظام السياسي الفلسطيني مقبل على مرحلة طويلة من الجمود عنوانها: حكم فردي بوليسي سواء في الضفة الغربية او في قطاع غزة.

عمران الرشق كاتب ومحلل  فلسطيني