برزت أهمية دور الجيش اللبناني في الحفاظ على استقرار لبنان مؤخرًا إثر المناوشات على الحدود اللبنانية الإسرائيلية في أوائل آب/أغسطس 2010، التي أدّت إلى مقتل جنديّيْن وصحافي من الجانب اللبناني بالإضافة إلى ضابط إسرائيلي، وبعد معارك الشوارع في منطقة برج أبي حيدر في بيروت التي استُخدمت فيها الأسلحة الثقيلة .وبينما يُكرر جميع السّاسة اللبنانيين لازمةَ تسليح الجيش اللبناني، لا يرغب أيٌّ منهم فعلاً في جيش وطني قوّي البنية، حيث يعني تدعيم هذا الجيش تعزيز مؤسسات الدولة الذي يعني بدوره إضعاف رجال السياسة الإقطاعيين الذين تبوؤوا السلطة قبل عقود بفعل ضعف مؤسسات الدولة اللبنانيّة. فشلل الدولة يسمح للسياسيين بإغراق حاشيتهم وأنصارهم في الزبائنيّة وخدماتها الفاسدة. وان قرر اللبنانيون يوماً ما أنهم جدياً يريدون تقوية الجيش، فان وضع استراتيجية دفاع وزيادة موازنة الجيش من أول الخطوات التي عليهم اتخاذها.

منذ أن ألقت الحرب الأهليّة اللبنانيّة أوزارها عام 1991، احتلّ الجيش السوري الدور المحوري في المشهد الأمني في لبنان وهمّش الجيش اللبناني بمنأى عن أنظار العالم. بعد انسحاب الجيش السوري الذي خلف فراغًا أمنيًا، بدأت جهود خجولة تُبذل لإعادة تسليح الجيش اللبناني. وفي غياب صناعة دفاعيّة أو موازنة مخصصة لشراء المعدات العسكرية، لا يجد الجيش أمامه خيارا للتسلح سوى التعويل على الهبات الأجنبيّة. وتمّ الدفع باتجاه استكمال عمليّة التسليح هذه في عام 2007،تحديداً بعد المواجهة التي اندلعت بين الجيش اللبناني ومجموعة فتح الإسلام المقربة من تنظيم القاعدة والتي كانت متغلغلة في مخيّم نهر البارد للاجئين الفلسطينيين. وعليه، وجد الجيش عديم التجهيزات والجهوزيّة نفسه في مواجهة دارت رحاها في بيئةٍ قتالية حضريّة إنتهت بانتصار الجيش بعد معركةٍ دامت ثلاثة أشهر. أدار الضّباط المعركة بواسطة الهواتف الخليويّة ووجد الجنود نفسهم حيناً في مواجهة نقصٍ في الذخيرة ومن دون دعمٍ جوٍّي فعلي تسيّرهم معلومات استخباراتيّة ضعيفة وعتاد ضعيف، فكانت الحصيلة مقتل 169 جندي.

سلّطت هذه المواجهات الضوء للأسرة الدوليّة على أهميّة الجيش اللبناني وضرورة قيام دولة لبنانيّة قويّة تُساعد على كبح نمو المجموعات العنيفة المتطرّفة في لبنان أو تسللها إليه. ولكن بفعل استمرار حالة الحرب بين لبنان وإسرائيل، لم تمنَّ الدول الغربيّة على لبنان سوى بمعدات عسكريّة دفاعيّة غير كافيّة ومستعملة وبائتة تكنولوجياً. وتمحورت المساعدة في الجزء الأكبر منها حول مساعدة أميركيّة بقيمة $600 مليون دولار تمثلّت بسيّارات دفع رباعي وشاحنات ومدرعات وقطع غيار للآليات القديمة، ومدافع وذخائر وأسلحة خفيفة وطائرات وأجهزة لاسلكي وتدريب. كما لم تبخل الإمارات العربيّة المتحدة بالمساعدة من خلال مروحيّات Gazelle و Puma فرنسيّة الصنع وبمستوىً أقلّ ألمانيا (مراكب خفر السواحل) بالإضافة إلى فرنسا (التدريب) والمملكة المتحدة (قطع الغيار) وبلجيكا (ناقلات وسيّارات الإسعاف المدرّعة). طبعا كانت هذه المساعدة ضروريّة بعد عقود من الحظر الدولي غير المعلن على تجهيز الجيش اللبناني ولكنها لم تكن كافيةً لتدعيم مؤسسة الجيش بما يلزمها.

 
 يشكِّل تعزيز الجيش بداية عمليّة إعادة بناء المؤسسات في لبنان لأنّها على الأرجح المؤسسة الوحيدة العابرة للطوائف التي يرى فيها اللبنانيّون تجسيداً لهم ويتوافقون على أنّها تخدم الوطن. ولكن عدم وجود نية حقيقية لدى الطبقة السياسية لتعزيز الجيش يتجلّى على سبيل المثال في محادثات طاولة الحوار التي تُعقد كلّ بضعة أشهر منذ العام 2006 والتي يُناقش فيها القادة السياسيّون "إستراتيجيّة دفاعيّة" تنتظر أن تتخذ لها شكلاً ملموساً. وفي الواقع تُعقد هذه المحادثات لغرض الاستهلاك العام فتفضي إلى اقتراحات إستراتيجيّة دفاعيّة قصيرة النظر وغير سريّة على عكس المطلوب.

ومن الأدلّة الإضافيّة على عدم جدّيّة الحكومة في معالجة مشكلة نقص تجهيزات الجيش اللبناني غياب موازنة شراء معدات خاصة بالجيش. تُخصّص الموازنة العسكريّة السنويّة وقيمتها مليار دولار أكثر من 800 مليون دولار للأجور (ومنها أجور مئات الجنرالات وما يقارب الألف عقيد) ولا يُخصص سوى مبلغ $30 مليون دولار في السنّة لشراء العتاد يُنفق معظمه في الواقع على شراء قطع الغيار وأمور لوجستية. مقارنة، كانت ميزانية الدفاع للعام 2009، 2.3 مليار دولار في الأردن، و2 مليار دولار في سوريا، في حين أنفق الأردن أكثر من 1.5 مليار دولار، وسوريا ما يزيد عن 5 مليار دولار لشراء معدّات ما بين عامَي 2005 و 2008.

وفي المحادثات الأخيرة التي أجريت بشأن وضع موازنة لشراء المعدات، أعلنت وزارة الدفاع في منتصف شهر آب/أغسطس عن فتح حساب لدى البنك المركزي يُمكن فيه للمواطنين التبرّع بالمال لدعم عمليّة شراء معدات الجيش. ولكنّ هذه الفكرة أيضا ليست سوى ممارسة للعلاقات العامة. ففي الواقع لم يُفتح الحساب بعد لأنّه يجب بموجب القانون أن يفتحه مجلس الوزراء والذي لم يستشره الوزير قبل طرحه الفكرة على الرأي العام. هذا ولو فُتح حساب الهبات فلا يُمكن عمليّاً لأي جيش أن يُخطّط لشراء المعدات أو يبني دفاع الدولة على الهبات والصدقة.

وفي غياب إستراتيجيّة دفاعيّة فعليّة وما يستتبعها من غياب لميزانيّة شراء، يجد الجيش نفسه مدفوعاً باتجاه مهمّة أمنيّة محليّة لم يجهّز لها. وإذا أريد لها أن تؤدّي هذا الدور بفعاليّة فسوف تتواجه مع القادة السياسيين المحليين الذي يحمون أنصاراً مسلّحين وخارجين عن القانون والذين معظمهم كانوا أمراء حرب في أيام الحرب الأهلية اللبنانية. كما أن هذا الدور المحلي للجيش يأتي على حساب دور الجيش في ضمان الأمن الخارجي اللبناني، حيثما يتولى الجيش من حزب الله مهمته المعلنة بحماية لبنان من التعديات الاسرائيلية.
 

يبدأ التمكين الفعلي للجيش بايجاد توازن ما بين المساعدات الخارجية والانفاق الوطني من أجل تنفيذ تطوير شامل وخطة لشراء المعدات للجيش.  وتوجد خطّة رفعتها قيادة الجيش في مرحلةٍ سابقةٍ وتتضمَّن بناء البنيّة التحتيّة (من ثكنات وتجهيزات للمطارات) وتأمين دبابات قتال ومقاتلات نفاثة جوّ أرض (لتوفير الدعم الجوّي في وجه ميليشيات على غرار ميليشيا مخيّم نهر البارد) وصواريخ مضادة للطائرات وصواريخ مضادة للدبابات ومروحيّات النقل والقتال (لأفواج المغاوير) وتجهيزات الهبوط البحري ومستلزمات أخرى. خطة كهذه من المتوقع أن تكلف فوق الملياري دولار.

وللمرّة الأولى منذ السبعينات، يجد الجيش اللبناني نفسه في بلدٍ مستقرٍّ نسبيّاً وقد تحرّر عام 2000 من الاحتلال الإسرائيلي وعام 2005 من الهيمنة العسكريّة السوريّة. ولعلّ الفرصة مؤاتية لاغتنام اللحظة لكي يفعل ما لم يحصل في تاريخ لبنان الحديث: فتح قنوات فعلية للحوار مع الزعماء السياسيين لاقناعهم بالتفكير والتخطيط من أجل تطوير الجيش اللبناني على المدى البعيد.

نديم حاصباني هو مدير الاتصالات في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت