أمام رئيس الوزراء اللبناني المكلَّف نجيب ميقاتي مهمّة صعبة: تشكيل حكومة قويّة بما يكفي لمواجهة العاصفة السياسية التي يُتوقَّع أن تهبّ على البلاد عقب صدور القرار الظني عن المحكمة الخاصة بلبنان التي أنشأتها الأمم المتحدة للتحقيق في اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري عام 2005. والدور الذي لعبه حزب الله في تسمية ميقاتي دفع بفريق 14 آذار إلى وصفه (وهو حليف سابق ترشّح تحت مظلة 14 آذار خلال الانتخابات النيابية عام 2005) بأنه أداة في خطة الحزب الهادفة إلى السيطرة على الحكومة وتجريد القرار الظني الذي يُتوقَّع أن يشير إلى تورّط الحزب في الاغتيال، من صدقيّته. ومن جهته ينفي ميقاتي – وهو رجل أعمال سنّي ملياردير أشرف خلال تولّيه رئاسة الوزراء في المرّة الأولى على الانتخابات النيابية التي شهدت استقطاباً شديداً عام 2005 وأدّت إلى وصول تحالف 14 آذار إلى السلطة – بشدّة مقولة أن حزب الله يستخدمه لتحقيق أهدافه. وقد تعهّد تشكيل حكومة معتدلة تضم مختلف الأطياف السياسية في البلاد، أو حكومة تكنوقراط في حال عجز عن ذلك.


ولهذه الغاية، أجرى رئيس الوزراء المكلَّف مباحثات مع العديد من الأشخاص المنتمين إلى تحالف 14 آذار لاستكشاف إمكانية انضمام هذه القوى إلى حكومته، مع العلم بأنه ليس مجبَراً على ذلك دستورياً أو سياسياً. فالدستور اللبناني يُجيز لميقاتي تشكيل حكومته بحسب الأكثرية في مجلس النواب التي باتت تتألّف الآن من قوى 8 آذار (حزب الله وحلفائه). إذا فعل ذلك، يصبح بإمكانه عندئذٍ العمل مع وزراء من الفريق السياسي نفسه، فيتجنّب المشاحنات حول كيفية إدارة الأمور.

يفضّل ميقاتي تشكيل حكومة وحدة وطنية، إلا أنه يتبيّن له أن استعادة ثقة فريق 14 آذار أصعب بكثير مما توقّع. فقد رفض التحالف المدعوم من الغرب الانضمام إلى حكومة ميقاتي إلا بعد التزام الأخير احترام قرارات المحكمة، بيد أن السياسي المحنّك لم يقبل بهذا الشرط. وقد أعلن رئيس الوزراء السابق سعد الحريري في ذكرى اغتيال والده في 14 فبراير/شباط أن 14 آذار ستنتقل إلى المعارضة.

الجنرال السابق وحليف حزب الله المسيحي ميشيل عون هو الآخر لا يسهّل عمل ميقاتي. يصر عون، الذي يقود ثاني أكبر كتلة نيابية بعد تيار المستقبل، على إختيار وزير الداخلية في حكومة الميقاتي، علماً بأن الوزارة طالما كانت من حصّة الرئيس ميشيل سليمان. إن استطاع عون إقناع ميقاتي بذلك، سوف تدخل الوزارة حقبة جديدة بعد ما كانت تعمل كوزارة مستقلة وغير مسيّسة تحت قيادة وزير الداخلية زياد بارود. وهذه الخطوة  تقلق البعض في لبنان حيث أن وزارة داخلية من حصّة الجنرال عون قد تلعب دوراً أساسياً في تصدي قرارات المحكمة الدّولية. 

من جهته يصرّ حزب الله على المطالبة بإلغاء مذكّرة التفاهم مع المحكمة الخاصة بلبنان متّهماً الأخيرة بأنها أداة أمريكية وإسرائيلية تهدف إلى إضعافه. في الواقع، كان رفض الحريري إلغاء مذكّرة التفاهم الدافع الأساسي وراء انسحاب وزراء 8 آذار من حكومته، ويرى المراقبون أن تلبية هذا المطلب هي شرط واضح يضعه الحزب في أساس تشكيل أي حكومة جديدة. لكن ميقاتي يحظى بدعم عدد كبير من النوّاب المسيحيين في المجلس، ومن قيادتَي حركة أمل والدروز (بعدما انتقل وليد جنبلاط إلى المقلب الآخر)، ناهيك عن دعم حزب الله. وإذ يدرك ميقاتي أن حزب الله لن يتمكّن من إيجاد شريك سنّي أفضل وأكثر صدقية منه، يتمتّع بالنفوذ الضرورية لمواجهة أي مطالب مفرطة من جانب الحزب.

ليس واضحاً بعد ما هو رأي ميقاتي من المحكمة الخاصة بلبنان وإذا كان قد قطع أي تعهّدات لحزب الله حول الموضوع. قال نائب أمين عام حزب الله، نعيم قاسم، في 11 فبراير/شباط إن حكومة ميقاتي ستكون "حكومة سياسية لخيارات سياسية واضحة"، وقد فسّر البعض هذا الكلام بأنه يعني أن رئيس الوزراء المكلّف تعهّد سراً دعم موقف حزب الله من المحكمة الخاصة بلبنان. من جهته، قال (بالإنجليزية) ميقاتي في مقابلة معه في الأول من فبراير/شباط إنه يريد "الحفاظ على علاقات جيدة مع المجتمع الدولي" مضيفاً أنه "على لبنان أن يفي بالتزاماته".

يخشى لبنانيون كثر أن تدفع حكومة يقودها حزب الله البلاد إلى مواجهة مع المجتمع الدولي، مع ما يترتّب عن ذلك من احتمال تعرّض لبنان لعقوبات اقتصادية تفرضها عليه الأمم المتحدة إذا لم يتعاون مع المحكمة. وفي هذه الحالة، يمكن أن تكون النتائج كارثية بالنسبة إلى بلد يرزح تحت وطأة ديون تفوق 53 مليار دولار ولا يملك موارد اقتصادية لدعم اقتصاده.

إلى جانب التعامل مع القرار الظني للمحكمة الدولية، سوف يواجه ميقاتي تحدّيات جدّية أخرى؛ فمواجهة المصاعب الاقتصادية التي تتخبّط فيها البلاد ترتدي أهمية قصوى بعد فشل سلفه في إيجاد حل لها. يُرتقَب من الحكومة الجديدة تطبيق إصلاحات هيكلية في قطاعات عدّة بينها الاتّصالات السلكية واللاسلكية، والكهرباء والمياه، والتعليم، والصحة. بيد أن إقرار هذه الإصلاحات يتطلّب استقراراً سياسياً سيبقى على الأرجح بعيد المنال على ضوء الاستقطاب السياسي الشديد في البلاد.

أثبت ميقاتي خلال الفترة القصيرة التي أمضاها في رئاسة الوزراء عام 2005، أنه قادر على إدارة البلاد في مرحلة شديدة التقلّبات شهدت من بين أمور أخرى انسحاب الجيش السوري بعد ثلاثين عاماً من وجوده في لبنان. لكن صحيح أيضاً أنه خلال ذلك الوقت، حظي بالدعم الكامل من فريقَي 8 آذار و14 آذار. بيد أن الوضع تغيّر الآن.

مجدولين حاتوم مؤسِّسة مشاركة وشريكة في موقع Mideastwire.com.