أسفرت الثورة التونسية من أجل الكرامة والحرية كما أحب أن يسميها التونسيون، عن رفع  الحظر عن الأحزاب وأهمها حزب حركة النهضة الذي ظل محظوراً طوال عشرين سنة نظراً إلى مبادئه الدينية وواجه قمعاً في أواخر الثمانينات وأوائل التسعينات من قبل نظام الرئيس المخلوع زين العابدين بن علي. فقد قرر مؤسس حركة النهضة راشد الغنوشي الرجوع من منفاه في لندن في 30 يناير/كانون الثاني بعد أيام من سقوط بن علي وإعادة هيكلة حزبه و تهيئته للمشاركة في الحياة السياسية المستقبلية التي تطمح لتأسيس ديمقراطية حقيقية توفر للجميع الفرص نفسها.
 
 ضربت الثورة المنظومة القانونية السابقة عرض الحائط بحيث وقع الاعتراف بالنهضة بتاريخ  1 مارس/آذار 2011  بالرغم من أن البند الثامن من الدستور السابق يمنع الأحزاب ذات المرجعية الدينية. وكانت النهضة خلال عقدين (1992-2011) شبه مغيّبة داخلياً، فلم تشارك في الإطاحة بنظام تميّز بالتسلط ومنع أي معارضة جدية من منافسة الحزب الحاكم (التجمع الدستوري الديمقراطي). لذلك تميزالمشهد السياسي مباشرة  بعد 14يناير/كانون الثاني بفراغ سياسي ملحوظ فيما يعاني 54.3% من الشباب الذين لا تتجاوز أعمارهم الثلاثين سنة، وبينهم  ما يقارب 300000 من حاملي الشهادات العليا، من البطالة.

بالرغم من أنه يبدو أن الوضع في تونس يتيح لحركة النهضة فرصة استقطاب الأعضاء، إلا أن الكثير من التونسيين ينظرون إلى الحركة الإسلامية بتحفظ. لم يعرف هذا الشباب الذي قام بالثورة سوى الحزب الواحد ودكتاتورية نظام الرئيس المخلوع بن علي ولم يطّلع على أطروحات النهضة بسبب الحظر المسلط عليها مما يجعله فاقداً لثقافة سياسية تمكّنه من المساهمة الواعية والفعالة في الحياة السياسية. هذا فضلاً عن تحفظات الطبقات المتوسطة  على حركة اتُّهمَت بالتطرف والإرهاب نظراً لما خلّفته  أحداث باب سويقة وغيرها في أوائل التسعينات في النفوس، حيث تسبب مناضلو حركة النهضة في وفاة مواطن إثر إحراقهم لمقر للحزب الحاكم آنذاك كما تعمد أعضاء في الحركة رمي مادة محرقة في وجوه أشخاص. وإعترفت قيادة الحركة في 7 فبراير/شباط ان بعض أعضاء الحركة أخطأوا في الماضي، لكنهم أصروا على أن القيادات لم يكن لها علم بالموضوع وان تلك كانت أعمال فردية.

دخلت حركة النهضة المرحلة الجديدة بخطاب سياسي مرن يريد طي صفحة الماضي ويعطي تطمينات حول التزامها بقيم الديمقراطية وحقوق الإنسان ونبذ العنف وبخاصة قبولها لمجلة الأحوال الشخصية التي تجيز تعدد الزوجات وتقر بالمساواة بين الرجل والمرأة. فقد ورد في صحيفة لو تون (6 فبراير/شباط 2011) على لسان راشد الغنوشي أن مجلة الأحوال الشخصية مستمدة من الشريعة وأن تعدد الزوجات هو أمر ممنوع  ومحسوم قانونياً. وأعلن كذلك أن الحجاب هو اختيار شخصي، كما أقر بعدم إمكانية ممارسة عقوبة الرجم و قطع اليد ، لكن هناك مؤشرات تظهر أنه لم يقع القطع النهائي مع  المنظومة الراديكالية منها تصريحات المزدوجة  لحمادي الجبالي أمين عام الحركة  بنفيه لمشروع تطبيق  الشريعة حوار نشر في مجلة ريالتي بتاريخ 17 فبراير/شباط من جهة وتصريحه بالالتزام بما ورد بها بالحوار ذاته من جهة أخرة.

وانضمت حركة النهضة الى لجنة حماية الثورة التي تشكلت في أواخر يناير/كانون الثاني على وقع تظاهرات صاخبة والتي شارك فيها ما لا يقل عن 28 منظمة تشكل الأطراف الفاعلة في المجتمع المدني من بينها الاتحاد العام التونسي للشغل والحركات اليسارية. أثّر هذا التحالف الحركي على مجرى الأحداث بتدعيم وتغذية تجمعات ما يسمى باعتصام  القصبة الأول (23 يناير/كانون الثاني) والثاني (25 فبراير/شباط). وهي حشود جاءت من المناطق الداخلية للبلاد ورابطت بساحة الحكومة بالقصبة حتى سقوط حكومة الغنوشي.

كما انتقدت حركة النهضة الحكومة  الثانية التي شكّلها سيد الباجي القائد السبسي يوم 27 فبراير/شباط على وقع التظاهرات. ودخل راشد الغنوشي في تراشق مع السبسي الذي هو أحد أبرز  السياسيين منذ عهد الحبيب بورقيبة (الرئيس الأول للجمهورية التونسية). فقال راشد الغنوشي إن السبسي جيء به من الأرشيف، مشيراً إلى تقدّم سنه، وردعليه الوزير الأول يوم تنصيبه بأن راشد الغنوشي هو أيضا من الأرشيف ولكنهما ليسا من الصندوق نفسه. من الواضح إذن أن النهضة اختارت الانصهار في صفوف الحشد الواسع من المحتجين على فلول النظام السابق وتركيبة الحكومة المضطربة وأدائها المحدود وتلكؤها في اتخاذ القرارات الجريئة التي تواكب الزخم الجماهيري للثورة.

 وفي هذا الإطار حل تكوين لجان التحول الديمقراطي محل جدل كبير في تونس. وتشكلت ثلاث لجان تألّفت في البداية من اختصاصيين بدون انتماء سياسي، وهي  لجنة الإصلاح السياسي و لجنة تقصي الحقائق حول التجاوزات والانتهاكات خلال الأحداث الأخيرة (بدون تحديد زمني يذكر) ولجنة تقصي الحقائق  حول الرشوة والفساد. ولقد اهتمت النخب في شكل خاص بلجنة الإصلاح السياسي نظراً لدورها في صياغة ترسانة النصوص الانتقالية  بما فيها المجلة الانتخابية.
 
طالب الإسلاميون رسمياً على غرار أطراف أخرى بالمشاركة في لجنة الإصلاح السياسي بالذات، والتي طالب البعض في لجنة حماية الثورة بإضفاء صبغة تقريرية عليها. فرضخت الحكومة وأعادت صياغة اسم اللجنة في 18 فبراير/شباط الذي أصبح الهيئة العليا لتحقيق أهداف الثورة والإصلاح السياسي والانتقال الديمقراطي. وجرى تطعيمها بممثلي المجتمع المدني من أحزاب سياسية بما فيها حركة النهضة وجمعيات المجتمع المدني وشخصيات وطنية.

وإن نجحت النهضة في الانصهار في "جبهة الدفع" الرامية إلى تجذير الثورة، إلا أنها لم تستطع من جهتها ردء الصدع في داخلها. لقد برز على السطح خلاف حيث عمل الجيل الجديد على إزاحة الشيخ عبد الفتاح مورو ا من الهيئة القيادية بسبب مطالبة الحركة بالقيام بنقد ذاتي حول أعمال العنف المرتكبة بباب سويقة في التسعينات، مما دفع  موروا إلى البدء بانتقاد الحركة والتلويح بتكوين حزب مستقل. بالإضافة إلى ذلك، حصلت تغييرات في التركيبة الرسمية للمكتب التنفيذي للنهضة برئاسة راشد الغنوشي بعدما أعلن من لندن تخليه عن القيادة الفعلية لصالح حمادي الجبالي الناطق الرسمي للحركة.

كما وتواجه النهضة خطر تشرذم الحركة الإسلامية بعدما جرى الاعتراف بما لا يقل عن 50 حزباً البعض منها ذو توجهات إسلامية صريحة قد تنافس النهضة في قاعدتها الشعبية التقليدية. وتواجه النهضة أيضاً البروز غير المنتظر للحركة السلفية الشبابية وبخاصة حزب التحرير الذي رفضت الإدارة رسمياً الاعتراف به بعدما صرّح أن هدفه الأول هو الخلافة الإسلامية وإلغاء الأحزاب السياسية. وهذا قد يدفع النهضة لإعادة ترتيب البيت ويضعها في موقف حرج أمام تنامي هذه التيارات الأصولية السلفية التي قادت تظاهرات نادت بشعارات عنصرية ومعادية للسامية وتهجمت على بائعي مواد كحولية ونسوة غير محجَّبات.

وتبقى قضية علاقة الدين بالدولة والعلمانية من المسائل الجوهرية التي  قد تدفع حركة النهضة لتوضيح موقفها من علمانية الدولة. فهي من جهة ترفض رفضاً باتاً الفصل بين الدين والدولة ومن جهة أخرى تقدّم نفسها رديف حزب العدالة والتنمية في تركيا الذي يعمل في إطار  دولة علمانية أقرّها الدستور. ينص الدستور التونسي على أن الدولة تدين بالإسلام. وسيكون الخلاف حول الهوية وعلمنة الدولة والإقرار بالحرية الدينية حتى وإن التزمت النهضة بالفصل الأول من الدستور الذي يحدد أن الإسلام دين الدولة. فالهوية بالذات سوف تكون موضع جدل بانتظار الانتخابات التأسيسية في 24 يوليو/تموز، وهو اليوم الذي سيتضح فيه الاتجاه السياسي والفكري العام للجمهورية الثانية التي سوف تتضمن ولأول مرة في تاريخ تونس، أحزاباً إسلامية مرخصاً لها تشارك في اللعبة الانتخابية. وهذا من شأنه إضفاء ديناميكية  في الحياة السياسية حيث يوجب على اشعب التونسي وجود توازن ما بين الحداثة والتقليدية حرصا على عدم الوقوع في التطرف من جهة أو من أخرى.

رجاء البصلي، كاتبة عامة في منظمة جيل تونس الحرة.