فاز حزب النهضة الإسلامي في الانتخابات التونسية الأحد الماضي في منافسة شارك فيها ما يزيد عن 80 حزباً سياسياً. حصل النهضة على أكثر من 40 في المئة من المقاعد (90 من أصل 217) في المجلس الوطني التأسيسي. وتتوزّع المقاعد المتبقّية بين العديد من الأحزاب العلمانية الكبرى وأحزاب صغرى نالت نسبة جيّدة من الأصوات في المناطق، وكانت المفاجأة حصول "العريضة الشعبية للحرية والعدالة والتنمية" التي يرأسها رجل الأعمال التونسي محمد الهاشمي الحامدي على 20 مقعد. لعلّ النصر الذي حقّقه النهضة يعود إلى أساليبه في التواصل مع الناس وكذلك إلى الرواج الذي تلقاه رسالته. لقد دفعت معظم الأحزاب السياسية التي تشكّلت غالبيتها أو اكتسبت وضعاً قانونياً بعد ثورة يناير/كانون الثاني، ثمن غياب التنظيم والاعتبارات الاستراتيجية السيّئة. ففي الانتخابات التي سعى منظِّموها إلى توفير حظوظ متساوية لجميع الأفرقاء في المشهد السياسي، وحده النهضة أدرك أن التواصل مع الناخبين (بدلاً من الدعاية) هو مفتاح النجاح.

يحمل انتصار النهضة في جوانب عدّة رفضاً لخمسين عاماً من العلمنة بعد الاستقلال. فالحزب الذي أعلن في حملته أنه سيعيد إرساء مكانة الإسلام كجزء مهم في الثقافة التونسية، وجّه رسالة دينية تعمّد أن تكون مبهمة لاستقطاب أوسع طيف من الناخبين. فمن خلال الاقتراع له، صوّت الأنصار المحافظون دينياً الذين تعرّض عدد كبير منهم لقمع همجي في ظل بن علي، لصالح اضطلاع الإسلام بدور أكبر في الحياة العامة. أما الناخبون الأقل محافظية فقد انجذبوا إلى الدعوة التي أطلقها الحزب للتمسّك بالقيم "التقليدية" المتمثّلة في العمل الدؤوب والنزاهة في وجه فساد النخبة. ولقي موقف الحزب المعتدل من الحجاب – لا يفرضه ولا يمارس التمييز ضد النساء اللواتي يرتدينه – استحسان الناخبين الذين كانوا يستاؤون من تركيز الأنظمة السابقة على المعايير العلمانية.

صحيح أن القدرة على استقطاب مجموعة متنوّعة من الناخبين كانت عنصراً مهماً في فوز النهضة، لكن أحزاباً سياسية كثيرة تبنّت برامج انتخابية مماثلة، ولذلك يمكن القول بأن اسم النهضة المعروف من الناخبين ساهم على الأرجح في تحقيق الحزب نسبة الدعم الأكبر في أوساط الناخبين المتردّدين، والتي بلغت 40 في المئة من مجموع الناخبين التونسيين في أول سبتمبر/أيلول. لا شك في أن النهضة هو الحزب المعارض الأشهر في البلاد؛ فطوال ثلاثة عقود، مارست حكومة بن علي المضايقات بحق أعضائه فجرّدتهم من مقاعدهم في البرلمان وألقت بهم في السجون. صحيح أن أحزاباً أخرى (ولا سيما الحزب الشيوعي التونسي) تعرّضت لقمع مماثل، لكنها لم تلقَ قط دعماً شعبياً واسعاً بقدر النهضة. هذا فضلاً عن أن المجموعات الأخرى، على غرار منظمات حقوق الإنسان، ليست معروفة من الناخبين نظراً إلى أنّ تحوّلها إلى أحزاب سياسية حصل منذ وقت قصير وتحديداً بعد اندلاع الثورة في يناير/كانون الثاني. فالناخبون يعرفون شخصيات علمانية بارزة كانت تنتقد بن علي مثل منصف المرزوقي ومصطفى بن جعفر وأحمد نجيب الشابي، لكنهم لا يعرفون بالضرورة الأسماء الجديدة لأحزابهم.

ويمكن أيضاً أن نعزو أداء النهضة في الانتخابات إلى حملته التي ركّزت على معلومات عملية – إنما أساسية – عن آلية التصويت. ففيما راحت الأحزاب الأخرى توزّع مناشير سياسية طويلة تشرح فيها برامجها، وضحّ النهضة في مطبوعاته أين يجد الناخبون شعار الحزب وكيف يضعون إشارة عند أسماء المرشّحين الذين يريدون التصويت لهم على ورقة الاقتراع. كانت هذه المعلومات أساسية، فأوراق الاقتراع لا تتضمّن أسماء قادة الأحزاب، بل تورد فقط أسماء المرشّحين وشعار حزبهم. وقد أدّت الشعارات دوراً أساسياً جداً بالنسبة إلى الناخبين غير الملمّين جيداً بالقراءة. فعلى سبيل المثال، استوحي شعار "المؤتمر من أجل الجمهورية" من نظّارة المرزوقي التي تحوّلت علامة مميّزة له، وروى ناخبون كثر أنهم بحثوا عن النظارة في أوراق الاقتراع.

وقبل كل شيء، تكتيك النهضة على الأرض ضمَن له النجاح. فغياب الإعلام الانتقادي عقب خمسين عاماً من قمع وسائل الإعلام جعل من الصعب على الناخبين الحصول على معلومات عن المرشّحين والبرامج الانتخابية، ولا سيما بوجود هذا الكمّ الهائل. اللازمة التي تردّدت كثيراً على ألسنة الناخبين هي أن كل الأحزاب بدت متشابهة في إعلاناتها. ففي محافظة أريانة مثلاً، تنافس ما يزيد عن تسعين حزباً سياسياً على ثمانية مقاعد في الجمعية التأسيسية (ما يرفع عدد المرشّحين الإجمالي إلى 720). في ما يتعلّق بالدعاية الانتخابية، ينص القانون الانتخابي التونسي على أنه يحق للناطقين باسم الأحزاب بتسعين ثانية فقط عبر الإذاعة وثلاث دقائق عبر التلفزيون لشرح برامجهم الانتخابية ولماذا يجب أن يختارهم الناخبون. كانت هذه الرسائل تُبَث طيلة النهار خلال الفترة التي سبقت الانتخابات. وعُلِّقَت ملصقات الحملات قرب المدارس المحلّية؛ وقد أجيز لكل حزب تعليق مصلقَين حجم 30 ب45 سم في أماكن محدّدة بحسب عدد مرشّحيه. ولم يُسمَح بأي إعلانات أخرى، مع العلم بأنه أجيز للأحزاب تنظيم تجمّعات وتوزيع مناشير.

وقد اتّخذت الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات قرارات استراتيجية لتعزيز شرعية الانتخابات في نظر الناخبين كافة؛ ولهذه الغاية، أرجأت الانتخابات من يوليو/تموز إلى أكتوبر/تشرين الأول وحظرت الدعاية الانتخابية في الأسابيع الأخيرة. رأى كثر في هذه التدابير وسيلة للتصدّي للأفضلية المجحفة التي بدا أن الإسلاميين يتمتّعون بها مقارنة بالأحزاب الأخرى – ولا سيما في وجه تفشّي الشائعات عن حصول الحزب على تمويل خارجي. وكان الهدف من حظر الإعلانات أيضاً استباق الأمور وضبط الحملات الإعلامية التي كان يُتوقَّع أن تخوضها أحزاب مموّلة جيداً مثل الحزب الديمقراطي التقدّمي والاتحاد الوطني الحر. وقد شجب النهضة الذي تقدّم في كل استطلاعات الرأي الأساسية التي أجريت منذ مارس/آذار الماضي، إرجاء الانتخابات إلى أكتوبر/تشرين الأول، لكنه لم يعترض، في خطوة ذات دلالات، على حظر الدعاية الانتخابية. فقد أدرك أن الظهور عن طريق الإعلانات ليس سلاحاً قويّاً جداً في هذه المعركة الانتخابية التي تتساوى فيها قسراً حظوظ الجميع، ولذلك ركّز على شن حملات لاستقطاب القواعد الشعبية والتفاعل المباشر مع الناخبين.

قبيل أيام من عملية الاقتراع، لم يكن هناك ما يوحي في شمال تونس بقرب موعد الانتخابات. فعلى الرغم من العدد الكبير من الأحزاب السياسية التي ظهرت مؤخراً، ظلّ الجزء الأكبر من الأماكن المخصّصة لملصقات الحملات فارغاً. ومن أجل مواكبة أخبار الأحزاب، كان على الناخبين أن يقصدوا عاصمة الشمال بالحافلة. لقد تمكّن الناخبون في العاصمة والمدن الكبرى من حضور التجمّعات والاستماع إلى المرشّحين وطرح الأسئلة، أما الناخبون في الأرياف فنادراً ما حصلوا على مثل هذه الفرص. لكن حزباً واحداً رفع ملصقاته في كل الأماكن المخصّصة له، ووزّع مناشير انتخابية في كل البلدات والقرى: إنه حزب النهضة. فمن الرأس الطيب في الشمال الشرقي إلى طبرقة في الشمال الغربي، لم يترك مكاناً إلا وأقام فيه تجمّعاً أو مكتباً. وهكذا بقي النهضة في مرحلة الاستعداد للانتخابات، الحزب الأكثر حضوراً على الساحة التونسية.

نظراً إلى اعتماد الأحزاب العلمانية الكبرى على الإعلانات وإحجامها عن لقاء الناخبين خارج المدن الكبرى، وجد الناخبون المتردّدون في القرى صعوبة في محضها ثقتهم. في نهاية الأسبوع الماضي، أثبتت غالبية التونسيين أن حزب النهضة يعرف ما تريد، كما أظهرت أنه لا يجوز الاستخفاف بالناخبين التونسيين، ويجب التواصل معهم مباشرة. وهكذا فيما يستمر فرز الأصوات، يتعيّن على الأحزاب العلمانية أن تتوقّف عند الدرس القيِّم الذي تُقدِّمه الانتخابات التونسية.

إريك تشرشل مستشار مستقل وصحافي مقيم في تونس يعمل لحسابه الخاص. تتطرّق مدوّنته، A 21st Century Social Contract، إلى عملية الانتقال السياسي والإصلاح في تونس.

تصحيح من 31 أكتوبر 2011  كتب في مقالة سابقاَ  أنّ البطاقات عرضت أسماء المرشحين وشارات أحزابهم، ولكن البطاقات عرضت أسماء الأحزاب وشاراتها.