شكّلت نهاية حكم حسني مبارك محطة  جديدة في الديناميكيّة المدنية- العسكرية في مصر. فلدى انهيار النظام،  عقب إطاحة مبارك في 11 فبراير/شباط 2011 وما تلاها من  انكفاء للشرطة، تسلّم المجلس الأعلى للقوات المسلّحة الحكم  لفترة كان من المقرر أن تمتد لستة أشهر. ولكن من الصعب حاليّاً تحديد الإطار الزمني لهذا التدبير الذي قد يمتدّ لفترة طويلة. 

بعد عقود من حكم نظام سلطوي، كان للجيش فيه نفوذٌ كبيرٌ، يحاول  المجلس العسكري إرساء توازن حسّاس يمكّنه من مواجهة احتمال خسارة هذا النفوذ؛ من دون الحاجة إلى فرض حكم عسكري نهائي؛ ساعياً فقط إلى الحفاظ على امتيازات سياسيّة وإقتصادية في النظام الجديد.

لقد تمكّن الجيش من الظهور في صورة متماسكة في الأشهر الأولى للثورة. لكن فيما تتصاعد الضغوط من الجبهة المدنية على مشارف الانتخابات التشريعية في 28 نوفمبر/تشرين الثاني، يكتشف الجيش المصري شيئاً فشيئاً أنه لم يعد قادراً على تسيير الأمور وفق رغبته.

في عهد مبارك، كان الجيش في مصر مكوّناً أساسياً من مكوّنات النظام، وأكثر  تأثيراً بكثير من الجيش في تونس في عهد بن علي. صحيح أن مبارك كان مستقلاً عن الجيش في العقود الأخيرة، لكن غالباً ما كانت القيادة العليا في المؤسسة العسكرية تُستشار في المسائل الأساسية (مثل نقاشات الخصخصة بعد العام 2004 أو خلافة مبارك). وعلى الرغم من أن القوات المسلّحة لم تكن تتورّط كما وزارة الداخلية والشرطة السرية المخيفة التابعة لها، في حملات القمع اليومية، إلا أنها كانت الملاذ الأخير للنظام.

 قبل العام 2011، لبّى الجيش نداء الرئيس في محطّات عدّة: فقد وفّر الدعم للمؤسسات على إثر مؤامرة إسلامية أعقبت اغتيال أنور السادات العام 1981؛ وسَحَقَ تمرّداً لقوات الأمن المركزي في القاهرة العام 1986؛ وساعد على إلحاق الهزيمة بحركات التمرّد الإسلامية في صعيد مصر في التسعينيّات. كما أوكِلت إليه أيضاً مهمة محاكمة المدنيين المتّهمين في قضايا تتعلق بالإرهاب في محاكم عسكرية خاصة.

كذلك، للجيش المصري حصّة كبيرة في الاقتصاد الوطني. فهو يملك عدداً من الشركات المدرّة للأرباح (مصانع لإنتاج الإسمنت وسيارات  الدفع الرباعي والغسّالات وتعبئة المياه) ومزارع ومساحات شاسعة من الأراضي الصحراوية المستصلَحة. هذه  المصالح الاقتصادية تعزّز المحسوبيات داخل سلك الضباط، وتعكس مدى قدرة الجيش على حماية نفسه من تأثيرات التحرير الاقتصادي والتراجع السريع في موارد الدولة.

على الرغم من ذلك، استطاع الجيش، وهذه مفارقة، الحفاظ على صورة حامي الوطن التي تكسبه شعبية لدى الناس، وقد استثمرها في الأشهر الأولى للثورة. ففي المواجهات التي استمرّت 18 يوماً (25 يناير/كانون الثاني-11 فبراير/شباط) بين نظام مبارك والاحتجاجات الشعبية الحاشدة، غالباً ما كان موقف الجيش متأرجحاً، ولم يلجأ إلى التهديد سوى في شكل متقطّع. هذا الموقف ألغاه لاحقاً الشعار الذي رُوِّج له كثيراً "الشعب والجيش يداً واحدة" . هذه الثقة التي أبداها المتظاهرون في ميدان التحرير حيال المؤسسة العسكرية هدَفت إلى استمالة الجنود كي يقفوا إلى جانب المحتجّين.

بيد أن المجلس الأعلى للقوات المسلحة يواجه موقفاً صعباً بسبب مصالحه متعدّدة الأوجه. فهو يعتبر أن مهمته الحالية هي "إعادة إرساء الاستقرار"، وهذه مسألة حسّاسة تلعب على وتر المخاوف الواسعة من المستقبل المجهول. لكن على الرغم من هذه المخاوف والالتباسات، لاتزال الحركات الشعبية غير المركزية تمارس ضغوطاً، ما يترك لدى المجلس الأعلى للقوات المسلحة ألف سؤال وسؤال عن مصير امتيازاته. 

فهو يخشى دخول   ميادين مدنية مجهولة بالنسبة إليه في مجال السياسة. وأعضاؤه الحاليون لم يكونوا جزءاً من لعبة القوة التي مارسها النظام الأوتوقراطي السابق (باستثناء محمد حسين طنطاوي الذي يعتبر كثر أنه كان مشاركاً في نظام مبارك).

بناءً على كل ما تقدم، ومن أجل الحفاظ على الوضع القائم، يتوخّى الجيش اليقظة الشديدة في تعامله مع القادة المدنيين الصاعدين. فقد أحجم عن تسليم السلطة مباشرة إلى حكومة انتقالية مدنية، وفرض لاحقاً شروط تسليم السلطة السياسية، ما أسفر عن الإصلاح الدستوري المتسرّع والمحدود جداً في 19 مارس/آذار وعن "خريطة الطريق" للانتقال إلى حكم مدني ديمقراطي، تتمثّل في انتخابات تشريعية تتبعها انتخابات للجمعية التأسيسية ثم انتخابات رئاسية.

لهذه الغاية، سعى المجلس الأعلى للقوات المسلحة في البداية إلى كسب رضا الحرس القديم للإخوان المسلمين الذي يُعتبَر معارضة منظَّمة ونافذة (وبالتالي محاوراً موثوقاً على نقيض  الحركات الشعبوية "الفوضوية" في ميدان التحرير)، لكن القلق تملّكه لاحقاً من التأثيرات الإسلامية في الحكومة. لذلك، حاولت المؤسّسة العسكرية (من دون جدوى) الدفع باتجاه الإعلان عن مبادئ دستورية غير قابلة للخرق من شأنها أن تضع إطاراً للعملية الانتقالية واعتمدت  بشكل مطّرد على الاتصالات مع الوجهاء المحليين (وبعضهم كانوا أعضاء في الحزب الوطني الديمقراطي) لتحديد القوى الفاعلة ممّن  يمكن أن ترتاح أكثر في التعامل معها. ومن أجل الإبقاء على هذه القبضة، لجأ الجيش في نهاية المطاف إلى إجراءات غير شعبية، ففرض قانون الطوارئ مجدداً، وأصرّ على إجراء ثلاث جولات لانتخاب مجلس الشعب، وأبقى على كوتا "العمّال والمزارعين" في البرلمان، وأصدر قانوناً انتخابياً مثيراً للجدل فتح المجال أمام تقسيم الدوائر الانتخابية لصالح جهات معيّنة.

هذه المقاربة تقود إلى طريق مسدود. فالتورّط أكثر فأكثر في السياسة قد يؤدّي إلى إثارة الجدل السياسي داخل المؤسسة العسكرية وتقويض ديناميكيتها الداخلية البعيدة نسبياً عن السياسة، وهو سيناريو كارثيّ بالنسبة إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة الذي بذل جهوداً حثيثة للحفاظ على لحمة الجيش.

من ناحية أخرى، يستخدم المجلس  ذرائع واهية لتبرير ردود فعله التي غالباً ماتكون عنيفة حيال ما يصفه بأنه  مخاطر تهدّد تماسك الجيش، فيعتبر أن "قوى خارجية تتآمر على مصر"، وتقوِّض مباشرة المصداقية منقطعة النظير التي اكتسبها الجيش بوصفه "حامي ثورة 25 يناير".

كذلك، حمام الدماء الذي وقع في 9 أكتوبر/تشرين الأول الماضي وحصد عدداً كبيراً من المتظاهرين الأقباط، هو خير دليل على فشل الدولة المصرية بقيادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

لاشك في أن صفقة جديدة ستبرز بين الجيش والنظام السياسي الجديد ، وستكون أكثر تعقيداً بكثير مما قد يوحي به شعار "السيطرة الديمقراطية على القوات المسلحة". وسوف تَعتمد بشكل  رئيس على قيام المجلس الأعلى بتنظيم انتخابات نزيهة في 2011-2012 تختلف إلى حد كبير عن العنف الشديد والتزوير واسع النطاق اللذين سادا في الدورات السابقة. فضلاً عن ذلك، ينبغي على القادة المدنيين الذين سيتسلّمون زمام الحكم أن يعملوا على ترسيخ الانتقال الديمقراطي، وعلى السير بالمؤسسة العسكرية نحو تأدية دور متغيِّر مع الحفاظ على أهمّية هذا الدور.

 من شأن هذا "النموذج التركي"، كما يُسمّى، أن يؤدّي إلى اضطلاع الجيش بدور الحراسة، لكن هناك خطر أيضاً بأن يتسبّب بتدخّل شديد للعسكر في السياسة (من خلال مجلس الأمن القومي كما في تركيا)، مع ما يرافق ذلك من "ممارسات قذرة": تهديدات وترهيب وحتى انقلابات. واللافت في هذا الإطار أن انحسار تدخّل الجيش التركي في السياسة ترافق مع تعميق الدمقراطية التركية بعد 2005، وهو مايبدو ممكناً بوضوح الآن في مصر بعد  انهيار حكم مبارك وبعد فشل المجلس الأعلى للقوات المسلحة.

إنَّ قدرة القادة المدنيين على كبح تأثير الجيش محدودة لكنها ليس مستحيلة. وفي هذا السياق، تُقدِّم سوابق تاريخية في أمريكا اللاتينية في الثمانينيّات بعض الدروس العملية. 

في المراحل الانتقالية، أكثر ما يحرّك الجيوش ليس شهوة السلطة بل الرغبة في حماية مصالحها وإصدار حكمها على القيادة المدنية "الملائمة" (وهي تفعل ذلك بالاستناد إلى تقويمها للأمن القومي ومصالحها المؤسّسية ونظرتها إلى الإدارة المدنية للأزمات). ومن الضروري أن يقاوم الضبّاط النداءات التي يطلقها زملاؤهم الأكثر تمسّكاً بعقائدهم الأيديولوجية. وهذا مايفعله على مايبدو أعضاء بارزون في المجلس الأعلى للقوات المسلحة مثل رئيس الأركان سامي عنان، وهم يزدادون رسوخاً في موقفهم هذا من خلال احتكاكهم بالخارج. والحال أنّه جرى تأهيل مئات الضباط المصريين في أكاديميات عسكرية أمريكية للقبول باضطلاع الجيش بدور هيئة إنفاذ القوانين في بيئة ديمقراطية. وقد يكون هذا النموذج جذّاباً للضباط المصريين الذين يبحثون عن مكانة جديدة في هذا الزمن الملتبس. 

فيليب دروز-فنسان أستاذ مساعد في مادّة العلوم السياسية ويدرّس في معهد الدراسات السياسية في باريس. يركّز حالياً في عمله على الأنظمة السياسية والجيوش وحيثيات الانتقال من الحكم السلطوي في الشرق الأوسط.