يمثّل الإضراب عن الطعام الذي نفّذه مؤخراً حوالى 1600 أسير فلسطيني، في ما عُرِف بـ"معركة الأمعاء الخاوية"، نقطة تحوّل في المقاومة اللاعنفية في فلسطين. ففي حين أن الفلسطينيين استخدموا منذ فترة طويلة الأساليب اللاعنفية - التي تعود إلى مرحلة الانتداب على فلسطين في ثلاثينيات القرن الماضي، وتجلّت في شكل خاص في الانتفاضة الأولى في الثمانينيات - لم يرَ المجهود الفعلي النور على المستوى الدولي سوى مؤخراً. ففي خضم الانتفاضات العربية، يوفّر الاهتمام الدولي بالمنطقة لحظة مؤاتية للمقاومة المدنية كي تركّز جهودها، ويتوسّع الائتلاف الناشئ من الجهات الفاعلة التي تستخدم اللاعنف بشكل مطّرد. وفي حين أن للمجموعات أجندات وتكتيكات مختلفة، تُظهر نجاحاتها اللافتة في الأشهر الأخيرة أن استراتيجية اللاعنف تكتسب زخماً قوياً في فلسطين.

وقد كان التحرك الدولي الراهن يتحضّر منذ فترة طويلة. ففي العام 2001، نظّمت الأمم المتحدة "مؤتمر ديربان" الذي أثار الكثير من الجدل، للنظر في القمع الإسرائيلي للانتفاضة الثانية. ومع أن فشل المؤتمر في التوصّل أو إصدار توصيات، أدان منتدى المنظمات غير الحكومية الذي انبثق عنه "كدولة عنصرية تمارس الفصل العرقي" (البند 162)، وحضّ كثيرين على التحرّك. يقول الناشط الفلسطيني البارز عمر البرغوثي إن "مؤتمر ديربان أثبت أن الدعم الشعبي لأحقّية القضية الفلسطينية لايزال قوياً، حتى في الغرب". وبدأت مؤسّسات أكاديمية ونقابات مهنية ومنظمات دينية تستخدم المقاطعة والعقوبات الاستهدافية بحق إسرائيل. وفي العام 2004، صوّتت الكنيسة الأسقفيّة الأمريكية لاعتماد "آلية تقوم على سحب الاستثمارات انتقائياً، وعلى مراحل، من الشركات متعدّدة الجنسيات التي تتعامل مع إسرائيل". وفي نيسان/أبريل 2004، تأسّست "الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل"، وقد أصدرت بياناً دعت فيه المجتمع الدولي إلى مقاطعة كل المؤسسات الأكاديمية والثقافية الإسرائيلية. ثم في 9 تموز/يوليو من العام نفسه، اعتبرت محكمة العدل الدولية في رأي استشاري صادر عنها، أن بناء إسرائيل جدارَ الفصل ومستوطناتها في الضفة الغربية غير شرعي.

بيد أن المطالبة الأوسع والأكثر تماسكاً ووضوحاً لخوض مقاومة غير عنفية ضد الاحتلال والانتهاكات المنهجية لحقوق الإنسان التي تمارسها إسرائيل بحق الفلسطينيين، انطلقت في العام التالي. ففي تموز/يوليو 2005، أصدر ائتلاف من الأحزاب السياسية والنقابات والمنظمات التي تمثّل اللاجئين الفلسطينيين، والفلسطينيين الخاضعين إلى الاحتلال، والمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل، "نداء المجتمع المدني الفلسطيني لمقاطعة إسرائيل، وسحب الاستثمارات منها، وفرض العقوبات عليها" (وهو ما اصطُلح على اختصاره بالأحرف الإنجليزية BDS).

 ومنذ ذلك الحين، سُجِّلَت زيادة واضحة وملحوظة في الاستراتيجيات اللاعنفية. وقد انضمّت مجموعات متعدّدة إلى الحملة على بعض المستويات، من بينها منظمات أهلية فلسطينية، وأعضاء في السلطة الفلسطينية، ومنظمات إسرائيلية تعنى بحقوق الإنسان، ومؤسّسات دينية، ومجموعات طالبية، ومنظمات يهودية أمريكية، ناهيك عن عدد كبير جداً من الأفراد.

لايشكّل هؤلاء الفاعلون وحدة متماسكة، بل تختلف مستويات النضال في ما بينهم؛ فمنهم من يطالبون بمقاطعة البضائع التي تُنتَج في المستوطنات، فيما يدعو آخرون إلى تحرّك أوسع نطاقاً بكثير: مقاطعة كل البضائع الإسرائيلية، وفرض عقوبات على الدولة (كما على المؤسسات الأكاديمية والثقافية)، وسحب الاستثمارات من الشركات التي تستثمر في إسرائيل. وقد تعرّض هذا التحرّك إلى الكثير من الانتقادات حتى من جانب منتقدي السياسة الإسرائيلية لأن لجنة الBDS لاتدعو إلى تطبيق حل الدولتين، كما أنها تركّز على حقوق جميع الفلسطينيين (بما فيهم اللاجئين).

إضافة إلى ذلك، كان التعاون والتنسيق محدوداً بين السلطة الفلسطينية وبين الموقّعين على دعوة الBDS- إلى جانب جهات أخرى منخرطة في المقاومة اللاعنفية. فقد شارك رئيس الوزراء الفلسطيني سلام فياض في حملات ميدانية لتشجيع الفلسطينيين على مقاطعة البضائع المصنَّعة في المستوطنات، وأدرج هذه الدعوة في حملته الانتخابية للعام 2010. وأنشأت السلطة الفلسطينية "صندوق الكرامة الوطنية" لزيادة توافر المنتجات الفلسطينية في أسواق الضفة الغربية.

مما لاشك فيه أن من شأن تعزيز التنسيق في ما بين المجتمع الأهلي الفلسطيني والسلطة الفلسطينية والBDS، أن يغيّر قواعد اللعبة، لكن احتمالات حدوثه لاتزال ضئيلة في الوقت الراهن. فالسلطة الفلسطينية توظّف الكثير من إمكاناتها في "عملية السلام"، ولذلك من المستبعد أن تقدّم دعماً كاملاً لمجهود واسع النطاق يهدف إلى مقاطعة إسرائيل ويؤدّي حكماً إلى خسارة الدعم المالي والدبلوماسي للسلطة الفلسطينية في مرحلة من الاستقرار السياسي والمالي الهش.

لكن على الرغم من اختلاف الأهداف وغياب الدعم من السلطة الفلسطينية، حقّقت المقاومة اللاعنفية في شهرَي أيار/مايو الماضي وحزيران/يونيو الجاري العديد من النجاحات اللافتة. فقد أقرّ عدد من الدول تشريعات احتجاجاً على الاحتلال. وفي 21 أيار/مايو، أعلنت جنوب أفريقيا أنها ستضع على كل المنتجات القادمة من المستوطنات عبارة "صُنِع في فلسطين المحتلّة"، وأعلنت الدنمارك أنها ستعتمد آلية لتصنيف هذه المنتجات والإشارة إلى مصدرها. وفي 26 أيار/مايو، أصدر اتحاد النقابات السويدية بياناً دعم فيه الدعوة التي وجّهتها النقابات الفلسطينية لمقاطعة بضائع المستوطنات، لافتاً إلى أنه "سيعمل على منع استثمار الرساميل الخاضعة إلى سيطرته في الأوراق المالية الإسرائيلية". وتبنّى المؤتمر العام للكنيسة الميثودية المتحدة قراراً في الثاني من أيار/مايو، ناشد فيه المجتمع الدولي حظر الدعم المالي لبناء المستوطنات غير الشرعية من جملة بنود أخرى. وفي 17 أيار/مايو سحبت مؤسسة أصدقاء كويكر الائتمانية استثمارات بقيمة 900 ألف دولار في أسهم شركة "كاتربيلار" بسبب "قيامها بإنتاج وبيع جرّافات مدرّعة لحساب إسرائيل". وفي 24 أيار/مايو، رفعت "الحملة الأمريكية لإنهاء الاحتلال"، و"الصوت اليهودي من أجل السلام"، و"اللجنة الأمريكية-العربية لمكافحة التمييز"، عريضة تحمل 11000 توقيع إلى وزارة الخارجية الأمريكية مناشدةً إياها التنديد بالاعتقال الإداري في إسرائيل.

وانضمّت إلى الحملة أيضاً مجموعات طالبية في الجامعات في مختلف أنحاء الولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ففي أيار/مايو الماضي، تبنّى اتحاد الطلاب الوطني في بريطانيا اقتراحاً يدعو الاتحادات الطالبية المحلية إلى ممارسة ضغوط على الجامعات لإلغاء العقود مع شركة "إيدن سبرينغز" لتعبئة المياه بسبب امتلاكها مصنعاً في مرتفعات الجولان المحتلة. وفي 4 حزيران/يونيو الجاري، أعلن مقهى بإدارة الطلاب في كلية إفرغرين كوليدج، عن قراره مقاطعة البضائع الإسرائيلية رسمياً. وفي 5 حزيران/يونيو، أقرّ مجلس الشيوخ الطالبي في جامعة ولاية أريزونا "بالإجماع مشروع قانون يطالب الجامعة بأن تسحب استثماراتها من الشركات التي لاتزال تزوّد الجيش الإسرائيلي بالأسلحة والمعدّات العسكرية، وتضعها على القائمة السوداء".

إلى ذلك، تشكّل الاحتجاجات والتنظيم الأفقي، مثل الاحتجاجات الأسبوعية المستمرة في مدينة بلعين في الضفة الغربية ضد جدار الفصل، مكوّناً مهماً في التحرّك الذي لايزال فضفاضاً إلى حد كبير. بيد أن الإضرابات عن الطعام في الأسابيع الأخيرة استحوذت في شكل خاص على اهتمام الإعلام العالمي.

فبعد الإضراب الشهير عن الطعام الذي نفّذه خضر عدنان واستمرّ 66 يوماً، سلّط إضراب حوالى 1600 أسير فلسطيني عن الطعام بالتنسيق في ما بينهم، الضوء بطريقة غير مسبوقة على "الاعتقال الإداري" الذي يجيز للقوات الإسرائيلية توقيف الفلسطينيين لمدّة تصل إلى ستة أشهر من دون اتّهام أو محاكمة، وغالباً ما يمتدّ الاعتقال لفترة أطول في حال تجديده. وقد أسفر هذا الإضراب عن التوصّل إلى اتفاق بوساطة مصرية في 13 أيار/مايو الماضي، أجاز للأسرى أن يتلقّوا زيارات من أفراد عائلاتهم في غزة، كما قضى بنقل 20 معتقلاً من الحبس الانفرادي إلى السجن العام. ونصّ الاتفاق أيضاً على أنه في حال أريد تجديد الاعتقال الإداري، يجب تقديم أدلّة بهذا الصدد إلى محكمة عسكرية، بيد أن الأسرى الفلسطينيين اتّهموا إسرائيل بعدم التقيّد بهذا البند. وهكذا فيما لايزال مصير الاتفاق ملتبساً، يهدّد المعتقلون الفلسطينيون الآن بالإضراب عن الطعام مجدداً إذا لم يتم الالتزام بأحكام الاتفاق الأوّل.

أحيت الانتفاضات العربية من جديد الشعور لدى الفلسطينيين بأنه يمكن أن تكون قوّة الشعب آلية فاعلة لتصحيح المظالم التي يرزحون تحت وطأتها منذ وقت طويل. وتعتبر الباحثتان إريكا شينويث وماريا ستيفان، في سياق مختلف، أن استخدام الأساليب غير العنفية يزيد من احتمالات النجاح في حملات المقاومة بمعدّل الضعف تقريباً بالمقارنة مع الأساليب العنفية. 

ولعل الاندفاعة المفاجئة لسلطة الشعب في الأشهر القليلة الماضية تشير إلى استعداد الفلسطينيين لتجربة الأساليب غير العنفية، الأمر الذي قد يؤدّي إلى تحقيق اختراق مهم بالنسبة إلى الفلسطينيين الخاضعين إلى الاحتلال وأولئك الذين يعيشون في بلدان الشتات وفي إسرائيل.

آدم غالاغر إداري في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، وطالب دكتوراه في جامعة جورج مايسون ومساهم في Tropics of Meta.