يسلّط التأخير في وضع الدستور وإجراء الانتخابات، والتشنّجات الاقتصادية والاجتماعية، والركود الاقتصادي، والخلافات الجوهرية حول المسار الذي ستسلكه المرحلة الانتقالية في تونس، الضوء على الانقسامات الحادّة داخل القوى السياسية الكبرى في البلاد. إذ تشهد الساحة السياسية في تونس مزيداً من الاستقطاب بين "حزب النهضة" الحاكم وتنظيمات علمانية كبرى مثل حزب "نداء تونس" اليساري الذي تأسّس مؤخراً، ونقابة العمّال الأساسية في البلاد المعروفة باسم "الاتحاد العام التونسي للشغل". لكن كل واحد من هذه الكيانات يتخبّط أيضاً على المستوى الداخلي، مايُضعف اليسار العلماني الحالي في تونس ويُغيّر معالمه، بما في ذلك "الاتحاد العام التونسي للشغل" ذو النفوذ الواسع.

بحسب استطلاعات الرأي المحلية، يُتوقَّع أن يفوز حزب "نداء تونس" بـ28 في المئة من الأصوات في الانتخابات المقبلة في مقابل 31 في المئة لحركة النهضة، وهو رقم مرتفع نسبياً في حالة اليسار السياسي المنقسِم في تونس. فالأزمات الداخلية تؤدّي في شكل خاص إلى إضعاف الأحزاب اليسارية التي تشهد انشقاقات وانقسامات بالجملة. وعلى سبيل المثال، انشقّ 14 عضواً من "المؤتمر من أجل الجمهورية"، وثمانية أعضاء من "حزب التكتّل" (وكلاهما شريكان في الائتلاف اليساري الذي تقوده "النهضة")، وانضمّ معظمهم إلى حزب "نداء تونس". لكن قريباً قد يؤدّي مشروع قانون اقترحه المجلس التأسيسي التونسي إلى منع السياسيين الذين كانوا على صلة بحزب "التجمّع الدستوري الديموقراطي" بقيادة بن علي، من المشاركة في الحياة السياسية لمدّة عشر سنوات، الأمر الذي قد يشكّل انتكاسة شديدة لحزب "نداء تونس" نظراً إلى أن عدداً كبيراً من أعضائه البارزين كانوا جزءاً من النظام السابق. يدعم قسم كبير من الأحزاب اليسارية، التي ترى في حزب "نداء تونس" منافِساً سياسياً قوياً، مشروع القانون المقترح والذي من شأنه، في حال إقراره، تعزيز الدور النسبي للقوى اليسارية الأخرى التي ليست لأعضائها أيّ صلة بالنظام السابق، لكن من غير المرجّح أن تتمكّن هذه الأحزاب اليسارية في المدى القصير من تشكيل قوّة واحدة مسيطرة - على غرار القوّة التي بدأ "نداء تونس" يكتسبها - لتحدّي هيمنة "النهضة".

كما تظهر الانقسامات أكثر فأكثر داخل "الاتحاد العام التونسي للشغل"، وهو تنظيم نقابي يتمتّع بتأثير سياسي كبير ويُعتبَر القوّة المعارِضة الأهم لحزب "النهضة". يضم الاتحاد نحو 517000 عضو، ويملك القدرة على تجييش التونسيين بأعداد كبيرة. فهو ليس اتّحاداً عمّالياً عادياً، بل شكّل قوّة معارِضة مهمّة في مواجهة النظام السلطوي السابق، واستطاع الوقوف إلى حد ما في وجه القمع عبر تنظيم إضرابات عامة لمنع تنفيذ بعض المبادرات الحكومية التي كان يعارضها. ومنذ سقوط بن علي، استخدم الاتحاد الحرّيات المكتسَبة حديثاً في تونس لزيادة تأثيره في الميدان السياسي، على الرغم من التحذيرات المتكرّرة التي تلقّاها من الائتلاف الحاكم للابتعاد عن السياسة. وفي خطوة ذات دلالات مهمّة، شكّل مؤخراً تحالفاً استراتيجياً مع حزب "نداء تونس" ضد الحزب الحاكم. وفي مبادرة أكثر رمزيةً، اقترح تشريعات على المجلس التأسيسي من خلال مؤتمر الحوار الوطني الذي انعقد في تشرين الأول/أكتوبر 2012 وجمَعَ الأفرقاء المعنيّين للاتّفاق على الخطوات المقبلة في المرحلة الانتقالية في تونس. لكن هذه التحالفات تبقى ضعيفة نسبياً بسبب الصراعات على السلطة بين قادة "الاتحاد العام التونسي للشغل" وقادة حزب "نداء تونس" الذين دارت خلافات علنية بينهم قبل بضعة أشهر. فعجز اليسار التونسي عن إعادة التنظّم في ظل قيادة موحّدة يُضعف إلى حد كبير تأثيره السياسي ككل.

لايؤدّي التشنّج المتعاظم بين "الاتحاد العام التونسي للشغل" و"النهضة" إلى تعميق الانقسامات السياسية بين الإسلاميين والعلمانيين وحسب، بل يُمارس أيضاً تأثيرات مهمّة على الديناميكيّات الداخلية لدى هاتين القوّتين. لكن الاستقطاب المتزايد داخل هذه المجموعات سيشكّل أيضاً عنصراً حاسماً في ماستؤول إليه الأمور في تونس. فالاتحاد ليس وحدة متراصّة على الإطلاق، وتُمزّقه من الداخل الخلافات بين أعضائه العلمانيين والإسلاميين. ففي حين أن قادته علمانيون ويساريون في معظمهم، تصبح قاعدته أكثر فأكثر ذات طابع إسلامي، ولاسيما في بعض القطاعات حيث اليد العاملة هي أكثر محافظية، مثل قطاعَي الإنشاءات والأشغال العامة. وغالب الظن أن الزيادة السريعة في أعداد عمّال الوكالات المؤقّتين الذين ينضمون إلى الاتحاد (وغالباً مايُعتبَرون بأنهم أكثر محافظة)، سوف تولّد أيضاً ارتفاعاً في عدد الإسلاميين داخل الاتحاد. وقد بدأت الخلافات بين قيادة الاتحاد وقاعدته تظهر إلى العلن. ففي شباط/فبراير 2012 مثلاً، شارك نحو ثلاثة آلاف شخص في تظاهرة مناهضة للحكومة نظّمها الاتحاد، وهو رقم صغير نسبياً إذا أخذنا في الاعتبار أن عدد أعضائه يفوق نصف المليون شخص، والذين عارض كثرٌ بينهم على مايبدو قرار النزول إلى الشارع. وقبل ذلك، شهد المؤتمر الذي نظّمه الاتحاد في العام 2011، صراعاً على السلطة بين قادته اليساريين وبين القوى الإسلامية التي بدأت تُسمِع صوتها أكثر فأكثر. يبدو أنه عندما يزداد عدد الإسلاميين الذين يلبّون المعيار المطلوب لتسلّم مناصب قيادية، وهو أن يكون قد مضى تسع سنوات على عضويتهم في الاتحاد مع العلم بأن هذا الشرط غير متوافر لدى عدد كبير منهم، سيَحدُث على الأرجح تحوّلٌ جذري في ميزان القوى داخل الاتحاد لمصلحة الأكثر محافظية، مايؤدّي إلى زوال القوّة المعارِضة الأهم التي تقف في وجه "النهضة".

هذا ويؤدّي الاستقطاب في المشهد السياسي إلى تعميق الانقسامات المستمرّة داخل التيار الإسلامي التونسي. فقد اشتدّت العداوة بين السلفيين وبين "النهضة" في الأشهر الأخيرة، مع قيام عدد من المسلمين المحافظين المتشدّدين باتّهام الحزب الحاكم بأنه "غير إسلامي" و"ناطق بلسان" الغرب، في حين تبدو قوى سلفية أخرى في حالة ودّ نسبياً مع "النهضة". وداخل النهضة، لايزال هناك انقسام بين جناح براغماتي يفضّل التسوية السياسية والحوار، وجناح أكثر عقائدية هو أقرب إلى الأيديولوجيا السلفية وإلى تفسير أكثر حَرفية للإسلام. وفي حين يسيطر البراغماتيون حالياً على المناصب القيادية في "النهضة"، تصبح قاعدة الحزب أكثر تعنّتاً. فعلى سبيل المثال، اختير الصادق شورو - وهو من الشخصيات الأكثر تعنّتاً في الحركة - مرشّحاً أول لمجلس شورى الحزب، خلال المؤتمر الذي عقدته النهضة في تموز/يوليو الماضي. لكن على النقيض من اليسار السياسي، لايزال حزب "النهضة" قوياً على الرغم من الانقسامات الداخلية، لاسيما بسبب هيكلياته الهرمية وسيطرته على مقاليد الحكم.

غالب الظن أن نقطة التحوّل في تونس لن تكون من خلال الانتخابات المقبلة التي ستؤكّد على الأرجح سيطرة "النهضة"، بل من خلال المعارك لتحديد الهوية داخل "الاتحاد العام التونسي للشغل"، والصراعات على السلطة في أوساط اليساريين العلمانيين. مادام اليسار مقسّماً، ستظلّ تونس تسير باتّجاه مزيد من السيطرة الإسلامية. وعبر دعم مشروع القانون المناهض للتجمّع الدستوري الديموقراطي، تساهم المعارضة السياسية اليسارية في عملية المنافسة والانقسامات الداخلية التي قد تؤدّي في نهاية المطاف إلى انهيارها.

آن وولف صحافية مستقلّة مقيمة في تونس وباحثة متخصّصة في شؤون منطقة شمال أفريقيا.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.