اللغة الإنكليزية

 لايزال من المبكر الحديث عن التفاؤل، لكن يُتوقَّع أن تُسجَّل تطوّرات مهمّة وغير مسبوقة في عملية السلام الفلسطينية-الإسرائيلية في الأسابيع المقبلة في أعقاب الانتخابات الإسرائيلية التي أجريت في 22 كانون الثاني/يناير الجاري. فقد حصلت مفاجأة في صناديق الاقتراع: لم تتمكّن أحزاب اليمين من تحقيق النصر الكاسح الذي توقّعه المحلّلون، والسبب الأساسي هو الإقبال الواسع من الناخبين، لاسيما أولئك المنتمين إلى يسار الوسط. غالب الظن أن رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو سيستمرّ في منصبه لولاية ثالثة، لكنه سيواجه ضغوطاً داخلية ودولية كبيرة للتفاوض مع الفلسطينيين.

وكذلك يشير عدد متزايد من التسريبات الإعلامية والتصاريح الصادرة عن مسؤولين أوروبيين وأردنيين، إلى أن العمل جارٍ لإطلاق حملة من الضغوط الدولية على الحكومة الإسرائيلية. قال وزير الخارجية البريطاني ويليام هاغ في محاضرة عامة ألقاها في سيدني في 17 كانون الثاني/يناير الجاري "قريباً، قد يصبح من المستحيل تطبيق حل الدولتين بسبب الوقائع على الأرض. ندرك العوائق الهائلة أمام عملية السلام، ليس أقلّها دور حركة حماس في غزة. مع ذلك، نعتقد أنه على إدارة الرئيس أوباما التي أعيد انتخابها لولاية ثانية أن تضع في سلّم أولوياتها بذل مجهود جديد لإطلاق عملية السلام، على أن يكون أكثر فاعلية ونشاطاً من كل ماشهدناه منذ اتفاقات أوسلو".

هذه النظرة يتشاطرها عدد من الأحزاب المنتمية إلى يسار الوسط في إسرائيل والتي اكتسبت قوّة ونفوذاً في الآونة الأخيرة، فقد اشترطت حصول اندفاعة جدّية في عملية السلام للموافقة على الانضمام إلى حكومة نتنياهو. قالت تسيبي ليفني، وزيرة الخارجية الإسرائيلية السابقة التي يُتوقَّع أن تنضم إلى الحكومة الجديدة، في مقابلة مع الصحيفة الإسرائيلية "يديعوت أحرونوت" نُشِرت في مطلع هذا الشهر "في آذار/مارس، سيعرض علينا العالم خطة للسلام. فإما تُفرَض علينا وإما نقدّم خطّة بأنفسنا".

سيجد نتنياهو صعوبةً في تشكيل حكومة من دون مشاركة أحزاب اليسار الوسط فيها. تُهدّد مسألة داخلية ملحّة - تجنيد اليهود المتشدّدين دينياً (الذي فرضه قرار صادر عن المحكمة العليا الإسرائيلية العام الماضي) - بإثارة نفور الأحزاب المتشدّدة دينياً وبالتالي بخساة دعمها الذي يحتاج إليه نتنياهو في حال عدم مشاركة اليسار الوسط في الحكومة. إلا أنه من المعلوم لدى الباحثين في شؤون السلام أن اليمين - لاسيما إذا كان مدعوماً من أحزاب وسطية قوية (وليس من متشدّدين من المعروف عنهم أنهم يُفسدون الأمور) - هو في الموقع الأفضل لإقناع الرأي العام الإسرائيلي بالقبول باتفاق للسلام. قال بيتر فالنستين، مدير "برنامج البيانات عن النزاعات" في جامعة أوبسالا "تُظهر نتيجة [الانتخابات] أن آمال السلام لم تتبدّد، وأن الظروف تتحسّن لإطلاق محادثات السلام".

بيد أن الأجواء التي تدعو إلى التفاؤل تبقى محدودة. قال المفكّر الفلسطيني-الأميركي سام بحّور الذي شارك في كتابة مقال نُشِر مؤخراً في صحيفة" نيويورك تايمز"، ويدعو فيه الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أخذ زمام المبادرة وإعادة إطلاق المفاوضات "مازلت على رأيي قبل الانتخابات وبعدها، تبقى الكرة حكماً في الملعب الأميركي. في هذه الدقائق الأخيرة المعدودة من لعبة الدولتين، على الولايات المتحدة أن تختار الآن بين التحرّك أو الاستعداد للدخول في لعبة جديدة سوف تترتّب عنها مساوئ كبيرة".

وأعلن ناشط السلام الإسرائيلي المخضرم غرشون باسكين الذي توسّط في اتفاق تبادل السجناء بين إسرائيل وحماس - الذي أدّى إلى الإفراج عن الجندي الإسرائيلي الأسير جلعاد شاليط في العام 2011 - "ليس هناك في رأيي من سيناريو يمكّن الإسرائيليين والفلسطينيين من النجاح في التوصّل إلى اتفاق من خلال الدبلوماسية العامة، فالسبيل الوحيد هو المفاوضات السرّية". وأضاف "من المبكر جداً تحديد إذا كانت نتيجة الانتخابات سوف تساعد عملية السلام... أقول من موقع العارِف بنتنياهو إنه سيسعى إلى تشكيل ائتلاف واسع بمشاركة الأحزاب المتموضعة إلى يساره ويمينه على السواء". فضلاً عن ذلك، أشار باسكين إلى أن حزب "البيت اليهودي" المنتمي إلى أقصى اليمين - وهو أيضاً من الأحزاب المرشَّحة للانضمام إلى الائتلاف - قد يختار الانتظار طوال فترة المفاوضات من منطلق الافتراض بأنها ستفشل، ولاينسحب من الحكومة إلا إذا تم التوصّل إلى اتفاق.

معظم الآمال بتحقيق تقدّم في عملية السلام في الشرق الأوسط معلَّقة على السيناريو الآتي: إزاء الضغوط الدولية، لايعود الإسرائيليون قادرين على تحمّل الوضع القائم، فيما يتعرّض الرئيس الفلسطيني محمود عباس أصلاً لضغوط شديدة تمارسها أطراف عدّة منها سكّان الضفة الغربية وخصومه في حركة حماس في قطاع غزة. يصف خبراء السلام هذا الوضع بـ"الجمود المؤذي".

يُعتقَد على نطاق واسع أن خطة سلام أوروبية يدعمها أيضاً الأردنيون، ستُعرَض على الطرفَين في غضون الأشهر القليلة المقبلة. ووفقاً لتقارير نُشِرَت في الصحافة الإسرائيلية، من شأن هذه الخطة أن تضم على الإرجح إنشاء دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. سوف يتوقّف الكثير على رد فعل الولايات المتحدة التي قد تختار دعم المبادرة الأوروبية في إطار مقاربة "القيادة من الخلف" التي اعتمدتها في الأعوام الأخيرة. ينقل مقال نُشِر مؤخراً بقلم الصحافي جيفري غولدبرغ - الذي يُعتقَد أنه مقرّب من البيت الأبيض - عن أوباما قوله إن "إسرائيل لاتعرف ماهي مصالحها الفضلى"، في كلامٍ يُسلّط الضوء على احتمال دعم الولايات المتحدة لمبادرة أوروبية-أردنية.

علاوةً على ذلك، يُشير تعيين السناتور جون كيري وزيراً للخارجية، والسناتور تشاك هاغل وزيراً للدفاع (على الرغم من المعارضة من اللوبي الموالي لإسرائيل)، إلى أن أوباما ربما يرغب في تحدّي نتنياهو، بصورة مباشرة أو غير مباشرة. فكما كتب المفاوِض المخضرم، آرون ديفيد ميلر، على الأرجح أن انتقاد هاغل لبعض السياسات الإسرائيلية يعكس عن كثب آراء الرئيس.

قد تتوقّف خيارات أوباما، إلى حد ما، على النتائج التي ستسفر عنها مواجهته الداخلية مع مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون حول مسائل مثل عجز الموازنة، والضرائب، وضبط السلاح. وفي هذا الإطار، أشار عدد من المحلّلين إلى أن المواجهات قد "تُقيِّد جدول أعمال أوباما في الولاية الثانية". في هذه الحالة، ربما يجد أنه من المناسب له أن يتحوّل نحو محاولة تثبيت إرثه في السياسة الخارجية.

في العام 2010، قبيل خسارة الديموقراطيين السيطرة على الكونغرس الأميركي، اعتبر جورج فريدمان، الرئيس التنفيذي لشركة الدراسات النافذة "ستراتفور"، أن الخيار الأفضل المتاح أمام الرئيس الأميركي في حال خسارته لانتخابات منتصف الولاية هو تحويل انتباهه نحو السياسة الخارجية. وبعد الانتخابات الأخيرة في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، كتب فريدمان أنه يبدو أن أوباما "ليست لديه شهيّة للمغامرات الخارجية". ولذلك من شأن المقاربة التي تقوم على السماح للآخرين بتسلّم زمام المبادرة - وربما التدخّل إذا طرأت لحظة حاسمة - أن تناسِب جيداً أوباما في وضعه الراهن.

ثمة مؤشّرات إضافية بأنه من الممكن فعلاً تحقيق تقدّم في عملية السلام. فمن المعروف مثلاً أن نتنياهو يستسلم تحت تأثير الضغوط، كما أنه حاول التوصّل إلى تسويات في الماضي، وتحديداً خلال ولايته الأولى في التسعينيات، لكن مسعاه هذا توقّف بسبب التململ من شركائه في اليمين. فضلاً عن ذلك، كشف استطلاعان منفصلان أجريا الشهر الماضي بتكليف من "مركز س. دانيال أبراهام للسلام في الشرق الأوسط"، ومقرّه الولايات المتحدة، أن ثلثَي الإسرائيليين مستعدّون للقبول باتفاق سلام ينص على إنشاء دولة فلسطينية ضمن حدود 1967، عاصمتها القدس الشرقية. على الرغم من أن النتيجة التي يمكن أن تترتّب عن الدفع المتوقَّع نحو السلام ليست أكيدة على الإطلاق - ولاتزال هناك مخاطر جمّة - إلا أن معظم الخبراء يجمعون على أنه يمكن توقّع حدوث تحوّلات مهمة في مسار النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني في الأشهر المقبلة. كتب سام بحّور وبرنارد أفيشاي، وهو أميركي من أصل إسرائيلي، "لايزال المعتدلون في الجانبَين يريدون السلام، لكنهم يحتاجون أولاً إلى الأمل".

فيكتور كوتسيف صحافي مستقلّ ومحلّل سياسي تتمحور أعماله حول الشرق الأوسط.

* تُرجم هذل المقال من اللغة الإنكليزية.