كان شهر شباط/فبراير المنصرم عاصفاً جداً في السياسة التونسية، مع اغتيال سياسي يساري بارز واستقالة رئيس الوزراء. حاولت وسائل الإعلام الناطقة باللغتَين الفرنسية والإنكليزية إدراج هذه التطوّرات في إطار رواية تضع "المتشدّدين" الإسلاميين في مواجهة المعارضة العلمانية. وعلى الرغم من أن هذه التغطية الموجَّهة أيديولوجياً - والتي تبالغ أحياناً في إثارة المخاوف - استقطبت القرّاء، إلا أنها فشلت في تسليط الضوء على التحدّيات الأهم - ولاسيما الإصلاح الأمني وسيادة القانون - التي جعلت اغتيال السياسي اليساري، شكري بلعيد، في 6 شباط/فبراير، الحادثة الأخيرة في سلسلة من الخروقات الأمنية التي تؤدّي إلى زعزعة الاستقرار في البلاد.

تشكّل إعادة بسط الأمن تحدّياً أساسياً للدولة التونسية الجديدة. كان الديكتاتور المخلوع زين العابدين بن علي يعوّل على شبكة هرمية من المخبرين لتزويده بالمعلومات الاستخباراتية، ويستخدم المسؤولين عن إنفاذ القوانين لتوقيف آلاف المعارضين الحقيقيين والمتخيَّلين للنظام وسجنهم وتعذيبهم. وجاءت ثورة كانون الثاني/يناير 2011 لتُطيح هرمية بن علي السلطوية، وتُحدث خللاً في سلسلة الهرميات القيادية على المستويَين الوطني والمحلي. فسارع اللصوص والمجرمون إلى استغلال الفراغ، وشكّل عدد كبير من المواطنين العاديين المصمّمين على حماية أرزاقهم وممتلكاتهم ميليشيات في الأحياء. بعد أكثر من عامَين على اندلاع الثورة، لم تستعد الدولة التونسية بعد سلطتها الحصرية على بسط الأمن. تعمل مجموعات محلية مؤلّفة من المواطنين، بينها مجموعات سلفية وأعضاء "رابطات حماية الثورة" (تنظيم مثير للجدل منتشر على صعيد البلاد ككل، يلتزم ظاهرياً بالدفاع عن أهداف الثورة من عناصر النظام القديم)، على طريقة الميلشيات داخل العاصمة التونسية وخارجها. 

الخروقات الأمنية المستمرة التي تشهدها تونس مؤخراً - بما في ذلك ما يجري تداوله عن تزايد السرقات، والتحرّش الجنسي، والهجمات على الشخصيات السياسية والمعابد الصوفية، و(الأشهر بينها) الاعتداء على السفارة الأميركية في 14 أيلول/سبتمبر - تعود، في ناحية من النواحي، إلى فقدان الدولة سلطتها المركزية. فقد بدّدت الثورة أسطورة الدولة المطلقة النفوذ، وبات التونسيون "لايهابون شيئاً"، كما تُظهر معظم الكتابات على الجدران في مختلف أنحاء البلاد.

صحيح أن تفكّك سلطة الدولة أدّى إلى تعزيز حرية التعبير السياسي والديني في تونس، إلا أنه ولّد أيضاً قدراً معيّناً من عدم الاستقرار والإجرام يعكس ضعف الدولة وعجزها عن فرض سيادة القانون. فعدد كبير من الخروقات للأمن الشخصي وأمن الدولة - لاسيما من خلال أعمال السرقة والتخريب، والاعتداءات على شخصيات سياسية علمانية وإسلامية، وما شابه - لم يُجابَه بتدابير سريعة وشفّافة لإنفاذ القوانين بمناقبية عالية. فبعد الهجوم على السفارة الأميركية، جاء اغتيال بلعيد وما أعقبه من احتجاجات شعبية حاشدة ليزيد أيضاً من تردّد المستثمرين الأجانب ورجال الأعمال التونسيين وإحجامهم عن التخطيط لاستثمارات طويلة الأمد في البلاد. كي تتمكّن تونس من تحقيق المطالب الأساسية للثورة - الكرامة الاقتصادية والاجتماعية، والحرية الحقيقية والدائمة - عليها أن تضاعف جهودها من أجل إصلاح القطاع الأمني.

تقع العوائق التي تعترض إصلاح القطاع الأمني في تونس في ثلاث فئات في شكل عام: مؤسّسية، وسياسية، وعملية. تعاني وزارة الداخلية التي تشرف على قوى الأمن الداخلي في تونس، من خلل وظيفي ورثته من حقبتَي بورقيبة وبن علي. عمد رؤساء تونس في مرحلة ما بعد الاستعمار، إلى تهميش الجيش، والاتّكال بدلاً من ذلك على الشرطة والحرس الوطني لتعزيز سلطتهم. في عهد بن علي، كانت التبادلات بين الوزارات وداخلها محدودة بهدف الإبقاء على السيطرة عليها. وينطبق هذا في شكل خاص على وزارة الداخلية التي كان بن علي يتحكّم بها وكأنها مجرّد حرس أمبراطوري تابع له. ولذلك تعاني الوزارة من القصور في الآليات التي تؤمّن الفعالية والشفافية والتواصل الداخلي، قبل وقت طويل من اندلاع الثورة.

وقد تبيّن أن فهم الطريقة التي نُظِّمَت بها هذه الوزارة التي هي أشبه بـ"الصندوق الأسود"، ناهيك عن وضع استراتيجيات واضحة لإصلاح منظومة الأمن القومي والتواصل بشفافية مع الجمهور التونسي، يطرح تحدّياً كبيراً. تحقّق بعض التقدّم في التواصل، وخير دليل على ذلك الإطلالات المتزايدة للمتحدّث باسم وزارة الداخلية، خالد طروش، وإطلاق برنامج إذاعي أسبوعي تحت عنوان Le Forum de la Sécurité (منتدى الأمن)، حيث يتّصل التونسيون ويطرحون الأسئلة على مسؤول من الوزارة. مع ذلك، يبقى تحويل وزارة الخارجية من أداة للقمع إلى مؤسسة شفافة تفرض سيادة القانون، هدفاً ضخماً وغير منجَز.

والعقبة المؤسسية الأخرى هي صراعات المصالح والذهنيات بين موظّفي وزارة الداخلية. ففي حين نُقِل عدد من كبار الشخصيات - أبرزهم وزير الداخلية نفسه - إلى وظائف مختلفة داخل الوزارة، أو أقيلوا من مناصبهم بعد الثورة، كان السواد الأعظم من الموظفين الحاليين يعملون في الوزارة قبل كانون الثاني/يناير 2011. غالباً ما يشعر موظّفو "النظام القديم" بأنهم محاصَرون من مختلف الجوانب، بدءاً من الأفرقاء الدوليين الذين يدعون باستمرار إلى الإصلاح مروراً بالمواطنين التونسيين العاديين الذين يهتفون "وزارة الداخلية وزارة إرهابية" قبالة نوافذ الوزارة، وصولاً إلى حكومة الإسلاميين بقيادة حركة "النهضة" التي ألحقت بها وزارة الداخلية قمعاً شديداً قبل الثورة. 

فقد احتُجِز عضو "النهضة"، علي العريّض، الذي تسلّم وزارة الداخلية من كانون الثاني/يناير 2012 إلى شباط/فبراير 2013، في السجن الانفرادي وتعرّض للتعذيب في الطابق الأرضي خلال سجنه الذي استمرّ ستّة عشر عاماً. تساءل كثرٌ إذا كان العريض، الذي بدا أن معرفته بالوزارة تقتصر على غرف التعذيب في الطابق الأرضي، يستطيع فرض سلطته على موظّفي النظام القديم لتحويل التغيير واقعاً. 

وتقف العقبات السياسية أيضاً عائقاً أمام الجهود الهادفة إلى إصلاح القطاع الأمني. لقد استغرقت عملية إعداد الدستور التونسي وقتاً أطول من المتوقّع. يقول المسؤولون في وزارة الداخلية إنه يستحيل تطبيق خطة مفصّلة للإصلاح في ظل عدم وجود منظومة قانونية واضحة. يفضّل كثرٌ اعتماد مقاربة "لننتظر ونرَ"، والامتناع عن إجراء إصلاحات واسعة النطاق في الوقت الحالي، بانتظار الانتهاء من وضع الإطار الدستوري وتنظيم الانتخابات المقبلة. والتحدّي السياسي الآخر هو التداعيات التي يمكن أن تترتّب عن اعتماد خطة إصلاح جذرية داخل الوزارة. تمرّ تونس الآن في مرحلة انتقالية، ويتطلّع عدد كبير من التونسيين إلى رؤية المسؤولين الذين أدّوا دوراً ناشطاً في ظل النظام السابق، يُطرَدون من مناصبهم أو يُحاسَبون على أعمالهم السابقة، أو الاثنَين معاً. لكنها سنة انتخابية أيضاً، وغالب الظن أن المعارِضين سيوجّهون انتقادات حادّة إلى حركة "النهضة" ويعتبرونها شديدة التسلّط، إذا عمدت إلى إقالة عدد كبير من الأشخاص من مناصبهم التي يشغلونها منذ ما قبل اندلاع الثورة، من دون إنشاء لجنة تدقيق مستقلّة، ولاسيما في مؤسسة حسّاسة بقدر وزارة الداخلية. 

أخيراً تعترض عقبات عملية، مثل غياب الخبرة والموارد، طريق الإصلاحات الأمنية. يتخبّط المسؤولون في وزارة الداخلية - الذين كان عدد كبير منهم يُنقَل باستمرار من منصب إلى آخر، ولم يتولَّ أيّ منهم قيادة مجهود لإصلاح القطاع الأمني في دولة ديمقراطية - لرفع التحدّيات الأمنية التي نشأت بعد الثورة، وفي الوقت نفسه إيجاد الوقت لإعداد استراتيجيات شاملة للإصلاح.

فضلاً عن هذه الصعوبات، تعرّض عدد كبير من قاعات المحاكم، ومراكز الشرطة ومعدّاتها للتدمير خلال الثورة. لقد أنشأت مجموعة من المنظمات الدولية التي تعنى بالأمن في شكل أساسي، شراكات ناجحة مع وزارة الداخلية لتحسين تدريب المسؤولين الأمنيين على التواصل وحقوق الإنسان. لكن لاتزال هناك حاجات ونواقص أساسية في مجالات البنى التحتية، والتجهيزات، والتدريب، والإصلاح القانوني، بما في ذلك إصلاح القانون رقم 4 الذي يعود إلى العام 1967 ويُجيز للشرطة استخدام العنف غير المتكافئ في الاحتجاجات العامة.

لاتثير عبارة "الإصلاح الأمني" اهتمام الرأي العام بقدر مصطلحات مثل "التشدّد الإسلامي" و"السلفية"؛ فإصلاح القطاع الأمني هو عملية تقنية طويلة الأمد لاتُناسب التقارير الصحافية التي تتعمّد الإثارة. يعمل العدد القليل من الخبراء المتمرّسين في الإصلاح الأمني في تونس، في ظروف حسّاسة، ويتردّدون، وهذا مفهوم طبعاً، في إجراء امقابلات. فضلاً عن ذلك، غالباً ما تتجاهل وسائل الإعلام التغطية المؤسسية "الجافة" وتبحث عن روايات تُقدِّمها في إطار أكثر إثارة بما يضمن استقطاب الاهتمام من الرأي العام. وفي تونس، يعني ذلك بصورة عامة تحليل مختلف المسائل انطلاقاً من المنظار المبتذل الذي يضع النزعة الإسلامية في مواجهة النزعة العلمانية. لكن من الناحية الواقعية، حادثة اغتيال شكري بلعيد، والإفلات المستمر من العقاب والاضطرابات الأمنية مرتبطة بضعف المؤسسات أكثر منه بالصراعات الأيديولوجية. فاللوجستيات البيروقراطية المعقّدة والقصور المؤسّسي تعطّل الإصلاح الأمني وفرض سيادة القانون في تونس. إنها تحدّيات أساسية في المرحلة الانتقالية التي تشهدها البلاد، وتستحقّ أن يوليها الرأي العام اهتماماً أكبر بكثير.

مونيكا ماركس باحثة حائزة على منحة رودس، وطالبة دكتوراه في كلية سانت أنطوني في جامعة أكسفورد. تعيش في تونس.