كشفت تقارير نُشرت الأحد الماضي أن الرئيس الفلسطيني محمود عباس ومعاونيه رفضوا عرضاً بتجميد جزئي لبناء المستوطنات الإسرائيلية في مقابل العودة إلى طاولة المفاوضات. لكن عقب زيارة الرئيس الأميركي باراك أوباما الأخيرة إلى المنطقة، ظهر العديد من المؤشّرات المشجّعة جداً لإعادة إطلاق محادثات السلام. وعلى الرغم من أن الحكومة الإسرائيلية الجديدة، التي تضم عدداً غير مسبوق من مؤيّدي الاستيطان، تضع العراقيل، إلا أنها تُوفِّر أيضاً فرصاً نادرة.

كان وقع الزيارة لدى الإسرائيليين أفضل منه لدى الفلسطينيين. فقد أبدى معظم المراقبين الفلسطينيين استياء شديداً من المودّة التي أظهرها أوباما تجاه نتنياهو، وانتقاده خفيف اللهجة للنشاط الاستيطاني الإسرائيلي. كتب الدكتور مازن قمصية، وهو ناشط فلسطيني مقيم في بيت لحم وأستاذ في علم الجينات في العديد من الجامعات الفلسطينية، في رسالة بالبريد الإلكتروني مؤخراً:"منح أوباما نفَساً حيوياً جديداً للحرب والنزاع عبر تفادي التطرّق إلى حقوق الإنسان والقانون الدولي". أما المفاوضون المخضرمون، على غرار الدكتور غرشون باسكين، الرئيس المشارك في "المركز الإسرائيلي-الفلسطيني للبحوث والمعلومات"، الذي توسّط في مبادلة بين جلعاد شاليط والسجناء الفلسطينيين في العام 2011، فكانت لهم نظرة مختلفة تماماً إلى الزيارة. لطالما اعتبر باسكين أن الدبلوماسية العامة ليست المقاربة المناسبة لتسوية النزاع، وأن "المفاوضات السرّية" تحمل حظوظاً أكبر بالنجاح. فقد قال: "كانت زيارة ناجحة جداً. فاز أوباما بقلوب الإسرائيليين، وهو ماسعى إلى تحقيقه... يواصل [وزير الخارجية الأميركي جون] كيري زيارته لإسرائيل، ويعمل على إطلاق الدبلوماسية المكوكية، وهذه هي الخطوة الصحيحة التي يجب القيام بها... كما أن التوقيت جيّد مع انطلاقة الحكومة الإسرائيلية الجديدة".

لقد ساهمت الزيارة الأخيرة إلى حد كبير في تحسين مصداقية الرئيس أوباما حيال دوره الوسيط في عيون الإسرائيليين. أما ماسيحصل لاحقاً خلف الأبواب المغلقة، فمسألة مختلفة تماماً. ولعل قيام أوباما بتكليف وزير خارجيته الجديد بالتوسّط في المفاوضات، يكشف الكثير عن نواياه، فلطالما أغضبت مواقف كيري المستقلّة حول النزاع، عدداً كبيراً من المنتمين إلى المعسكر الموالي لإسرائيل.

في الواقع، يمكن أيضاً تفسير الثناء الذي أغدقه أوباما على إسرائيل، بأنه عرضٌ للثقة في علاقة تعرّضت سابقاً إلى الإهتزاز. صحيح أن الحكومة الإسرائيلية الحالية تضم العدد الأكبر من المستوطنين ومؤيّدي الاستيطان منذ عقود خلت، والفريقان قادمان من حزب "البيت اليهودي" اليميني وحزب "الليكود" الذي يتزعّمه نتنياهو. لكن الأخير بات في موقع ضعيف جداً بسبب أدائه في الانتخابات في كانون الثاني/يناير الماضي (والذي كان أسوأ من المتوقَّع) وماأعقبها من عملية شاقّة لتشكيل الائتلاف الحكومي. لقد أرغمه الحزبان الوسطيان في حكومته، حزب "هناك مستقبل" برئاسة مقدّم البرامج التلفزيونية سابقاً، يائير لابيد، وحزب "الحركة" برئاسة وزيرة الخارجية السابقة تسيبي ليفني، على إدراج مفاوضات السلام في الاتفاق حول الائتلاف الحكومي. وهذا مايُفسّر التصريحات المنسوبة إلى معاوني نتنياهو في الصحافة الإسرائيلية بأنه قد يعمد على الأرجح إلى تجميد بناء المستوطنات في عدد كبير من المناطق في الضفة الغربية، كما أكّد رئيس الوزراء بنفسه التزامه بالمحادثات وبفكرة إقامة دولتَين لشعبَين خلال زيارة أوباما إلى إسرائيل.

فضلاً عن ذلك، فإن التمثيل الواسع للوبي الاستيطاني في الحكومة هو نعمة ونقمة في آنٍ للمستوطنين أنفسهم. فمن جهة، سيكون لهم حضورٌ قوي في السياسات اليومية للحكومة، وغالب الظن أنهم سيحاولون الإجهاز على عملية السلام ضربةً تلو الأخرى. ومن جهة أخرى، سيواجه المستوطنون حالة من الضياع التام إذا أبرم ممثّلوهم اتفاقاً مع الفلسطينيين. وقد لفت حزب "البيت اليهودي" الذي يُعتبَر الأكثر ارتباطاً بهم، إلى أنه لن يعارض المفاوضات بل سيكتفي بالمطالبة بإجراء استفتاء قبل تقديم أيّة تنازلات مهمّة في مايتعلّق بالأراضي.

ثمة سوابق كثيرة عن تحوّل صقور إلى حمائم في إسرائيل، وفي هذا الإطار يتبادر إلى ذهننا على الفور إسحق رابين وأرييل شارون، لكنهما ليسا أبداً الوحيدَين. مؤخراً قال عاموس يادلين، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية السابق، للصحافي المُخَضرَم بن بيرنباوم، إن رؤساء الأجهزة الأمنية في إسرائيل سيؤيّدون على الأرجح التوصّل إلى اتفاق سلام مع الفلسطينيين بنسبة أعلى من الشعب في شكل عام، "لأنهم خدموا في الأراضي، ويدركون أن من يريد دولة يهودية وديموقراطية لايجدر به السيطرة على 2.5 مليون فلسطيني".

يضيف بيرنباوم أن الخطاب الإسرائيلي السائد شهد أيضاً تحوّلاً نحو اليسار في العقدَين الماضيين: "المفارقة الكبيرة في اللحظة الراهنة في السياسة الإسرائيلية هي أنه على الرغم من ترسيخ اليمين لسلطته، تحوّل الناس نحو اليسار في مايتعلّق بالتنازلات التي يُبدون استعداداً لتقديمها من أجل السلام".

تكون الحكومة اليمينية بطبيعتها في موقع أفضل لإقناع مجتمعها بالقبول باتفاقٍ للسلام في نزاع مطوَّل. قد يكون صحيحاً أن عباس هو أفضل شريك للسلام يمكن أن يتمنّاه الإسرائيليون، إلا أن الحكومة الإسرائيلية الحالية هي أيضاً شريك السلام الأكثر مصداقية الذي يمكن أن يطلبه الفلسطينيون. علاوةً على ذلك، ثمة زخم دولي متزايد يدفع مؤخراً باتّجاه المفاوضات، ولاسيما على ضوء المخاوف من احتضار حل الدولتَين، واحتمال قيام الفلسطينيين في الضفة الغربية بإطلاق انتفاضة جديدة في أية لحظة. يبدو أن الديبلوماسية الثلاثية المكثَّفة وغير المباشرة التي استمرّت أسابيع عدّة في مصر بين ممثلّين عن حركة "حماس" وإسرائيل والسلطة الفلسطينية، لم تأتِ بنتائج تُذكَر، وخير دليل على ذلك الصواريخ الخمسة التي أُطلِقَت على إسرائيل خلال زيارة أوباما، وتعثُّر مفاوضات المصالحة الفلسطينية. لكن مبادرةً موازية في الأردن بين القادة الإسرائيليين والسلطة الفلسطينية - تحظى بدعم الاتحاد الأوروبي وتحصل الآن على جرعة زخم من كيري - تحمل وعوداً أكبر بكثير.

يبدو أن الجزء الأكبر من التحرّكات التي تُتَّخذ في إطار المبادرة، سرّي، وغالب الظن أنها ستبقى كذلك في الوقت الراهن. ففي الأسابيع الأخيرة، توجّه نتنياهو، كما أوردت بعض التقارير، إلى الأردن سراً لمناقشة محادثات السلام، فيما سافر عباس إلى الرياض في زيارة مفاجئة للقاء كيري. بغض النظر عمّا يقوله القادة في العلن، يبدو أن هناك اندفاعة طال انتظارها لإيجاد حل للنزاع الإسرائيلي-الفلسطيني الشائك. يزعم المشكِّكون أن الأميركيين والإسرائيليين على السواء يتخبّطون في شؤونهم الداخلية، وأنهم مرتبكون أمام الفوضى الراهنة في المنطقة، بحيث إنه يتعذّر عليهم بذل مجهود فعلي في المفاوضات. لكنّ ثمة شعوراً أيضاً على الأرض، وعلى طرفَي جدار الفصل، بأن الوضع بات ملحاً جداً. يُظهر التاريخ أن أزمات كهذه يمكن أن تحمل معها أيضاً فرصاً كبيرة.

فيكتور كوتسيف صحافي مستقل ومحلّل سياسي يركّز على الشرق الأوسط.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.