تُظهر استطلاعات الرأي الأخيرة أن حزب "نداء تونس" - وهو حزب "حداثي"، بحسب توصيفه لنفسه، أُسِّس في صيف 2012 - يُزاحم بشدّة "حزب النهضة" الإسلامي الحاكم في تونس. بيد أن عدداً كبيراً من التونسيين - ولاسيما أولئك الذين يعيشون في بلدات أصغر خارج العاصمة - يقول إن القياديين الكبار في المكاتب المحلية في حزب "نداء تونس" كانوا أعضاء معروفين في "التجمع الدستوري الديمقراطي" قبل الثورة. على غرار المصريين الذين يخشون عودة الفلول، يتحدّث التونسيون علناً عن التهديد الذي يشكّله "التجمّع"، في إشارة إلى الأعضاء السابقين في حزب "التجمّع الدستوري الديمقراطي" الذي كان يتزعّمه بن علي، مبدين خشيتهم من ثورة مضادّة يشنّها هؤلاء. إلا أن حزب "نداء تونس" دأب من جهته على دحض هذه الاتّهامات، مشيراً إلى أن حزب "النهضة" نفسه سمح لعدد كبير من البيروقراطيين الذين كانوا ينتمون إلى "التجمّع الدستوري الديمقراطي" بمواصلة العمل في إدارته. وهكذا، فإن قدرة حزب "نداء تونس" على رفع تحدٍّ جدّي في وجه "النهضة" في الانتخابات المقبلة، تتوقّف إلى حدّ كبير على نجاحه في معالجة هذه الشكوك وتشكيل عامل استقطاب أكثر ديناميكية لليسار الوسط، الذي يُعَدّ قوة ناخبة أساسية غير محسوبة على أحد.

أصبح الدفاع عن حزب "نداء تونس" أكثر صعوبة بعد 9 آذار/مارس، عندما أدلى فوزي اللومي، رجل الأعمال الثري والعضو في المكتب التنفيذي للحزب، بتصاريح متهوّرة في البرنامج الحواري الشعبي "الصراحة راحة". فقد قال إن "حركة نداء تونس هي التجمّع، والتجمّعيون هم الدستوريون". واعتبر مشاهدون كثر أنه إقرار صريح بأن حزب "نداء تونس" الذي يقول إنه ينتمي إلى حقبة "الدستوريين" البورقيبيين التي تعود إلى ماقبل بن علي، والذين سُمِّيوا كذلك تيمناً بـ"الحزب الدستوري" الذي كان يتزعّمه حبيب بورقيبة، يرحّب أيضاً في صفوفه بأعضاء "التجمّع الدستوري الديمقراطي" الذي كان يترأسه بن علي. ومع أن شخصيات قيادية في حزب "نداء تونس" توجّهت علناً بالتأنيب إلى اللومي، إلا أن تصريحاته انتشرت عبر موقع "يوتيوب"، وتُبَثّ مراراً وتكراراً في مقاطع صوتية عبر الإذاعات.

لدى التوجّه مباشرةً إلى القياديين في مقرّ حزب "نداء تونس" بالسؤال عن تصاريح اللومي، أجابوا بطريقة دفاعية. فقال محسن مرزوق المعروف على نطاق واسع بأنه من القياديين الأوسع نفوذاً في الحزب: "لايمكن بناء حزب من الصفر"، مضيفاً أن "النهضة موجودة منذ أربعين عاماً، أما نحن فموجودون منذ سبعة أشهر... كان حزب التجمّع الدستوري الديمقراطي يضم مليونَي شخص. وقد حُلّ الحزب، ولم يعد لهؤلاء الأشخاص انتماء حزبي. من الطبيعي أن ينضمّ عدد كبير من الأشخاص الذين كانوا في التجمع الدستوري الديمقراطي إلى حزبنا". أما محمود بن رمضان، أحد كبار المستشارين الاقتصاديين في الحزب، فكان جوابه واقعياً: "تحتاج إلى أمرَين لإطلاق حزب: الأشخاص والمال. ليس نداء تونس القطار الأنظف، لكنه القطار الأخير. إذا أردت بلوغ محطّة الديمقراطية، فعليك أن تصعد على متنه... وإلا تبقى النهضة في السلطة طيلة جيلَين".

صحيح أن قلّة من مناصري "نداء تونس" يتحدّثون بهذه الصراحة، لكن عدداً كبيراً منهم يعبّر عن المشاعر نفسها الكامنة في تصريحات بن رمضان: إلحاق الهزيمة بـ"النهضة" هدفٌ يبرّر التضحيات الكبرى. وتوافقهم هذا الرأي بعض الأحزاب التقدّمية البارزة في تونس. لهذه الغاية، انضمّ "الحزب الجمهوري" (الذي يجمع بين "الحزب الديمقراطي التقدّمي" وحزب "آفاق تونس"، وكلاهما حزبان ليبراليان ديمقراطيان تنافسا في انتخابات 2011)، إلى حزب "نداء تونس" في اتّحاد فضفاض أُطلِق عليه اسم "الاتحاد من أجل تونس"، في منتصف كانون الثاني/يناير 2013، ويضم خمسة أحزاب أشهرها "نداء تونس" و"الجمهوري" و"المسار" (الذي كان يُعرَف سابقاً بـ"التجديد"، وهو حزب يساري تنافس أيضاً في انتخابات 2011). في الأشهر المقبلة، سوف تحاول هذه الأحزاب تحويل الاتحاد من جبهة معارضة بدائية إلى مشروع انتخابي وسياسي راسخ ومتين، مع ترشيح لوائح مشتركة وطرح مواضيع على النقاش.

بدا الانضمام إلى الاتحاد خطوة سياسية مدروسة ومحنّكة خصوصاً بالنسبة إلى "الحزب الجمهوري"، الذي تبلغ نسبة التأييد له حالياً نحو خمسة في المئة في استطلاعات الرأي. قالت مية الجريبي، الأمينة العامة للحزب: "يحاول حزبنا توحيد القوى الديمقراطية لإلحاق الهزيمة بالنهضة، كي نتمكّن من بلوغ الديمقراطية في نهاية المطاف"، مضيفةً أنه "من الطبيعي إذاً أن نسعى إلى تشكيل اتحاد مع تلك القوى". لكن أعضاء آخرين في "الحزب الجمهوري" يرون أن الاتحاد مع "نداء تونس" أكثر تعقيداً واضطراباً. قال لطفي صعيبي، عضو المكتب التنفيذي في "الحزب الجمهوري": "حالياً نداء تونس هو شرّ أهون من النهضة بالنسبة إليّ، لكن الاتحاد نشأ قبل أن تأخذ العدالة مجراها - قبل أن ندقّق كما يجب في خلفية الأشخاص داخل نداء تونس. قال بعض الأعضاء داخل الحزب الجمهوري فلندقّق في الأشخاص أولاً، فلننظّف البيت الداخلي، كي لانكون عرضةً إلى هذا النوع من الهجمات".

السؤال المطروح هو ما إذا كان الحزبان الأكثر تأثيراً في الاتحاد، "نداء تونس" و"الحزب الجمهوري"، سيتمكّنان من الاتفاق على لوائح المرشحين وعلى تنسيق برامجهما قبل الانتخابات. ويتساءل أعضاء الحزبَين، في شكل خاص، إذا كانوا سيتمكّنون من الاتفاق على مرشح واحد للرئاسة، نظراً إلى اعتراض "نداء تونس" على نجيب الشابي، عضو "الحزب الجمهوري" الطامح للرئاسة. مع أن عدداً كبيراً من التونسيين يتوقّع أن يُرشّح حزب "نداء تونس" رئيسه الباجي قائد السبسي البالغ من العمر 86 عاماً، للرئاسة، إلا أن سنّه تمنعه من الترشّح للمنصب بموجب مسودة الدستور التي سوف تُنجَز قريباً، والتي تفرض ألا يتجاوز سنّ المرشّح للرئاسة 75 عاماً. يشير قادة كبار في حزب "نداء تونس" إلى أن أمين عام الحزب، الطيب البكوش، هو مرشّحهم المحتمل، وليس السبسي. لكن التماهي الشديد بين "نداء تونس" وشخصية السبسي سيجعل من الصعب على البكوش (أو أي شخص آخر يختاره الاتحاد) قيادة حملة انتخابية ناجحة.

ربما بدا الانضمام إلى "الاتحاد من أجل تونس" مناورة سياسية حكيمة بالنسبة إلى "الحزب الجمهوري"، إلا أن الحزب قد يكون ضحّى بفرصة مهمّة لاستقطاب اليسار الوسط الذي كان يدعم سابقاً "المؤتمر من أجل الجمهورية" وحزب "التكتّل"، شريكَي "النهضة" في الائتلاف. حلّ "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتّل" في المرتبتَين الثانية والثالثة في عدد المقاعد في انتخابات 2011، لكنهما خسرا الدعم بعد ذلك. فقد انشقّ عدد كبير من ممثّليهما في المجلس الوطني التأسيسي وانضمّوا إلى أحزاب أخرى، وتركوا الأشخاص الذين صوّتوا للحزبَين في الانتخابات الأولى، في حيرة من أمرهم وهم لايدرون مَن يدعمون.

من أجل معرفة الاتجاه الذي قد يسلكه هؤلاء الناخبون، من المهم أن نتذكّر لماذا حقّق "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتّل" أداء جيداً في العام 2011. لقد استقطبا اليسار الوسط بوصفهما حزبَين علمانيين باعتدال يعارضان التشدّد الإسلامي لكنهما يقبلان وجود النهضة على الساحة السياسية التونسية. والأهم من ذلك، في مرحلة الثورة وإعادة البناء، اعتُبِرت المجموعتان بأنهما تنتميان إلى "حقبة جديدة"، وبأن من شأنهما بالتالي الوقوف بقوّة في وجه "التجمّع الدستوري الديمقراطي". أما الآن فيشكّ بعض التونسيين - وبينهم عدد كبير ممَّن صوّتوا للمؤتمر من أجل الجمهورية أو التكتّل - بأن القيادة اليسارية في حزب "نداء تونس" تضحّي بالمبادئ الثورية للقبول بالتبرّعات من رجال أعمال على صلة بـ"التجمّع الدستوري الديمقراطي". على النقيض من "المؤتمر من أجل الجمهورية" وحزب "التكتّل" (اللذين كان يُنظَر إليهما على أنهما علمانيان باعتدال ولكن تونسيان مئة في المئة)، غالباً مايربط التونسيون حزب "نداء تونس" بالعلمانية الأكثر عدوانية على غرار النموذج الفرنسي. ومايُعزّز هذه النظرة أكثر هو أنه غالباً ماتصف الشخصيات الرئيسة في الحزب أعضاء "النهضة" بأنهم "غرباء" غير أكفياء حاولوا زرع نزعات سياسية خارجية، مثل نزعة "الإخوان المسلمين" في مصر أو الوهّابية السعودية في تونس. قال القيادي في الحزب محسن مرزوق مردِّداً لازمة رائجة: "إنهم [نواب النهضة] موجودون خارج التاريخ التونسي، حتى أنهم لايملكون القدرة على القراءة والكتابة".

يتبنّى "الحزب الجمهوري" مقاربة أقل رفضية تجاه "النهضة"، مشدّداً على أن الإسلام السياسي أصبح جزءاً من المشهد التونسي، وليس بالضرورة عامل تهديد. مع أن خطاب "الجمهوري" يُعتبَر على الأرجح أكثر واقعية وأقل نخبوية، إلا أنه الشريك الأصغر في "الاتحاد من أجل تونس". يجب أن يتفادى حزب "نداء تونس" تشويه صورة "النهضة" لأسباب أيديولوجية، وإلا لن يتمكّن على الأرجح من استقطاب اليسار الوسط الذي يحتلّ مساحة واسعة كانت تصبّ سابقاً في مصلحة "المؤتمر من أجل الجمهورية" و"التكتّل". فالناخبون المنتمون إلى الوسط واليسار الوسط يعتبرون أن حزب "النهضة" يفتقر إلى الكفاءة في التعامل مع الشؤون الاقتصادية المتعلّقة بقوتهم اليومي، وهذا هو في رأيهم التهديد الأساسي، وليس التشدّد الإسلامي. 

في الوقت الحالي، يُعَدّ "النهضة" الحزب التونسي الوحيد الذي يتمتّع بقاعدة دعم مستقرّة. لقد جمع حزب "نداء تونس" من هنا وهناك يساريين وتقدّمين ليبراليين ودستوريين وأنصاراً سابقين لحزب "التجمّع الدستوري الديمقراطي" مناهضين لحكم "النهضة". حتى المجموعات ذات الأجندات المتعارضة ظاهرياً - مثل عدد كبير من أعضاء "الاتحاد العام التونسي للشغل"، أي نقابة العمّال الأساسية في البلاد، و"الاتحاد التونسي للصناعة والتجارة والصناعات التقليدية"، أي نقابة أصحاب العمل - تميل إلى دعم حزب "نداء تونس". كي يتمكّن هذا الأخير من الفوز في الانتخابات المقبلة، عليه أن يعالج بصورة فعّالة ومجدية كل مايُثار حول روابطه مع "التجمّع الدستوري الديمقراطي"، وأن يبني قاعدة من الدعم لاتستند فقط إلى شخصية الباجي قائد السبسي، ويضع رؤية اقتصادية واجتماعية قوية تذهب أبعد من إلحاق الهزيمة بحزب "النهضة". يتوقّف نجاح المرحلة الانتقالية في تونس، في جزء منه، على قدرة حزب "نداء تونس" على رفع هذه التحدّيات في الأشهر المقبلة. وإلا قد يصبح "النهضة" أكثر سلطوية في العقود المقبلة، من دون أن يكون التشدّد الإسلامي السبب الأساسي في ذلك، بل الثقة الزائدة بالنفس التي تتسلّل شيئاً فشيئاً نتيجة الفوز في انتخابات تلو الأخرى.

مونيكا ماركس باحثة حائزة على منحة رودس مقيمة في تونس، وطالبة دكتوراه في كلية ساينت أنطوني في جامعة أكسفورد. عمر بلحاج صالح ناشط في المجتمع المدني التونسي وطالب دراسات عليا في جامعة منوبة.

*تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.