بعد زيارة الرئيس الأميركي أوباما إلى المنطقة، أطلق وزير الخارجية الأميركي جون كيري دبلوماسية مكّوكية، مايعني أنه قد يكون من السابق لأوانه نعي عملية السلام واعتبارها "في مرحلة الاحتضار". لكن على الرغم من المؤشّرات بأن الولايات المتحدة تحاول إعادة إحياء التزامها بعملية السلام، من غير المرجّح أن يولّد هذا الجهد  نتائج إيجابية. وليس السبب فقط أن إطار السلام - الذي اختُبِر وجُرِّب طيلة عقدَين وأكثر - إشكاليٌّ بطبيعته، وأن الفشل كان ملازماً له على الدوام، إنما المشكلة أيضاً هي في وجود عراقيل من مختلف الجهات تحول دون بلوغ نتيجة إيجابية. لكن انطلاقاً من الإخفاق في التوصّل إلى حل على مستوى القيادات والمؤسسات، الفرصة سانحة أمام الشعب الفلسطيني كي يُعيد يداً بيد رسم معالم مستقبله وتحديد اتّجاهه. وهذا المجهود جارٍ على المستوى الشعبي.

يعتبر كثرٌ أن مايُسمّى بالربيع العربي لم يصل إلى الفلسطينيين الذين فشلوا في حشد تعبئة جماعية وقويّة العزيمة ضد إسرائيل أو ضد حكومتَيهما في الضفة الغربية وغزة. إلا أن هذا التأكيد يتجاهل المعوِّقات المتعدّدة التي تواجهها هذه النضالات الشعبية في أماكن مختلفة. وفي حالة الفلسطينيين تحديداً، يقلّل هذا الكلام من شأن التحدّيات التي يتعيّن عليهم مواجهتها لبلوغ مستوى الاحتجاج الذي تشهده شوارع الدول العربية المجاورة. فالفلسطينيون الذين يخطّطون لتجمّعات شعبية يصطدمون بالقيود المنهجية والمنظَّمة التي تُفرَض على حرية التحرّك، مايزيد كثيراً من صعوبة حشد الأعداد الكافية. كما أن هناك خطراً شديداً بأن تواجه الاحتجاجات قمعاً عنيفاً، مايُقلّل أكثر فأكثر من القدرة على الحشد. ولعل سنوات القمع والاعتقال والحجز أضعفت أيضاً المجتمع الأهلي الفلسطيني، ماأدّى إلى تراجع قدرته على التعبئة.

بيد أن التلميح بأن الفلسطينيين فشلوا في الالتفاف حول قضيّتهم، يتجاهل معطيات واضحة تؤشّر إلى العكس تماماً. فعلى الرغم من العوائق الفريدة التي يواجهونها، تدعم التطوّرات الأخيرة التكهّنات التي تتحدّث عن احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة؛ فقد استهدفت موجات متقطّعة من الاحتجاجات القيادتَين الفلسطينية والإسرائيلية على السواء. داخلياً، عبّر الفلسطينيون عن غضبهم من سياسييهم بسبب عجزهم المستمر عن التعامل مع الخلافات المتفاقمة من أجل التوصّل إلى إطار حيوي للمصالحة. وقد ركّزت الاحتجاجات المتكرّرة في الضفة الغربية على السياسات المالية والاقتصادية للسلطة الفلسطينية، كما سجّلت اعتراضها أحياناً على مواقف السياسيين. ومن الشخصيات التي استهدفتها هذه الاحتجاجات في الآونة الأخيرة الرئيس محمود عباس الذي بدا وكأنه يتخلّى عن حق الفلسطينيين في العودة خلال مقابلة معه على التلفزيون الإسرائيلي1. أما الاحتجاجات في غزة، وهذا ليس مستغرباً، فأقل وضوحاً للعيان وتتعرّض إلى قمع أشدّ بسبب الميول السلطوي لدى "حماس"، إلا أنها تظهر إلى العلن بصورة دورية.

على المستوى الخارجي، تكثّفت وتيرة الاحتجاجات المناهضة للسياسات الإسرائيلية في الأشهر القليلة الماضية2؛ وأبرزها التجمّعات الشعبية الداعمة للأسرى الفلسطينيين3 الذين لطالما احتلوا مكانة مرموقة في المجتمع الفلسطيني الذي يتعرّض إلى عمليات توقيف واسعة النطاق في صفوفه، وتحمل قضيّتهم أبعاداً نفسية وعاطفية كبيرة تلمس معظم العائلات الفلسطينية. وكانت هذه القضية في صلب سلسلة من الأحداث أدّت في الآونة الأخيرة إلى تأجيج التشنّجات وتعبئة الفلسطينيين، أبرزها الإضرابات عن الطعام4، ومقتل فلسطينيين في ظروف غامضة في مراكز الاعتقال الإسرائيلية5، وتوقيف أطفال فلسطينيين وإساءة معاملتهم6، والمعاملة السيئة التي يلقاها الأسرى الفلسطينيون7.

تذكّر هذه الحوادث بما جرى في الأشهر التي سبقت اندلاع الانتفاضة الثانية. وإلى جانب هذه الأشكال "النموذجية" من الاحتجاجات، يُظهر المجتمع الأهلي الفلسطيني قدرة على الصمود تدفع بقضيّته نحو الأمام (وقد تجلّت من خلال نشاطات متنوّعة مثل إنشاء قرية "باب الشمس"، وإطلاق أفلام مثل "بدرس" و"خمس كاميرات محطّمة"). كما أن النضالات السلمية التي تخوضها قرى، مثل بلعين، في مختلف أنحاء الضفة الغربية - ولم تكن تحظى بالتغطية الكافية سابقاً - باتت الآن في واجهة المعركة ضد الاحتلال. وبدعم من الشتات الذي يزداد نبضاً وحيوية، تضاعفت أيضاً الشبكات العالمية مثل "حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها" (BDS).

في الجانب الفلسطيني، يُشير هذا التصميم إلى أن الفشل المزمن في التوصّل إلى حل عادل أدّى إلى انتقال مسؤولية التحرّك من القيادة المؤسّسية إلى المجتمع الأهلي في الأراضي المحتلة وإلى الفلسطينيين الذين يعيشون في الخارج. يُقدّم هذا التحوّل فرصة لإصلاح الإطار القيادي الحالي والانتقال إلى إطار يقوم على الدمج الفاعل لهذه الجهود المتفرِّقة ضمن استراتيجية واحدة ومتماسكة لتقرير المصير.

يستطيع المجتمع الأهلي أن يُحدّد بنفسه شكل الحكومة التي يريدها. فعبر الحفاظ على الزخم على مستوى القواعد الشعبية، بإمكان الشعب الفلسطيني أن يُحدّد طبيعة قيادته واتّجاه تطلّعاته الوطنية. تسلّط خيبة الأمل من السلطة الفلسطينية وحركة "حماس"، الضوء على أن مساعي المصالحة وإصلاح السلطة الفلسطينية أملاً في إعادة إطلاق عملية السلام ليست على الأرجح سوى جهود مضلَّلة تؤدّي إلى الإبقاء على الوضع القائم، وتفشل في النأي بنفسها عن الشوائب الممأسسة التي تعاني منها السلطة الفلسطينية. فالحقيقة هي أن السلطة الفلسطينية نشأت كحكومة مؤقّتة استباقاً لإقامة دولة فلسطينية؛ إلا أنها استمرّت أكثر من اللازم، لا بل يمكن القول بأنها ساهمت في ترسيخ الاحتلال عبر خفض الكلفة التي تتحمّلها الدولة الإسرائيلية للإبقاء عليه. 

يجب ألا يدور الإصلاح في فلك السلطة الفلسطينية، بل أن ينصبّ هذا المجهود على الكيانَين التحريريَّين الأوسع، أي "منظمة التحرير الفلسطينية" و"المجلس الوطني الفلسطيني" اللذين يُعتبَران، دستورياً، السلطتَين التنفيذيّتين الأعلى في الحكومة الفلسطينية والممثّلَين الوحيدين للفلسطينيين المعترَف بهما دولياً. من شأن إصلاح هاتين المؤسّستَين كي تتمتّعا بالتعدّدية والديمقراطية والصفة التمثيلية للفلسطينيين المقيمين في الأراضي المحتلة والشتات، أن يحوّلهما إلى منبرَين قويين يستطيع الفلسطينيون الاعتماد عليهما كي يُحدّدوا معاً معالم نضالهم الوطني وآفاقه. ويمكن أن يوفّر هذان الكيانان الهيكلية الضرورية لتوجيه الإحباطات المعبَّر عنها على مستوى القواعد الشعبية، بطريقة منهجية ومنظّمة بما يؤدّي إلى وضع استراتيجية تمثيلية موحَّدة.

يستطيع الفلسطينيون، من خلال عملية الإصلاح هذه، تنظيم نقاشات واستفتاءات وطنية تساهم في توجيه جهودهم، مثلاً عبر التصويت على نوع الدولة (سواء حل الدولة الواحدة أو حل الدولتَين) التي يرغبون في العيش فيها. الخيارات كثيرة. فعلى سبيل المثال، بإمكان الفلسطينيين أن يسلكوا المسار الذي أطلقه الرئيس عباس للحصول على الشرعية الدولية من خلال منظمات مثل الأمم المتحدة. من شأن مبادرة من هذا القبيل أن تختلف إلى حد كبير عن الممارسة السائدة حالياً. وبهذه الطريقة قد يحصل القادة، في شكل أساسي، على الموافقة اللازمة من الناخبين لتطبيق إجراءات صارمة، كما أن الدبلوماسيين الفلسطينيين سيتمكّنون من التحرّك عن طريق محكمة الجنايات الدولية لمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي من دون الخوف من رد فعل قد يؤدّي إلى تزعزع الإرادة الشعبية. أو يستطيع الفلسطينيون أيضاً، عبر تنظيم استفتاء داخل "منظمة التحرير الفلسطينية" بعد إصلاحها، إطلاق حملة للحقوق المدنية ضمن حدود دولة واحدة. وفي هذا الإطار، يحتلّ المجتمع الأهلي المحلي موقعاً جيّداً يُخوّله العمل من أجل المساواة والسيادة وحرية التنقّل؛ ومن شأن "منظمة التحرير الفلسطينية"، حين تتمتّع بالصفة التمثيلية اللازمة وتحظى بالدعم من "مجلس وطني فلسطيني" فاعل وديمقراطي، أن تقدّم مزيداً من المساندة لهذه الجهود التي ستحظى أيضاً بالمؤازرة من الفلسطينيين في الخارج.

لقد صحّت التحذيرات التي أطلقها النقّاد في مطلع التسعينيات؛ فإطار أوسلو الذي تمّ اعتماده لبناء السلام، خلّف هيكليات متجذِّرة داخل الكيان الفلسطيني تعوّق تقدّم المشروع الوطني. ومن المستبعد أن يقود الانخراط الأميركي المتجدّد في بناء السلام ضمن هذا الإطار، إلى نتائج مغايرة لتلك التي أفضت إليها الجهود السابقة. تقع المسؤولية الآن على عاتق المجتمع الأهلي الفلسطيني كي يعلن القطيعة مع هذه الجهود ويرسم، من خلال مناهج عمل وطنية واسعة النطاق، مسار النضال الوطني الفلسطيني.

 طارق بقعوني طالب دكتوراه في كلية العلوم السياسية والسياسة العامة في كينغز كولدج في لندن، ويحمل شهادة ماجستير في العلاقات الدولية من جامعة كامبريدج.

* تُرجم المقال من اللغة الإنكليزية.