تصدَّر مساران منفصلان في الدبلوماسية الإسرائيلية-الفلسطينية، يتمّان بوساطة دولية، العناوين في الأشهر القليلة الماضية: الجهود الآيلة إلى إنعاش مفاوضات السلام المتعثِّرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، ومحاولات تحقيق المصالحة الفلسطينية الداخلية. نظرياً، يمكن ويجب أن يكون المساران جزءاً من المجهود نفسه. لكن عملياً، يبدو أن المحادثات بين الفصائل الفلسطينية تتجه نحو حائط مسدود، في حين ينصبّ الاهتمام في شكل أساسي على المسار الإسرائيلي-الفلسطيني، الأمر الذي قد يسدّد في نهاية المطاف ضربة قاضية لعملية السلام.

الواقع أن ممثّلي حركتَي "فتح" و"حماس" كانوا يعقدون اجتماعات دورية في الأسابيع الماضية، فيما المسؤولون في الجانبَين يطلقون تصاريح رنّانة عن الوحدة. ففي 25 أيار/مايو الجاري، وعد الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتشكيل حكومة وحدة وطنية في غضون "الأسبوعين المقبلين". هذا وتتحدّث التقارير عن حدوث تحوّل كبير داخل حركة "حماس" في الأشهر الماضية، يدفع بها نحو الاعتدال، إذ تعمد إلى تطهير قيادتها من المتشدّدين وتتقيّد بالهدنة مع إسرائيل بحذر أكبر مقارنةً بالأعوام السابقة. حتى أن قادتها لمّحوا إلى أنهم لن يعارضوا حلّ الدولتين، الأمر الذي من شأنه أن يساهم في تقليص الهوة مع السلطة الفلسطينية، بل أيضاً مع إسرائيل.

بيد أن المشكّكين في إمكانية حدوث المصالحة الفلسطينية لايقتصرون فقط على معارضي الوحدة مثل "الجهاد الإسلامي"، الخصم الأكثر تطرّفاً لحركة "حماس". فقد حمّل المفكر الأميركي-الفلسطيني، سام باحور، السياسات الإسرائيلية والأميركية مسؤولية الانقسامات، لكنه ألقى باللوم أيضاً على حركتَي "فتح" و"حماس". فقد كتب في رسالة إلكترونية: "يمكنهما في أفضل الأحوال أن تحاولا إنشاء حكومة "فدرالية" للجمع بين منطقتين جغرافيتين منفصلتين". وأضاف أن الفلسطينيين المقيمين في القدس وإسرائيل والشتات سيبقون في هذه الحالة خارج المنظومة السياسية: "هذه المجموعات الثلاث من الفلسطينيين ستعود لتقضّ مضجع حماس وفتح على السواء".

وقد عبّر غيرشون باسكن، الناشط الإسرائيلي المخضرم في مجال الدفاع عن السلام، عن رأي مشابه إلى حد كبير، إذ لفت إلى أن المصالحة تقتضي الدمج بين القيادتَين والقوى الأمنية في حركتَي "فتح" و"حماس"، معتبراً أن هذا الاحتمال مستبعد جداً. وأضاف أن الزيارة التي من المزمع أن يقوم بها رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان إلى غزة في حزيران/يونيو المقبل، والتي يمكن أن تمنح نظرياً اندفاعة لعملية المصالحة، سوف تثير غضب عباس والإسرائيليين والولايات المتحدة والسعوديين، مشيراً إلى أنها "غير بنّاءة في المرحلة الحالية".

على صعيد آخر، ومع أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري أثار بعض الانتقادات في الآونة الأخيرة بسبب كثرة أسفاره وتنقّلاته، إلا أنه يبدو أن ثمة فرصة حقيقية – وقد تكون الأخيرة – لفتح كوّة في جدار المفاوضات بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. ربما لم تنجح بعض الجهود الدؤوبة التي بذلها كيري في تحقيق النتائج المرجوة (مثلاً محاولته إقناع رئيس الوزراء الفلسطيني السابق سلام فياض بالعدول عن الاستقالة في نيسان/أيار الماضي، أو المساعي التي قام بها مؤخراً لحمل أردوغان على إلغاء زيارته إلى غزة)، لكنه حقّق أيضاً بعض النجاحات المهمة. فقد دفع بالجامعة العربية إلى التوصل إلى اتفاق في أواخر نيسان/أبريل للقبول بالمقايضات "الصغيرة" في الأراضي التي نصّت عليها مبادرة السلام العربية للعام 2002 (والتي تدعو إلى انسحاب إسرائيل إلى حدود 1967، والتوصّل إلى حلّ عادل لمشكلة اللاجئين في مقابل الاعتراف والتطبيع الكامل للعلاقات بين إسرائيل والعالم العربي)، كما فرض كيري، بحسب التقارير، على الحكومة الإسرائيلية تعليق أعمال البناء الكبرى في المستوطنات مؤقّتاً.

فضلاً عن ذلك، شكّل كيري فريقاً من الأسماء اللافتة لمعالجة بعض المسائل الأكثر تعقيداً في النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. وقد انضمّت إليه مؤخراً شخصيتان من الوزن الثقيل، هما رئيس الوزراء البريطاني السابق، طوني بلير، المكلّف العمل على تعزيز الاقتصاد الفلسطيني وتحضيره ليصبح اقتصاداً مستقلاً، وقائد قوات حلف شمال الأطلسي (الناتو) السابق في أفغانستان، الجنرال جون ألن، الذي سيحاول التوسّط في موضوع المطالب الإسرائيلية المتعلقة بالترتيبات الأمنية في دولة فلسطين التي قد تنشأ في المستقبل. يأمل فريق بلير، بحسب التقارير، في استقطاب أربعة مليارات دولار أميركي من الاستثمارات الخاصة إلى الأراضي الفلسطينية في غضون السنوات الثلاث المقبلة، بما يساهم في خفض البطالة بمعدّل الثلثَين، وزيادة الأجور بنسبة 40 في المئة تقريباً. لكن المشكلة، كما قال كيري صراحةً، هي أنه لايمكن تحقيق ذلك في غياب السلام.

يرى بعض المحلّلين أن اتفاق السلام الناجح لن يساهم في حلّ المشاكل الاقتصادية الضاغطة التي تعاني منها فلسطين وحسب، بل أيضاً الصعوبات الاقتصادية الإسرائيلية. فمع أن الإسرائيليين والفلسطينيين على السواء تعاملوا ببرودة مع الآفاق الاقتصادية المرتقبة من اتفاق السلام - إذ أعلنت السلطة الفلسطينية أنها لن تقدّم "تنازلات سياسية في مقابل منافع اقتصادية"، فيما اختار وزير المالية الإسرائيلي الجديد، يائير لبيد، إجراء خفوضات ضريبية موجعة تسبّبت بتراجع شعبيته - إلا أن الجانبَين هما في أمسّ الحاجة إلى هذه الفرص الاقتصادية. فضلاً عن ذلك، وكما كتب الناشط الإسرائيلي البارز في الدفاع عن السلام، برنارد أفيشاي، ليس المطلوب التهرّب من طرح المسائل الجوهرية عبر الكلام عن الاقتصاد: "علينا أن نبدأ العمل على معالجة هذه المشاكل، انطلاقاً من أن الاستقلال يفترض التكافل".

وكشف أفيشاي مؤخراً أن الهوّة التي ظهرت بين أحدث المواقف الإسرائيلية والفلسطينية المعلنة في موضوع الحدود، وتحديداً في المحادثات بين عباس ورئيس الوزراء الإسرائيلي السابق إيهود أولمرت في العام 2008، قد رُدِمَت نظرياً. ومن دون الغوص في تفاصيل المباحثات بين أولمرت وعباس، أو في مدى تمثيل كلٍّ منهما للقواعد الناخبة، يمكن القول من دون تردّد إن هناك توجّهات أساسية في الخطاب السياسي الإسرائيلي والفلسطيني تستطيع ردم الثغرات بين الفريقَين. لاتكمن المشكلة الحقيقية فقط في الجنوح الإسرائيلي نحو اليمين، الذي يجسّده رئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني بنيامين نتنياهو، بل أيضاً في الانقسام الفلسطيني، إلى جانب تمسّك عباس بالشروط المسبقة قبل الموافقة على المشاركة في المحادثات.

غالباً مانسمع كلاماً مفاده أنه لايمكن تحقيق تقدّم في عملية السلام في هذه المرحلة إلا عن طريق الوسائل السرية بدلاً من الدبلوماسية العامة. ثمة مؤشرات كثيرة بأن مايظهر إلى العلن من كل المبادرات الجارية حالياً ليس سوى جزء صغير من المعطيات الفعلية (كتبت وكالة "أسوشيايتدبرس" مؤخراً: "لاتزال خطة كيري غامضة، حتى بالنسبة إلى المسؤولين في إدارة أوباما")، ولذلك من الممكن أن التعامل مع بعض هذه الألغام الأرضية، بالمعنى المجازي للكلمة، يتم أيضاً عن طريق القنوات غير الرسمية.

تتحدّث التقارير عن تعرّض عباس إلى ضغوط دولية كبيرة للتخلّي عن الشروط المسبقة، ومن الممكن أيضاً أن تتّجه "حماس"، بدفعٍ من التطورات التي تشهدها على صعيد تركيبتها الداخلية، نحو القبول بعملية السلام في مرحلة لاحقة. (أدّت العملية العسكرية التي نفّذتها إسرائيل في تشرين الثاني/نوفمبر الماضي إلى تهميش المتشدّدين وتمكين المعتدلين داخل الحركة. كما أن الحرب الأهلية في سوريا قد تساهم بصورة غير رسمية في إحداث تقارب في وجهات النظر، نظراً إلى القطيعة التي بدأت بين "حماس" ونظام بشار الأسد اعتباراً من العام الماضي، وماهو معلوم ومُتناقَل أيضاً عن التورط الإسرائيلي هناك). هذا ويمكن أن يغيّر نتنياهو أيضاً سياساته، علماً أن استطلاعات الرأي تُبيِّن أنه قد يفوز بالدعم من مجتمعه إذا فعل ذلك. وفي هذا الإطار، تُسجَّل سوابق كثيرة عن قادة إسرائيليين يمينيين شهدت مواقفهم انعطافاً كبيراً (مثل أرييل شارون وإسحق رابين ومناحيم بيغن)؛ وقبل بضعة أيام فقط، أثنى كيري على "جدّية" رئيس الوزراء الإسرائيلي بشأن السلام.

لكن الخطر يبقى بأنه إذا لم تُعالَج كل هذه المسائل بطريقة شاملة ووافية، ستبقى بمثابة حصان طروادة وتقضي على كل الآمال بالتوصل إلى اتفاق سلام. وفي حين أن الخبر السار هو أنه لأول مرة منذ سنوات ثمة زخم حقيقي نحو السلام – على الأرض وفي المجتمع الدولي على السواء – الخبر السيئ هو أنه إذا ضاعت هذه الفرصة سدًى، فقد يمر وقت طويل قبل أن تظهر فرصة جديدة.

فيكتور كوتسيف صحافي مستقل ومحلل سياسي تتمحور كتاباته حول الشرق الأوسط.