كانت المحاولات التونسية لمعالجة شؤون العدالة الانتقالية مبعثرة وغير منظّمة في أفضل الأحوال. فعقب الخطوات الأولى - بعد أيام من إطاحة الرئيس السابق زين العابدين بن علي - لحلّ الحزب الحاكم أي "التجمع الدستوري الديمقراطي"، أُغلِقت أيضاً "الوكالة التونسية للاتصال الخارجي" (ATCE) التي كانت بمثابة أداة دعائية للنظام. وسرعان ماأُنشِئت لجانُ تقصٍّ لتسليط الضوء على الفساد وانتهاكات حقوق الإنسان وعمليات قتل المتظاهرين خلال الانتفاضة. لكن منذ انتخابات المجلس التأسيسي التونسي في تشرين الأول/أكتوبر 2011، تراجع الاستعداد للنظر في قضايا العدالة الانتقالية. وظلّت الجرائم السابقة من دون محاسبة، مع أن تونس هي أوّل بلد في العالم أنشأ وزارةً تعنى تحديداً بالعدالة الانتقالية. وقد أعدّت "اللجنة الفنية لصياغة مشروع قانون العدالة الانتقالية"، وهي لجنة مشتركة تضمّ فاعلين من المجتمع المدني وممثّلين عن الوزارة، مشروع قانون عن العدالة الانتقالية في أيار/مايو 2012، إلا أنه موضوع على الرفّ منذ نصف عام. 

يُنتظَر الكثير من العدالة الانتقالية، إذ يُفترَض بها التعامل مع سنوات القمع الذي مارسه النظام السابق، وأدّى إلى إسكات وكبت التونسيين من مختلف الخلفيات، بمن فيهم الشيوعيون والنقابيون والطلاب الناشطون والإٍسلاميون. وعليها أيضاً النظر في الجرائم التي ارتُكِبت خلال الثورة، إذ تتحدّث لجان التقصّي التي أنشئت مباشرةً بعد الثورة للنظر في انتهاكات حقوق الإنسان خلال الانتفاضة، عن مقتل 338 شخصاً وإصابة 2174 بجروح. بيد أن تسييس العدالة الانتقالية تسبّب، من جملة تحديات أخرى، بتعطيل العملية بعد الانتخابات. مازال على ضحايا نظامَي بورقيبة وبن علي - بما في ذلك أعضاء حزب "النهضة" الحاكم حالياً - الاتّفاق على رؤية مشتركة للماضي، الأمر الذي يضع مزيداً من العراقيل أمام تطبيق العدالة الانتقالية. 

كان عمل لجان التقصي غير فعّال إلى حد كبير، شأنه في ذلك شأن الكثير من المبادرات التي أُطلِقت مباشرةً بعد الثورة، حين كان عدد كبير من السياسيين والناشطين المدنيين متحمّسين لإطلاق المشاريع، لكنهم لم يكونوا مستعدّين لمواجهة تحدّيات المرحلة الانتقالية بعد سقوط النظام السلطوي. حتى محاكمات رموز النظام السابق التي أجريت بعد وقت قصير من سقوطه، بما في ذلك محاكمة بن علي نفسه غياباً، تمّت على عجل، وافتقرت إلى الفعالية والجدّية، ولذلك اعتُبِرت مجرد محاكمات استعراضية أُدينَت فيها الأسرة الحاكمة بتهمٍ اقتصادية صغيرة إلى حد ما، ولذلك اعتبر الشعب التونسي أنها ليست على درجة كبيرة من الأهمية، كما رأى فيها مناورات لتهدئة الرأي العام. قبل الانتخابات، كانت الآليات والمؤسسات التي أرستها الحكومات الإنتقالية تفتقر إلى الشرعية الكافية؛ طُرِحت علامات استفهام حول الخلاصات التي توصّلت إليها اللجان وجرى التشكيك فيها، بعد الانتخابات، وغرقت مسألة العدالة الانتقالية في مستنقع السياسة.

وكذلك كان إصلاح القضاء - أي الآلية الرئيسية لتطبيق العدالة الانتقالية - والقطاع الأمني موضع إهمال شديد، الأمر الذي طرح تحدّيات كبرى أمام المرحلة الانتقالية في تونس. لاتزال وزارة الداخلية، التي هي أشبه بدولة داخل الدولة، تتخبّط لإصلاح هيكليتها. فعلى الرغم من بذل بعض الجهود لاستبعاد الوجوه الأكثر ارتباطاً مع النظام السابق، لايزال إصلاح الوزارة - الكائنة في مبنى إسمنتيّ ضخم في الجادة الرئيسة في تونس - بطيئاً ومتثاقلاً. فضلاً عن ذلك، ربما لاتزال الوثائق العائدة إلى البوليس السري والبوليس السياسي، والتي تفضح تورّط أشخاص في ممارسة التعذيب إلى جانب معلومات عن المخبرين والمسؤولين عن قمع المعارضين، داخل المبنى. وقد وعد راشد الغنوشي، رئيس حزب "النهضة"، مؤخراً بنشر الجزء الأكبر من هذه المواد المؤرشفة قبل الانتخابات المقبلة، من دون إعطاء أي تفاصيل حول ماإذا كانت هذه الخطوة ستُستتبَع بإجراءات قانونية. وقد رأى كثرٌ أنه مجرّد وعد انتخابي وليس مسعى جدّياً لمحاسبة مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان.

ولايزال مشروع قانون العدالة الانتقالية ينتظر طرحه على النقاش في المجلس التأسيسي، الأمر الذي يثير استهجان وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. ومع اقتراب موعد التصويت على مسوّدة الدستور، غالب الظن أنه سيتم من جديد تأجيل النظر في مشروع القانون المتعلق بالعدالة الانتقالية، على الرغم من الإجماع المفاجئ حول معظم بنوده، والذي يعود إلى تركيبة اللجنة التي تتألف في غالبيتها من ممثّلين عن المجتمع المدني ذوي خلفيات سياسية متنوّعة، مع الإشارة إلى أن اثنين فقط من أعضائها، وعددهم اثنا عشر، يمثّلان وزارة حقوق الإنسان والعدالة الانتقالية. وقد عقدت اللجنة اجتماعات استشارية في مختلف المناطق للاستعلام عمّا يتوقّعه ضحايا انتهاكات الحقوق من القانون، وكانت الخلاصة على الشكل الآتي: طلب 37% الحصول على اعتراف قانوني بالمظالم التي يعبّرون عنا، وقال 29% إنهم يتوقّعون منافع مادّية، في حين طالب 28% باعتراف المذنبين بأخطائهم.

يتمثّل العنصر الأهم في مشروع القانون في تشكيل "هيئة الحقيقة والكرامة" التي تتألّف من خمسة عشر عضواً مستقلاً، والمكلَّفة خلال ولايتها الممتدّة لأربع سنوات إنشاء صندوق تعويضات وتعيين قضاة متدرّبين للنظر في قضايا العدالة الانتقالية على وجه التحديد. ويورد مشروع القانون أيضاً أنه يمكن تصنيف مناطق بكاملها في خانة الضحية ومنحها بالتالي مساعدات خاصة للتنمية، في إشارة واضحة إلى الخلل في التوازن بين المناطق الذي ساهم في اندلاع شرارة الانتفاضة التونسية.

على الرغم من الإجماع الواسع الذي يحظى به مشروع القانون، لايزال نطاق تطبيقه يثير سجالاً حاداً. فمن المقرّر أن تنظر اللجنة في المظالم والشكاوى اعتباراً من 20 آذار/مارس 1956، تاريخ استقلال البلاد. إلا أن اعتماد هذا التاريخ، بما يوحي ضمناً بأن الظلم هو عنوان التاريخ التونسي منذ الاستقلال، أثار استياء النوّاب. بيد أن العائق الأكبر أمام مبادرة العدالة الانتقالية ليس القانون أو نطاقه، بل مسألة تطبيقه. فإصلاح النظام القضائي لايزال بطيئاً، وغالبية القضاة من فلول نظام بن علي. لقد أقيل نحو 75 قاضياً من منصبهم منذ اندلاع الثورة من دون إجراءات قانونية واضحة، وتستمر جمعية القضاة في تحميل وزارة العدل والمجلس التأسيسي مسؤولية التباطؤ في تنفيذ الإصلاحات.

لكن التحدّي الآخر الذي قد يحوّل مسوّدة القانون حول العدالة الانتقالية مجرد تفصيل على هامش مرحلة مابعد الثورة في تونس، هو مشروع القانون الذي اقترحته مجموعة من النواب الأعضاء المقرّبين من الائتلاف الحاكم، والذي من شأنه أن يؤدّي إلى الإقصاء الكامل لجميع الأعضاء السابقين في "التجمع الدستوري الديمقراطي" المنحل، من المشهد السياسي. في الواقع، يستهدف مايُعرَف بـ"قانون تحصين الثورة"، في شكل أساسي، أعضاء حزب "نداء تونس" بقيادة الباجي قائد السبسي، وهو الخصم الأقوى لحزب "النهضة" بحسب الاستطلاعات. قد تؤدّي الإدانة الجماعية للأعضاء السابقين في "التجمّع الدستوري الديمقراطي" إلى ترسيخ صورة "النهضة" كرادعٍ في وجه عودة النظام القديم من خلال الانتخابات المقبلة. إلا أنها قد تتسبّب أيضاً بإلحاق الإجحاف بعدد كبير من الأشخاص، لاسيما وأن عدداً كبيراً من التونسيين أُرغِموا قسراً على الانضمام إلى حزب بن علي. يعتبر المراقبون أن مشروع قانون تحصين الثورة يشكّل تهديداً خطيراً للعدالة الانتقالية، إذ يرون فيه مناورة انتخابية من المستبعد أن تساهم في إحقاق العدالة لضحايا الأنظمة السابقة، بل غالب الظن أنها ستؤدّي إلى كظم النقاش حول الانتهاكات السابقة لحقوق الإنسان.

ساره ميرش صحافية مستقلة مقيمة في تونس.