تعاني شبه جزيرة سيناء منذ كانون الثاني/يناير 2011 من فراغ أمني مستمر يتعمّق يوماً بعد يوم. فعلى النقيض من المناطق الأخرى في مصر، تُعَدّ المشاكل الأمنية في سيناء فريدة من نوعها وأشدّ خطورة بكثير، وهي تحمل تداعيات إقليمية واضحة. ويبرز هذا جلياً في موجة العنف الدراماتيكية الأخيرة، حيث تتكرّر الهجمات بصورة شبه يومية، عقب إطاحة الرئيس مرسي؛ وغالب الظن أنها ستزداد حدّة وتواتراً على خلفية الصدامات التي تشهدها القاهرة بين أعضاء الإخوان المسلمين والجيش المصري. تتسبّب هذه الهجمات بتقويض الأمن المصري الذي يعاني أصلاً من الهشاشة، كما تؤدّي إلى تفاقم التشنّجات الإقليمية وتؤثّر في البلدان المجاورة؛ وقد تجلّى هذا الأمر من خلال تفجير خط أنابيب الغاز الطبيعي المؤدّي إلى الأردن، والمخاوف الأمنية المتزايدة في إسرائيل. والأهم من ذلك، لايمكن التقليل من شأن التداعيات السياسية للتدهور الأمني الذي تشهده سيناء في الآونة الأخيرة. فمن شأن التأثيرات المخلّة بالاستقرار أن تعرقل تطبيق الخطة الانتقالية التي ترعاها المؤسسة العسكرية، ولذلك يجب أن يضع الجيش المصري تسوية هذه المشكلة الأمنية في قائمة أولوياته، بدلاً من الاكتفاء باحتوائها.

واقع الحال هو أن المشاكل الأمنية في سيناء ليست جديدة كما أنها ليست النتيجة المباشرة لثورة كانون الثاني/يناير 2011. فلطالما كانت شبه الجزيرة ذات الكثافة السكانية المنخفضة ساحةً للتعبير عن مظالم اقتصادية-اجتماعية معقّدة ومزمنة ضد أسلوب الحكومة المركزية في التعاطي مع احتياجات المنطقة التنموية والاقتصادية. وقد شكّلت هذه المظالم، مقرونةً بمضاعفات النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني المُخِلّة بالاستقرار، وانتشار السلاح بكثرة، مزيجاً متفجّراً أطلق موجة من الهجمات الإرهابية في العام 2011. أما الأساليب العنيفة التي تلجأ إليها الشرطة المصرية لمكافحة الإرهاب – وقد طوّرتها في شكل أساسي خلال الحرب ضد التمرد الإسلامي في صعيد مصر في التسعينيات –فأثبتت عدم فعاليتها في سيناء مع استمرار الهجمات، والأسوأ من ذلك هو أنها تساهم في تفاقم الاستياء في أوساط السكّان المحليين.

نتيجة الفراغ الأمني الذي خلّفته أحداث كانون الثاني/يناير 2011، غرقت سيناء بسرعة في الفوضىنتيجة الفراغ الأمني الذي خلّفته أحداث كانون الثاني/يناير 2011. . وفي العامين الماضيين، سلّطت حادثتان الضوء على حجم الأزمة الأمنية في شبه الجزيرة. وقعت الحادثة الأولى في آب/أغسطس 2011 عندما عبرت مجموعة من المقاتلين إلى إسرائيل وشنّت هجوماً أسفر عن سقوط ثمانية قتلى في صفوف الإسرائيليين. فردَّ الجيش الإسرائيلي بتنفيذ مطاردة مكثّفة أدّت إلى مقتل العديد من الجنود المصريين، الأمر الذي تسبّب بواحدة من أخطر الأزمات في العلاقات المصرية-الإسرائيلية. وبعد عام، في آب/أغسطس 2012، وقع هجوم آخر عند المنطقة الحدودية. فقد هاجم مسلّحون مركزاً أمنياً مصرياً (وقتلوا 16 جندياً مصرياً)، واستولوا أيضاً على ناقلتَي جنود مدرّعتَين، وعبروا الحدود الإسرائيلية قبل أن يقضوا جميعاً في معركة مع الجيش الإسرائيلي. لقد كشف الهجوم، على الرغم من فشله، تنامي الإمكانات التنظيمية والتخطيطية والتنفيذية للمجموعات القتالية في سيناء.

استقطب غرق سيناء في الفوضى الاهتمام على الصعيدَين الدولي والمحلي. محلياً، وبعد كل هجوم، تضجّ وسائل الإعلام بمجموعة واسعة من التفسيرات والحلول المقترحة للأزمة المتفاقمة في سيناء، وترافقها تعهّدات من الحكومة بملاحقة المجموعات المسلّحة وضربها بيد من حديد، وبمعالجة المشاكل الاقتصادية والاجتماعية المزمنة في سيناء. والجهود الأبرز التي بذلتها الحكومة في هذا الإطار تمثّلت في الحملات العسكرية التي سعت إلى اجتثاث المجموعات القتالية وأحيطت بدعاية شديدة. وقد اتّسمت هذه العمليات العسكرية المتكرّرة (التي أُطلِق عليها في البداية اسم "عملية النسر" ثم عُرِفت لاحقاً بـ"عملية سيناء")، بالعديد من الأمور التي تحصل للمرة الأولى في مصر: فقد كانت المرة الأولى التي ينشر فيها الجيش المصري هذه الأعداد الكبيرة من الجنود مع هذا القدر الكبير من المعدّات الثقيلة – وبينها مروحيات قتالية من طراز "إي إيتش-64 أباتشي" – في سيناء منذ حرب حزيران/يونيو 1967. فضلاً عن ذلك، كان نطاق العمليات العسكرية المصرية وحجمها غير مسبوقَين؛ فإلى جانب الهجمات البرية المعتادة، شملت أيضاً – ومجدداً للمرة الأولى منذ حرب الستة أيام - قصفاً جوياً للأماكن التي يُشتبَه في أن المقاتلين يختبئون داخلها.

الغريب أنه على الرغم من الضجة الكبيرة التي رافقت إطلاق هذه العمليات العسكرية، لم يكن من السهل الحصول على معلومات دقيقة عن نطاقها الفعلي ونتائجها. إلا أنه كان واضحاً من الهجمات المتكرّرة للمقاتلين أن تلك العمليات العسكرية لم تكن ناجحة بالقدر الذي ادّعاه الجيش، كما أنها لم تحمل رداً مناسباً على الهجمات. على العكس، بدا أنه جرى التوصّل إلى اتفاق هشّ وغير رسمي بين الأفرقاء المتناحرين من أجل الإبقاء على الوضع القائم، إذ يلتزم الجيش (والقوى الأمنية) بموجبه بالامتناع عن شنّ حملات عسكرية شرط إحجام المقاتلين عن القيام بأي عملية.

لقد اعتبر مراقبون كثرٌ، ولاسيما في مصر، أن عدم حدوث أي تحسّن في الوضع الأمني في سيناء يعود إلى كونها منطقة منزوعة السلاح بحسب مانصّت عليه أحكام الملحق الأمني في معاهدة السلام المصرية-الإسرائيلية للعام 1979. وبدا أن الرواية الرسمية للأحداث تدعم هذه الحجّة، إذ نسبت التأخّر في شنّ مزيد من العمليات العسكرية إلى عدم توافر العتاد العسكري المناسب في سيناء. ومن الحجج الأخرى التي استُخدِمت لتبرير الفشل في طرد المقاتلين من سيناء بواسطة التدخّل العسكري، النقص في المعلومات المناسبة، والخشية من وقوع أضرار جانبية، وصعوبة التقدّم في المناطق الجبلية الوعرة في سيناء.

في حين تُقدّم الحجج أعلاه تفسيراً معقولاً لعجز الجيش المصري عن إيجاد حلول للتحدّي الأمني في سيناء، من المشروع طرح السؤال الآتي: هل سيتحسّن الوضع إذا أزيلت القيود المفروضة على انتشار الجيش المصري؟ الجواب هو كلا. قد تكون القيود على نشر الجنود عاملاً مهماً في سياق مواجهة عسكرية تقليدية، مثل خوض حرب مع إسرائيل. وواقع الحال هو أنه السيناريو الوحيد الذي كان الجيش المصري مستعداً له، وكان يعمد في هذا الإطار إلى حشد الدبابات وناقلات الجنود المدرّعة والمقاتلات، والتدرّب على تعبئة القوات العسكرية ونقلها بسرعة عبر قناة السويس، لمواجهة هجوم إسرائيلي افتراضي من الشرق. إلا أن القوات العسكرية المصرية لم تستعد لمواجهة احتمال اندلاع تمرّد مسلّح. وقد ظلّت هذه المقاربة على حالها على الرغم من الهجمات الإرهابية التي هزّت سيناء في الأعوام العشرة الماضية.

الإنجازات الهزيلة التي حقّقتها الجيش المصري في سيناء ليست نتيجة القيود المفروضة على الوجود العسكري المصري في شبه الجزيرة، بل سببها هو نشر المزيج غير الملائم من القوات العسكرية (على صعيدَي التدريب والتجهيزات) في معركة لم تتدرّب على خوضها أو ليست مستعدّة لها. يقتضي الردّ العسكري المناسب مزيجاً مختلفاً من القوات التي يجب أن تكون مجهّزة جيداً بالأسلحة، وأن تتمتّع بحرَكية عالية، وتمتلك معلومات كافية حول هوية الجهات التي يجب مهاجمتها وأين. حتى لو أجريت عمليات عسكرية كبرى مع أعداد أكبر من القوات - كما يشاع مؤخرا - لن تحل الأزمة الأمنية في سيناء، حيث أن التحدي الرئيسي هو التكتيكات المستخدمة لا أعداد القوات المنتشرة.

أخيراً، لابد من الإشارة إلى أن أي تحرّك أمني أو عسكري لايكون جزءاً من خطة أوسع لمعالجة المظالم الاقتصادية-الاجتماعية المتجذّرة في سيناء، سيكون في أفضل الأحوال مجرّد إجراء مرحلي قصير الأمد. لكن حتى تطبيق مثل هذه المقاربة الشاملة يحتاج إلى حدّ أدنى من الاستقرار لايمكن تحقيقه في إطار الأسلوب الحالي الذي تعتمده مصر للتعامل مع المشاكل الأمنية في سيناء.

المقاربة التي تنتهجها السلطات المصرية حالياً في العمليات العسكرية في سيناء تطرح إشكالية كبيرة، ومن غير المرجّح أن تحقّق النتائج المرجوّة. غالب الظن أن معضلة سيناء ستستمر، وأن الوضع سيبقى غير مستقرّ وشديد التفجّر، لا بل سيتأزّم أكثر، مع تداعيات خطيرة في المدى الطويل، لا على الأمن المصري وحسب، بل أيضاً على الوضع الجيوستراتيجي في المنطقة. إذا لم يبادر المعنيون إلى اتخاذ خطوات أكثر ابتكاراً وتكيّفاً مع التطوّرات، فقد تضيع فرصة إيجاد حلول ناجعة لمواجهة العنف في سيناء.

عمرو نصر الدين طالب دكتوراه في جامعة أوسنابروك في ألمانيا.