تحضّ إسرائيل والولايات المتحدة مصر منذ سنوات على بذل مجهود أكبر لوقف التجارة غير الشرعية - بالأسلحة والصواريخ، بل أيضاً بالمحروقات والإسمنت والسلع الاستهلاكية - تحت الحدود الممتدّة على طول 14 كلم بين سيناء وغزة. وخلافاً لنظام الحليف المقرّب حسني مبارك، أظهرت الحكومات المصرية اللاحقة استعداداً أكبر لإغلاق الأنفاق. في الحقيقة، القرار المصري بالتحرّك في موضوع الأنفاق ليس مدفوعاً بالسعي إلى الحفاظ على الأمن على طول الحدود الإسرائيلية، بل تحرّكه الظروف المتغيِّرة التي أظهرت بوضوح تام للقادة العسكريين المصريين أن الأنفاق باتت تشكّل تهديداً مباشراً للاستقرار الوطني في البلاد.

بعد المجزرة التي أودت بحياة 16 جندياً مصرياً في سيناء في آب/أغسطس 2012، أدركت مؤسّسة الأمن القومي المصرية أنه يمكن أن يتدفّق المقاتلون والأسلحة في الاتّجاهَين. ومنذ حزيران/يونيو 2013، أي في المرحلة التي سبقت مباشرة عزل الرئيس محمد مرسي في القاهرة، يشنّ الجيش المصري عمليته الأكثر فعالية حتى تاريخه ضد شبكة الأنفاق.

إلا أنه ليس واضحاً إلى متى ستنجح مصر في الإبقاء على الأنفاق مغلقة. فضلاً عن ذلك، ليس هناك مايشير إلى أن القاهرة تدرس خيارات في السياسات تتيح لها إبقاء الأنفاق مغلقة في المدى الطويل بعد انسحاب الجيش من المنطقة الحدودية.

طرحت الأنفاق التي تُستخدَم في التهريب مشكلة من جديد في العام 2005 عندما انسحبت القوات الإسرائيلية من غزة؛ وقد توسّع التهريب إلى حد كبير بعد سيطرة حركة حماس على القطاع في العام 2007، واعتماد إسرائيل سياسة تقييد الاستيراد والتصدير. بيد أن كمية الأسلحة المهرَّبة وإمكاناتها وقدرتها على الفتك ازدادت بعد الانتفاضات العربية، بفضل استيراد صواريخ "فجر 5" من إيران أو نظم الدفاع الجوي المحمولة على الكتف، وسواها من النظم المضادة للطائرات من ليبيا. 

بعد هجوم آب/أغسطس 2012، باشرت القوات المسلحة المصرية بذل جهود لإغلاق أو تدمير الأنفاق تحت الحدود مع غزة في إطار "عملية النسر" التي انطلقت عام 2011 بهدف التصدّي للتهديد الجهادي السلفي في سيناء. إلا أن الوسائل التي استُخدِمت لم تمارس تأثيراً كبيراً على التهريب، واستمرّت التجارة غير الشرعية بصورة طبيعية. فمن أصل حوالى 250 نفقاً عمدت مصر إلى طمرها أو تدميرها، عاود أكثر من النصف العمل بعد وقت قصير من مغادرة الجيش المكان.

ولم تمضِ بضعة أشهر حتى استنتج القادة المصريون أن الأنفاق تشكّل تهديداً للأمن القومي وللاستقرار في سيناء. ربما كان الجيش والاستخبارات والقادة السياسيون في مصر مستعدّين للتعامي عن تهريب الفلسطينيين للغذاء والمحروقات ومواد البناء، مع تقبّل تهريب الأسلحة أيضاً من حين إلى آخر. لكن المجازفة بالأمن المصري مسألة مختلفة. ففي تلك المرحلة قال عصام الحداد، أحد كبار مستشاري مرسي والقيادي في جماعة الإخوان المسلمين: "لانريد أن تُستخدَم هذه الأنفاق لتهريب الأشخاص أو الأسلحة بطريقة غير شرعية بما يمكن أن يلحق الضرر بالأمن المصري".

انطلاقاً من هذا الإدراك الجديد، عملت مصر على تعزيز جهودها. فقد ورد في تقرير إسرائيلي صادر في كانون الثاني/يناير 2013 أن "الإمكانات التكنولوجية الأميركية التي وُضِعت في تصرّف مصر... والتعاون الاستخباراتي" أتاحا للسلطات المصرية منع "تهريب الأسلحة إلى غزة على نطاق واسع". فضلاً عن القيود التي فُرِضَت لكبح التهريب، انطلقت الإجراءات المصرية لتدمير الأنفاق جدّياً في شباط/فبراير 2013. وعلى النقيض من الجهود السابقة التي أمكن إفشال مفاعيلها بسهولة، عمد المصريون اعتباراً من شباط/فبراير إلى إغراق الأنفاق بالمياه، ما أدّى إلى تدهور بنيتها وثباتها.

وإلى جانب اتّخاذ إجراءات في الجهة المصرية من الحدود، استخدمت مصر أيضاً تأثيرها على حركة حماس لتشجيعها على التحرّك داخل غزة. فعلى سبيل المثال، بعد الهجوم على الجنود المصريين في آب/أغسطس 2012 - وعلى الرغم من زعم حماس أنه ليس للأمر أي علاقة بغزة - استطاعت مصر أن تفرض على الحركة إغلاقاً فورياً للفتحات في جهتها من الأنفاق. واتّخذت حماس تدابير مماثلة أيضاً بعد خطف عناصر من القوى الأمنية المصرية في أيار/مايو 2013، فأعلنت المنطقة الحدودية بكاملها "منطقة عسكرية مغلقة".

وفي الشهر الذي سبق عزل مرسي، عمدت القوات المصرية من جديد إلى توسيع نطاق حملتها ضد أنفاق غزة. وفي هذا الإطار، تراجعت كمية المحروقات التي دخلت غزة عن طريق الأنفاق في الأسبوع الأخير من حزيران/يونيو 2013، إلى حوالى 10 في المئة من الكمية التي دخلت في مطلع الشهر. وقد أورد مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية أنها "الكمّيات الأدنى التي تُسجَّل منذ آب/أغسطس 2012". وكان هذا دليلاً على أن القوات المصرية تملك فعلاً القدرة على إغلاق الأنفاق، وأن ماكان ينقصها هو الإرادة للتحرّك، إذ لم يكن يُنظَر إلى هذه الخطوات في السابق بأنها تساهم في حماية سيادة مصر واستقرارها.

في الأسبوع الأول من تموز/يوليو الماضي، عندما عزل الجيش مرسي عن السلطة، أشارت تقديرات مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية إلى أن عدد الأنفاق العاملة لم يكن يتعدّى العشرة. وفي نهاية آب/أغسطس الماضي، قال رائد فتوح، رئيس لجنة تنسيق إدخال البضائع لقطاع غزة التابعة للسلطة الفلسطينية، إن أنفاق غزة تعمل بنسبة 30 في المئة فقط من إمكاناتها. لكن على الرغم من هذا التساهل البسيط، لم تستعد الأنفاق حركتها كما في حقبة مبارك.

كما أن الجهود التي تُبذَل لمكافحة عمليات التهريب بعد عزل مرسي هي الأكثر استدامة حتى تاريخه. تتراوح التقديرات حول عدد الأنفاق العاملة في حزيران/يونيو 2013، أي قبل حملة التضييق الأخيرة، من أقل من 100 إلى 220 أو حتى مايقارب الـ300. أما في أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، فكانت نحو عشرة أنفاق فقط مفتوحة. ووفقاً لتقرير آخر، كانت المحروقات لاتزال تُهرَّب عبر الأنفاق المفتوحة - بأقل من نصف الكمية التي كانت تُهرَّب بها في مطلع 2013 - لكن لاستخدامها حصراً في محطة الكهرباء في غزة. وفي أواخر أيلول/سبتمبر الماضي، قال المتحدّث باسم القوات المسلحة المصرية إن مصر دمّرت فعالية شبكة الأنفاق. وأعلن الجيش المصري أيضاً أنه سينشئ "منطقة عازلة" على طول الحدود في سيناء.

بيد أن تدمير الأنفاق يقتضي مجهوداً مستمراً. في وقت سابق من الشهر الجاري، أعلن الجيش المصري أنه دمّر نحو 800 نفق في العام 2013. لكن في كانون الثاني/يناير 2013 أشار محمد صبري، وهو صحافي مصري متخصّص في شؤون سيناء، إلى أن هناك نحو 250 نفقاً قيد العمل، مايعني أن القوات المصرية تغلق باستمرار الأنفاق نفسها. صحيح أن الإجراءات التي يتخذها الجيش المصري ترتدي فعالية كبيرة في المدى القصير، إلا أن الطلب الاستهلاكي والإنساني داخل غزة يؤدّي حكماً إلى استنئاف التجارة عبر الأنفاق ما إن تنسحب القوات المصرية. كما أن النشاط المصري المنتظم على الحدود مع غزة يثير قلق إسرائيل التي لطالما أفادت من استخدام سيناء منطقة عازلة بين قواتها والقوات المصرية. على مصر وإسرائيل - التي توافق على أي انتشار للقوات المصرية يتخطّى القيود المفروضة في معاهدة السلام بين البلدَين - أن تقرّرا ما إذا كانت هذه العمليات تساهم في حلّ المسألة في المدى الطويل، أم أن تنظرا في خيارات أخرى للحدّ من حجم شبكة الأنفاق مع قطاع غزة.

يبدو أن مصر وإسرائيل تتفقان وأخيراً على الحاجة إلى إغلاق أنفاق غزة. ولذلك، عليهما أن تُحدّدا معاً السبيل الأفضل لرفع هذا التحدّي.

زاك غولد محلّل لشؤون الشرق الأوسط مقيم في واشنطن، ومؤلّف الورقة التحليلية عن مركز سابان في معهد بروكينغز بعنوان "أمن سيناء: فرص التعاون الصعب بين مصر وإسرائيل وحماس".

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.