جاين كينينمونت باحثة في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شاذام هاوس.

لاتجد البحرين مكاناً لها في الأنباء الدولية في الأشهر الأخيرة، مع طغيان أخبار النزاع في سوريا ومصر وليبيا على التطوّرات. إلا أنه ينبغي على صانعي السياسات الغربيين أن يُعيروا اهتماماً لتدهورها السياسي البطيء، وذلك لسببَين اثنين. الأول هو أن البحرين حليف مقرّب للولايات المتحدة والمملكة المتحدة. ومما لاشك فيه - سواء كان ذلك عادلاً أم لا - أن شريحة واسعة من الرأي العام المحلي والإقليمي على السواء ستُحمِّل هاتين القوّتين الخارجيتين مسؤولية الإخفاقات المستمرة في معالجة الأزمة السياسية. والسبب الثاني هو أننا لسنا أمام لغز محيّر آخر من ألغاز الشرق الأوسط السياسية؛ إذ إنه ليس من الصعب تخيّل الخطوط العريضة لتسوية محتملة من أجل تقاسم السلطة. فالحزب المعارض الأساسي يطالب بملَكية دستورية، ويقول الإصلاحيون في الحكومة إن هذا مايريدونه أيضاً. ثمة خيارات كثيرة لتلبية المطالب التي ترفعها المعارضة منذ عقود من أجل الحصول على تمثيل أوسع نطاقاً والحدّ من التمييز، من دون أن يُسجّل أي من الفريقَين السنّي أو الشيعي انتصاراً على حساب الآخر. يمكن تهدئة المخاوف التي تراود عدداً كبيراً من البحرينيين السنّة - ويؤجّجها المشهد العراقي - من أن الانتخابات قد تقود إلى "استبداد الأكثرية" التي يسيطر عليها الأئمّة الشيعة، عبر فرض الضوابط والتوازنات اللازمة على السلطة التنفيذية، بدلاً من إذكاء هذه المخاوف عن سابق تصوّر وتصميم بواسطة البروباغندا الرسمية، كما يحصل الآن. السبب الحقيقي وراء الفشل في التوصّل إلى تسوية سياسية ليس تعذُّر إيجاد حل، بل غياب الإرادة السياسية.

بدا في مطلع هذا العام أن هناك مايدعو إلى التفاؤل الحذِر بإمكانية التوصّل إلى حل سياسي، بعد الجمود الذي شلّ طيلة عامَين العملية السياسية الرسمية (خلافاً للحراك الناشط على مستوى القواعد الشعبية). فقد أُطلِق حوار سياسي رسمي في شباط/فبراير الماضي، شاركت فيه جمعية الوفاق، وهي المجموعة المعارضة الأساسية الحائزة على ترخيص في البلاد. كان الحوار بطيئاً، ومتعثِّراً، وخاضعاً لسيطرة الحكومة، ولم تنضم إليه سوى مجموعة محدودة من الأفرقاء الذين قبِلت بهم الحكومة؛ وقد غرقت المباحثات في النقاش حول المنهجية، من دون تحقيق تقدّم يُذكَر في المسائل الجوهرية. بيد أن وجود مثل هذه العملية شكّل على الأقل إقراراً بحاجة البلاد إلى حل سياسي، وليس فقط إلى مقاربة أمنية الطابع لمعالجة الاحتجاجات. وبدا أيضاً أن تعيين ولي العهد في منصب نائب رئيس الوزراء - وبالتالي منحه دوراً تنفيذياً رسمياً - يساهم في تعزيز مكانة أحد أفراد الجيل الشاب في الأسرة المالكة، وهو ممّن يُبدون استعداداً للحوار مع الأفرقاء المحليين الذين يقفون خلف الاحتجاجات. ومن المؤشّرات المشجّعة الأخرى التقارير الدبلوماسية التي تحدّثت عن رغبة السعودية والإمارات في التوصّل إلى حل سياسي في البحرين. صحيح أن السعودية قد تفرض سقفاً معيّناً على مستوى التغيير السياسي، إلا أن هذه النقطة لم تُدرَس في شكل وافٍ ولايُعرَف ماهو حجم التغيير الذي يمكن أن تقبل به السعودية في البحرين. وهكذا يُبالغ المحافظون البحرينيون أحياناً في تصوير دورها، في مسعى منهم لتبرير سلوكهم.

لكن بعد انقضاء بضعة أشهر، توقّف الزخم. فأخذ الحوار استراحة صيفية طويلة. وفي الفترة نفسها، تقدّم إلى الواجهة الفصيل المحافظ في الحكومة الذي يُركّز على المقاربة الأمنية، لأسباب عدّة أبرزها انفجار ثلاث سيارات مفخّخة لم تسفر عن سقوط قتلى إنما أثارت مخاوف لدى شرائح واسعة. واعتبر البرلمان الذي تقاطعه المعارضة، أنه يجب أن تتمتّع السلطات بصلاحيات أكبر لمكافحة الإرهاب - الذي تطلق عليه السلطات البحرينية تعريفاً واسعاً يتناسب مع مصالحها. فعندما وجّهت المجموعات المعارضة دعوةً للتظاهر في ذكرى الاستقلال، في 14 آب/أغسطس الماضي، اعتُقِل مئات الأشخاص بتهم متّصلة بالإرهاب، بينهم خليل المرزوق النائب السابق والقيادي البارز في جمعية الوفاق. قبل أزمة 2011، كان الوفاق يمتلك الكتلة الأكبر في البرلمان، مع 17 مقعداً من أصل 40 نائباً منتخباً. أما اليوم، فأربعة من هؤلاء النواب في المنفى، وسُحِبت الجنسية من اثنين آخرين. تُقاطع جمعية الوفاق الآن الحوار والبرلمان على السواء. إذاً مع الجمود في الآليات السياسية الرسمية، تستمر الخلافات السياسية في التفاعل في الشارع البحريني.