يشكّل الوضع الاقتصادي المقلق واحداً من أصعب التحدّيات التي سيواجهها الرئيس المصري المقبل. ويتوقّف النجاح أو الفشل في هذا المجال على الإجابة عن الأسئلة الآتية: من أين نبدأ؟ ماذا يجب أن نفعل؟ وكيف نفعل ذلك؟ لكن تطرح مسألتان اقتصاديتان على وجه الخصوص التحدّي الأكبر الذي سيصطدم به الرئيس: إرساء الاستقرار في الاقتصاد الكلي، وتلبية احتياجات الشعب المصري على مستويَي الوظائف وتحسين الظروف المعيشية.

تعاني مصر الآن حالةً من الإنهاك المالي. فالعجز المالي والدين العام يسجّلان ارتفاعاً شديداً منذ ثلاث سنوات، مع اقتراب العجز المالي من نسبة 14 في المئة من إجمالي الناتج المحلي، فيما تناهز نسبة الدين العام المئة في المئة. وقد تسبّب الاقتراض الداخلي المستمر لتمويل العجز المتنامي بانكشاف القطاع المصرفي المتزايد على الديون الحكومية، وقطع الطريق على الاستثمارات الخاصة، وتباطؤ النمو الاقتصادي الذي يبلغ اثنين في المئة في السنة، أي بالكاد يزيد عن نسبة النمو السكاني التي تصل إلى 1.7 في المئة. وولّد تراجع العائدات بالدولار الأميركي من السياحة والاستثمارات الخارجية، صعوبات في ميزان المدفوعات أدّت إلى استنفاد الاحتياطي بالعملات الأجنبية وإضعاف العملة الوطنية. وفي نهاية المطاف، أدّت هذه الاختلالات في التوازن إلى ارتفاع معدّلات البطالة والتضخّم، وجمود في الدخل الفردي.

حاولت مصر، ثلاث مرّات منذ كانون الثاني/يناير 2011، التفاوض على اتفاق مع صندوق النقد الدولي لتثبيت اقتصادها المتعثّر. لكن، في كل مرة كانت المحادثات تُعلَّق قبل التوصّل إلى نتيجة، ولاسيما خوفاً من التداعيات التي يمكن أن تترتّب على المناخ السياسي-الاجتماعي الهش في الداخل، في حال تطبيق برنامج مدعوم من صندوق النقد الدولي. وقد أمّنت المساعدات الخليجية التي أُرسِلت إبّان عزل الرئيس الإسلامي محمد مرسي من السلطة الصيف الماضي، متنفّساً مالياً ضرورياً جداً في المدى القصير. لكن من غير المتوقّع أن يستمر هذا الإنقاذ السخي لفترة طويلة، كما أوضح مسؤولون كبار في الخليج مراراً وتكراراً.

إذاً يبدو مشهد الاقتصاد الكلي، على ضوء ما آلت إليه الأمور، قاتماً في الوقت الحالي، وفي غياب إجراءات إصلاحية عاجلة، يمكن أن يزداد الوضع المالي سوءاً، بحسب توقّعات صندوق النقد الدولي ووزارة المالية المصرية. وهكذا قد تجد مصر نفسها في حاجة إلى صندوق النقد الدولي من جديد، وتحديداً إلى أموال الصندوق وخبرته التقنية، وإلى الأموال الدولية التي يمكن أن تحصل عليها بعد توقيع اتفاق مع الصندوق. يبقى على القيادة المصرية العتيدة أن تقرّر، هل سيحدث هذا في القريب العاجل، وبأي شروط، ومقابل أي كلفة اجتماعية؟

من المسائل الضاغطة الأخرى التي سيواجهها الرئيس الجديد معالجة الفقر المستشري في البلاد وارتفاع مستويات البطالة لدى الشباب. كانت هاتان المشكلتان المتفجّرتان اجتماعياً من المحرّكات الأساسية التي أشعلت شرارة الثورة الشعبية ضد نظام مبارك في مطلع العام 2011، وقد تفاقمتا خلال الأعوام الثلاثة الماضية.

يعيش أكثر من ربع المصريين (26.3 في المئة) دون خط الفقر، أي بدولارَين في اليوم، فيما يعيش الربع عند حدود الفقر. أما السياسات الحكومية التي أمّنت طيلة عقود الحماية للفقراء، من خلال الدعم الحكومي المعمّم للمواد الغذائية والمرافق العامة والخدمات التعليمية والصحية المجانية والمساكن المنخفضة الكلفة، فقد تبيّن، مع مرور الوقت، أنها مكلفة وغير فعّالة. والأهم من ذلك، لم تعد الموارد المالية متوافرة لتمويل هذا الدعم. الأسوأ هو أن معدلات النمو الاقتصادي المرتفعة التي سُجِّلت خلال مرحلة كبيرة من العقد الأخير من حكم مبارك، وبلغت ستة في المئة في السنة، لم تفشل وحسب في تحقيق "أثر انتشاري" يعود بالفائدة على الجميع ويساهم في إخراج الناس من حالة العوز، بل ارتبطت في الواقع بحدوث زيادة في معدلات الفقر في البلاد (من 16.7 في المئة في العام 2000 إلى 25.2 في المئة في العام 2011). وهكذا، ازداد اعتماد الفقراء على المساعدات الحكومية من أجل البقاء، ما ألقى مزيداً من الضغوط على موازنة الدولة.

إزاء تفشّي الفقر وغياب الشبكات الاجتماعية الفعّالة، سيواجه الرئيس المصري المقبل تحدّي إعادة إرساء التوازن في الاقتصاد الكلي، مايقتضي بالضرورة تطبيق إجراءات تقشّفية من دون التسبّب باندلاع اضطرابات في الشارع في حال اعتبر الفقراء المصريون، صواباً أو خطأً، أنها تلقي أعباء إضافية على حياتهم اليومية التي ترزح أصلاً تحت وطأة ضغوط شديدة.

ويطرح ارتفاع مستويات البطالة لدى الشباب تحدّياً خطيراً آخر على الرئيس الجديد. يبلغ معدل البطالة العام في مصر حالياً 13.4 في المئة؛ ونسبة 70 في المئة تقريباً من العاطلين عن العمل تتراوح أعمارهم من 15 إلى 29 عاماً، كما أن أكثر من 80 في المئة هم من ذوي التحصيل العلمي. ينضم أكثر من سبعمئة ألف شاب مصري سنوياً إلى سوق العمل للمرة الأولى، مايزيد من حدّة المشكلة. ومع التضخّم الشديد في أعداد الموظفين في القطاع الحكومي الذي لم يعد يؤمّن تلقائياً وظائف للخرّيجين الجامعيين (طبّقت الدولة هذه السياسة من الستينيات إلى التسعينيات)، وغياب الديناميكية في القطاع الخاص الذي يعمل أكثر فأكثر في أجواء شديدة الإشكالية، لم يبقَ من خيار أمام معظم الشباب المصريين الباحثين عن عمل سوى الانخراط في القطاع غير النظامي، حيث تتّصف الوظائف إلى حد كبير بتدنّي الأجور والجودة، ولاتترافق مع منافع أو فرص لتحقيق تقدّم في المسيرة المهنية.

من شأن هذه التداعيات السياسية-الاجتماعية المترتّبة عن إقصاء الشباب المستمر من الاقتصاد النظامي أن تتسبّب بإطالة أمد اللا استقرار الذي تعاني منه البلاد حالياً. وهكذا تكتسب السياسات والبرامج الهادفة إلى توليد وظائف للشباب في المدى القصير طابعاً ملحّاً. بيد أن استحداث وظائف منتجة ومستدامة في المدى المتوسط كما في المدى الطويل، يتطلّب التزاماً سياسياً راسخاً من القيادة المصرية الجديدة للشروع في تنفيذ الإصلاحات البنيوية المطلوبة من أجل توليد ظروف متكافئة للأعمال والشركات وتحرير طاقات القطاع الخاص. سيواجه الرئيس المنتخب تحدّي تطبيق هذه الإصلاحات بوجود مجموعات نافذة سياسياً وذات مصالح واسعة في قطاع الأعمال، من شأنها إما أن تقاوم الإصلاحات، وإما أن تحرص، في حال تطبيقها، على استغلالها لمصلحتها مع إقصاء الآخرين ومنعهم من الإفادة منها.

إذاً هذه هي المشاكل الاقتصادية الأبرز التي سيواجهها الرئيس المصري العتيد لدى تسلّمه منصبه في مطلع الشهر المقبل. لن تكون معالجتها سهلة، لكنها ليست مستحيلة. يسود اعتقاد قوي حالياً في أوساط صانعي السياسات المصريين، وخارج الحكومة أيضاً، بأن الإصلاحات المالية (لاسيما إصلاح الدعم الحكومي لقطاع الطاقة، إلى جانب توسيع القاعدة الضريبية) هي السبيل الوحيد للخروج من المتاعب الاقتصادية المتفاقمة. يحذّر المراقبون الدوليون بدورهم من مغبّة حدوث أزمات في حال أُرجئ تطبيق الإجراءات الإصلاحية. إذا طُبِّقت الإصلاحات، ولم تحدث مفاجآت غير مستحبّة، يتوقّع صندوق النقد الدولي أن يتراوح النمو الاقتصادي من 4 إلى 4.5 في المئة في السنة. قد لاتكون هذه النسبة كافية لإحداث فارق حقيقي في الفقر وبطالة الشباب، إلا أنها تكفي لوضع الاقتصاد على طريق التعافي.

لكن لابد من التنبيه إلى مسألة أساسية. لقد أظهرت التجربة في العالم العربي وأماكن أخرى أن الطريقة التي يتحقّق بها النمو وكذلك مصدره، مهمّان بقدر أرقام النمو بحد ذاتها، لابل قد يكونان أكثر أهمية منها. فمعدّلات النمو المرتفعة لاتُترجَم تلقائياً زيادة في مداخيل الفقراء أو في استحداث الوظائف للعاطلين عن العمل. هذا هو الدرس الواضح الذي نستمدّه من "نموذج النمو السريع" الذي اتّبعته مصر خلال العقد الأخير من رئاسة مبارك. لذلك، من الأجدى بالرئيس المصري العتيد أن يُبقي هذا الدرس المهم في السياسة نصب عينَيه لدى البحث عن الاستراتيجية المناسبة للنمو الاقتصادي بهدف رفع التحدّيات الهائلة التي تواجهها بلاده.

محمد السمهوري خبير اقتصادي مقيم في القاهرة، كان سابقاً باحثاً ومحاضراً في مركز كراون لدراسات الشرق الأوسط في جامعة برانديس في بوسطن. يساهم بانتظام في نشرة صدى.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية

* تصحيح: ذكرت النسخة السابقة خاطئاً أن "نموذج النمو السريع" كان خلال رئاسة مرسي.