مهى يحيَ، باحثة كبيرة في مركز كارنيغي للشرق الأوسط.

المخاوف التي أثارتها أحداث عرسال لدى الرأي العام اللبناني ولّدت مناخاً اجتماعياً مناوئاً للمهجرين السوريين يزيد من تعقيدات المشاكل الأمنية التي يعاني منها لبنان. وقد أحدث قطع رؤوس ثلاثة جنود لبنانيين من قبل تنظيم داعش وجبهة النصرة في الأسابيع القليلة الماضية، صدمة عارمة لدى اللبنانيين في كل أنحاء البلاد. وجاءت هذه التطورات في أعقاب مواجهة عنيفة بين الجيش اللبناني والمقاتلين الإسلاميين في بلدة عرسال الحدودية، ما أثار مخاوف من تورّط الجيش اللبناني أكثر فأكثر في النزاع السوري. وكانت ردود فعل الرأي العام عبارة عن خليط من الدعم الوطني الشديد للجيش، والدعم المتزايد لحزب الله باعتباره المجموعة الوحيدة التي تملك خبرة عسكرية وقتالية للدفاع عن البلاد، ومشاعر معادية تجاه اللاجئين السوريين. 

رداً على النزاع في عرسال وما أعقبه من تطورات، تعرّض اللاجئون السوريون في مختلف الأراضي اللبنانية لهجمات سافرة وغير مبررة ازدادت وتيرتها وحجمها وسط لامبالاة رسمية. والأخطر من ذلك، باتت هذه الأجواء معمّمة في جميع الأراضي اللبنانية وصولاً إلى مناطق كان السوريون يلقون ترحيباً فيها من قبل. فعلى سبيل المثال، تضمّنت رسالة وُجِّهت مؤخراً إلى اللاجئين السوريين في بعلبك تحذيراً لهم من أنهم سيتعرّضون للخطف والضرب إذا لم يرحلوا. أدان عدد من الزعماء السياسيين اللبنانيين، منهم وليد جنبلاط، رئيس الحزب التقدمي الاشتراكي، وحسن نصرالله، أمين عام حزب الله، هذه الهجمات، لكن هذه الأصوات تُحجَب خلف مشهد طاغي يُصوّر اللاجئين السوريين على أنهم يشكّلون تهديداً أمنياً وعبئاً لا تستطيع البلاد تحمّله. حتى إن بعضهم ذهب إلى حد الزعم بأن "كل تجمّع للسوريين هو خلية نائمة".

لم تقتصر الهجمات التي استهدفت السوريين، على أفراد أو مجموعات يتم اختيارهم بصورة عشوائية. خلال الأسبوع الماضي، جرى تداول صور عبر مواقع التواصل الاجتماعي يظهر فيها ضباط من الجيش اللبناني يقفون أمام أعداد كبيرة من اللاجئين السوريين المنبطحين ووجوههم نحو الأرض على طريق رملي، على مقربة أحياناً من الخيم المشتعلة التي كانت تؤويهم. وقد تأرجحت ردود الفعل المحلية على هذه الصور بين الدعم التام للجيش وإدانة الاعتقال الاعتباطي والمعاملة السيئة للاجئين لمجرد أنهم سوريون. وخير مثال على الدعم للجيش يظهر في التعليق الذي نشرته المغنية المعروفة تانيا صالح على صفحتها على موقع فايسبوك: "إيدنا بصباطك [بجزمتك]"، ما أثار عاصفة من الانتقادات الساخرة التي استهدفتها. وكذلك انتقد عدد كبير من الصحافيين والناشطين تصرّفات الجيش تجاه اللاجئين، معاتبين إياه على تصرّفه كالميليشيات أكثر منه كمؤسسة من مؤسسات الدولة. وقد تعرّض هؤلاء الناشطون بدورهم للهجوم عبر مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مشاعرهم "غير الوطنية" في خضم أزمة وطنية.

أثارت ممارسات "داعش" مخاوف وجودية لدى عدد كبير من اللبنانيين، لاسيما المسيحيين منهم الذين يخشون على أمانهم في حال أصبح للتنظيم موطئ قدم دائم في لبنان. وقد اتّخذت بعض البلدات، ومنها البترون، إجراءات بنفسها لفرض الأمن الذاتي.

هذا النمط من التعامل مع النازحين السوريين والتي تُقدَّم تحت عنوان مكافحة الإرهاب، تُعرِّض الآف منهم للخطر وقد يدفع بجزء منهم خصوصاً الشباب نحو التطرف. وقد بات واضحاً أن البعض من الشباب في لبنان قد يجنح نحو التشدّد، على ضوء التقارير التي تتحدّث عن كتابات مؤيدة لداعش على الجدران وعن رفع أعلام التنظيم في مناطق مختلفة. إذا لم يتم التراجع عن الرواية السائدة والتي تصوّر جميع النازحون السوريين بأنهم أعداء للبنان وللبنانيين، قد يدفع ذلك بجزء من اللاجئين إلى أحضان المجموعات المتطرفة. ونظراً إلى المأزق السياسي في البلاد، يقع على عاتق اللبنانيين جميعاً مكافحة هذه الأفكار النمطية من أسفل الهرم إلى رأسه - كي يتمكّن لبنان من التركيز على القضاء على المخاطر الحقيقية التي تُهدّد أمنه.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.