اتّخذت المعارضة البحرينية قرارها بمقاطعة الانتخابات البرلمانية المزمع إجراؤها في 22 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري، انطلاقاً من اعتبارها بأن هيكليات السلطة، بما في ذلك البرلمان والآلية الانتخابية، هي التي تقع في صلب الخلافات السياسية التي تعاني منها البلاد منذ وقت طويل. لقد سعت التيارات المعارضة طيلة عقود إلى فرض ضوابط على سلطة النظام الملَكي وانتزاع مزيد من الصلاحيات للنوّاب المنتخبين. أما الحكومة من جهتها فتأمل بأن تتمكّن، من خلال توفير مساحة حيث يستطيع النواب المنتخَبون التأثير في التشريع، من احتواء المطالبات بتغيير سياسي أكثر جذرية. بيد أن تركيبة البرلمان الحالية تفتقر إلى المصداقية لدى شريحة واسعة من السكان - لابل على الأرجح أكثريتهم. ولذلك غالب الظن أن الانتخابات المقبلة ستثير مزيداً من الاحتجاجات المعارِضة بدلاً من أن تشكّل وسيلة لتوجيه الحراك المعارِض واحتوائه.

آخر انتفاضة شهدتها البحرين كانت في التسعينيات عندما طالبت حركة احتجاجية واسعة النطاق النظام الحاكِم بإعادة العمل بالبرلمان الذي أنشئ بعد الاستقلال، تحديداً في العام 1973، ولم يُعمِّر طويلاً إذ حُلَّ بعد عامَين. وقد عمد الملك حمد بن عيسى آل خليفة إلى تعديل الدستور في العام 2002 بما يتيح لجم صلاحيات النواب المنتخبين من خلال قيامه مباشرةً بتعيين عدد موازٍ من النواب. وقد أدّى التلاعب الانتخابي والدعم غير الرسمي الذي قدّمه النظام لبعض المرشّحين المستقلين بالاسم فقط، إلى ضمان وصول أكثرية موالية للنظام حتى بين الأعضاء المنتخَبين. بعد عقدَين من الزمن - بوجود برلمان أقل نفوذاً من مجلس 1973 ووسط تصاعد حدّة التشنّجات - تعتبر المعارضة أن المشاركة في الانتخابات البرلمانية المقبلة تشكّل تنازلاً كبيراً من جانبها، وقد ارتأت أن الأمر لايستحق العناء في غياب تنازلات مماثلة من قبل الحكومة.

لقد جرّبت جمعية الوفاق الوطني الإسلامية التي تُعتبَر الحركة المعارضة الأبرز في البلاد، والعديد من المجموعات المعارِضة الأخرى، مقاطعة الانتخابات التشريعية في العام 2002، ثم جرّبت أيضاً المشاركة فيها في العامَين 2006 و2010. لكن كلا المقاربتين لم تساهما في تحقيق تغيير سياسي أساسي، مقارنةً بالآثار الأكثر دراماتيكية للتوريث السياسي في العام 1999 أو الانتفاضة الجماهيرية في العام 2011. تسعى مجموعات المعارضة البحرينية خلف شيء مختلف يمكن أن يؤدّي من جديد إلى تغيير قواعد اللعبة وإنهاء المأزق السياسي، سواء من خلال عملية انتقالية تتم عن طريق التفاوض (والتي يُحتمَل أن تؤدّي إلى صعود نفوذ ولي العهد وإضعاف أصحاب السلطة الأكثر محافظية في الأسرة الحاكمة)، أو تغيير حاسم في السياسة الدولية حيال البحرين، أو انتفاضة ثورية داخلية.

بيد أن ولي العهد الأمير سلمان بن حمد بن عيسى آل خليفة وأنصاره يحضّون المعارضة على التقيّد بقواعد اللعبة الحالية. فهم يعتبرون أن مجلس النواب هو الهيئة الشرعية المخوَّلة التفاوض مع الحكومة حول الإصلاحات السياسية، وأنه سيكون بالإمكان توسيع صلاحياتها من الداخل بصورة تدريجية. على سبيل المثال، في أيار/مايو 2013، جرى تعديل الدستور بما يُجيز لمجلس النواب طرح الثقة بالحكومة (مع العلم بأنه لايزال غير قادر على سحب الثقة من رئيس الوزراء أو استجوابه).

لكن المعارضة تعتبر أن هذه التغييرات عديمة الجدوى، وأن الطريقة التي صُمِّمت بها المنظومة تجعل من المستحيل تغييرها من الداخل. واقع الحال هو أن طبيعة النظام السياسي تضمن سيطرة السلطة التنفيذية على مقاليد الحكم. فالملك يتولّى تعيين جميع الوزراء، وفي هذا الإطار يعهد بالحقائب الوزارية الأهم إلى أفراد من أسرته، كما أنه يُعيّن مجلس الشورى (الذي يملك أعضاؤه الأربعون ثقلاً موازياً للنواب المنتخبين وعددهم أيضاً 40)، والقضاة. من المستبعد أن يتخلّى الملك تدريجاً عن سلطاته.

في النصف الأول من العام الجاري، عقد ولي العهد اجتماعات مع كل المجموعات السياسية في البحرين، المعارِضة والموالية للنظام على السواء، من أجل مناقشة مطالبها الإصلاحية. لكن التضارب في التوقعات كان كبيراً جداً. ففي أيلول/سبتمبر الماضي، أعلن ولي العهد عن "إطار عمل للحوار" حدّد من خلاله خمسة مجالات للإصلاح الواسع النطاق كي تتم مناقشتها في البرلمان العتيد. وقد اعتبر أنصاره أن هذا الإطار هو بمثابة تعهّد خطي بأن التغييرات ستحصل حكماً. لكن جمعية الوفاق أرادت شيئاً أكثر موثوقية من تعهّد ملَكي كي تقدّمه لقواعدها الناخبة، ولاسيما ضمانةً بأن مجلس النواب المنتخب سيتمكّن من إقرار التشريعات من دون أن يفرض مجلس الشورى المعيَّن فيتو عليها. بيد أن ولي العهد وأنصاره يعتبرون أنهم أجروا إصلاحات سخية، لاسيما بالمقارنة مع السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر في الجوار.

وساهمت عوامل أخرى أيضاً في تقويض ثقة المعارضة بالإصلاحات. ففي تشرين الأول/أكتوبر الماضي، سعت وزارة العدل إلى حظر جمعية الوفاق على خلفية اعتبارات تقنية، لكنها عدلت عن قرارها، تحت تأثير الضغوط الدولية على الأرجح. وعلى الرغم من أن الوفاق استمر في المشاركة في المجالس البلدية بعد الخروج من مجلس النواب في العام 2011، عمد البرلمان (الخالي حالياً من المعارضة) في الصيف المنصرم إلى حل المجلس البلدي في المنامة الذي يتألف بمعظمه من أعضاء في جمعية الوفاق، بعدما قرّرت السلطات أنه يخصّص وقتاً أطول من اللازم "للسياسة". وكذلك بعد الاستقالة من البرلمان في العام 2011، اعتُقِل بعض نواب الوفاق السابقين وسُجِنوا، وسُحِبت الجنسية من اثنين منهم.

يأمل الوفاق الآن بأن تُرغِم الضغوط الدولية الحكومة على إجراء إصلاحات أوسع نطاقاً. تشنّ الجمعية، إلى جانب مجموعات معارضة ومنظمات أهلية بحرينية أخرى، حملات مكثّفة لدى السلطات في واشنطن ولندن (حيث يعيش ثلاثة من نوابها السابقين في المنفى) وبروكسل ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف. وفي هذا الإطار، ترتدي الولايات المتحدة والمملكة المتحدة أهمية خاصة نظراً إلى الدور الذي تضطلعان به تقليدياً في ضمان أمن البحرين. لكن صنّاع السياسات الغربيين يشعرون بخيبة أمل لأن الوفاق لم يشارك في الانتخابات التي يعتبرون أنه كان من شأنها أن تمنح الجمعية على الأقل أدوات وحمايات مثل الحصانة النيابية والتواصل الروتيني مع الدبلوماسيين الأجانب، والتي كان بإمكانها استخدامها في حملتها الأوسع من أجل التغيير السياسي. في المقابل، طُرِد مساعد وزير الخارجية الأميركي طوم مالينوسكي من البحرين في تموز/يوليو الماضي بعد لقائه ممثّلين عن الوفاق وسواه من المجموعات المعارضة.

بيد أن الوفاق أولى مزيداً من الاهتمام لقاعدته الشعبية في الداخل، والتي يُرجَّح أن تظلّ مصدراً للاضطرابات والتململ. يمثّل الوفاق شريحة واسعة من الأكثرية الشيعية في البلاد، ويتحدّر أنصاره من مجموعة كبيرة من الخلفيات الاقتصادية والاجتماعية، بما في ذلك الأقلية الشيعية الثرية، إلا أنهم معرّضون بطريقة غير متكافئة للبطالة والتمييز والإقامة في مناطق ذات مستوى متدنٍّ من البنى التحتية. ينبع استياؤهم من الحكومة من التمييز الذي تعرّضوا له على امتداد تاريخهم، ومن شعورهم بالاضطهاد الذي يعود إلى ماقبل انتفاضة 2011، لكنه تفاقم بعد حملة القمع التي أعقبت الانتفاضة والتي استهدفت شيعة البحرين بطريقة تعسّفية عبر اعتقالهم وسجنهم وتعذيبهم وطردهم من وظائفهم. وقد شُنَّت حملة بروباغندا واسعة مدعومة من الدولة ضد الانتفاضة بغية تصوير المعارِضين الشيعة بأنهم عملاء إيرانيون خونة، ماأدّى إلى تعاظم الشعور لدى عدد كبير من شيعة البحرين بأن النظام يفترض تلقائياً أنهم خونة بسبب انتمائهم الديني.

يتسبّب هذا الخلاف السياسي المستفحل في الجنوح نحو التشدّد. يسعى الوفاق، وهو حركة إسلامية معتدلة، إلى الحصول على حصة أكبر من السلطة في ظل نظام ملكي دستوري. لكنه يواجه منذ العام 2011 منافسة من تيارات معارضة أكثر طموحاً تطالب بإطاحة النظام الملكي، ومنها ائتلاف شباب ثورة 14 شباط/فبراير (الذي تأسّس بعد انتفاضة 2011)، وحركتا حق ووفاء (اللتان تضمّان أعضاء كانوا ينتمون إلى جمعية الوفاق سابقاً وانسحبوا منها بعد مشاركتها لأول مرة في الانتخابات في العام 2006)، وحركة أحرار البحرين التي تتخذ من لندن مقراً لها، فضلاً عن مجموعات شبابية مجزّأة ومحلية الطابع تنظّم احتجاجات روتينة في القرى الشيعية. من الأسباب الأساسية خلف مقاطعة جمعية الوفاق للانتخابات الحفاظ على حد أدنى من الوحدة داخل المعارضة، وذلك خوفاً من خسارتها الدعم واستقطاب العداء المباشر من المجموعات الأخرى في حال انضمامها إلى البرلمان الخلافي، مع تنازلات ضئيلة أو من دون أية تنازلات مباشرة من الحكومة كي تتباهى بها. خلال العقد المنصرم، كان مصدر الانقسام الأساسي داخل المعارضة يتمحور حول ماإذا كان يجب التعاون مع السلطات أو مواجهتها. أما الآن، ومع مقاطعة الوفاق وسواها من المجموعات المعارِضة الانتخابات، فيبدو أنها تسلك مساراً أكثر صدامية في تعاطيها مع النظام.

جاين كينينمونت زميلة بحوث رفيعة المستوى في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في شاذام هاوس.

* تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.