فخرالدین اللواتي، باحث في المعهد التونسي للدراسات الاسرتاتيجية.

عيَن رئيس الجمهورية التونسية الباجي قائد السبسي "يوسف الشاهد" كرئيس لحكومة لما أُريد له أن يكون هذه المرًة توافق وطنيا حسب "وثيقة قرطاج" والتي وضعت على رأس أولوياتها كسب الحرب على الارهاب ومقاومة الفساد لتحقيق الاستقرار المنشود منذ ثورة 2011.

"ولاية" يوسف الشاهد كانت مسبوقة بوضع أمني حرج حيث شهدت سنة 2015 ثلاثة عمليات ارهابية كُبرى: هي حادثة متحف باردو في 18 آذار/مارس وهجوم على شاطئ سياحي بسوسة في 26 حزيران/يونيو، وتفجير حافلة للأمن الرئاسي بشارع محمد الخامس في 24 تشرين الثاني/نوفمبر. كما شهد تاريخ بداية 18 آذار/مارس 2016 هجوما على مدينة بن قردان الحدودية المحاذية للحدود الليبية، اضافة الى الاحتجاجات والاضرابات اليومية وشبح عودة المقاتلين التونسيين من بؤر الاقتتال والذي تجاوز عددهم ثلاثة آلاف مقاتل حسب الاحصائيات الرسمية التونسية بينما تجاوز عدد الذين تمً منعُهم من الالتحاق بالقتال 30 ألفا. هذا الوضع الداخلي يزيدهُ التأمل في التطورات الأمنية للمنطقة عُموما وللجار الليبي خُصوصا توترا وتشنُجا.

هذا المشهدُ فرض على حكومة يوسف الشاهد التسريع في وضع استراتيجية شاملة للأمن والدفاع تحمي تونس ومصالحها كما ينص عليه الدستور الجديد للبلاد. فكانت الخطوة الأولى مصادقة "مجلس الأمن القومي" التونسي على الاستراتيجية الوطنية لمقاومة التطرف والإرهاب في 7 تشرين الثاني/نوفمبر 2016 والتي تتمحور حول أربعة أسس وهي الوقاية والحماية والتتبع والردَ. كما واصلت هذه الحكومة العمل على توفير الإمكانيات الضّرورية لدعم قدرات المؤسّستين العسكرية والأمنية والخروج من المواقع الدفاعية والتقدم نحو الإرهابيين بدلا عن انتظارهم مما يتطلبُ عملا استباقيا واستخباراتيا كبيرا.

كما قامت حكومة يوسف الشاهد في بداية 2017 ببعث "منصة الخطاب البديل" التابعة لوزارة العلاقة مع الهيئات الدستورية والمجتمع المدني وحقوق الانسان والهادفة الى التوقي من الفكر المتطرف في سياق تشاركي ينخرط فيه المجتمع المدني. يمكن ان نعتبر إذا أن حكومة يوسف الشاهد، والتي تبحث عن الاستقرار الأمني كقاعدة أساسية يقوم عليها النمو الاقتصاد والاستقرار الاجتماعي، قد قامت بخيار يجمع بين القوة الخشنة والقوة الناعمة في مقاربتها الأمنية ووضعت الحرب على الارهاب في مقدمة أولوياتها.

غير أن نجاح الحكومة التونسية في الحدَ من الضربات الارهابية وقدرتها على حصر الحرب على الارهاب في المنطقة العسكرية المعزولة بتُخوم "جبل الشعانبي" و "جبل سمامة" وتحصين الحدود والتقليص من الخسائر البشرية قابله تعثُر في المعاملة الأمنية مع التحركات الاجتماعية والتي وصلت حدً الانفجار مع احداث "الكامور" التي في ايار/ماي وحزيران/يونيو 2017 والتي نُشرتْ على إثرها قوات الجيش لحماية منشآت النفط والغاز من المحتجّين. احتقان الوضع أجبر رئيس الحكومة على السباحة ضد التيارات السياسة الحاكمة والبحث عن بريق جديد في ملف آخر غير ملف الارهاب مما حثهُ على بدأ حربه على الفساد لتهدئة الوضع الاجتماعي باللجوء الى الاستخدام حالة الطوارئ والتي يمكن ان يشكَل تواصلها تهديدا لإنجازات الديمقراطية الناشئة.

استطاع الشاهد تحقيق انتصارات على المدى القصير غير أن صعوبة الوضع لاقتصادي ستجعل من حوْكمةِ ملفات حارقة كخُطة التعامل مع العائدين من بؤر الاقتتال وتنفيذ استراتيجية وطنية لمعالجة الفكر المتطرف، تمكًنُ من التنسيق بين جميع الأطراف المتداخلة، مع مواصلة التضييق على التهريب ومحاربة الفساد والجريمة المنظمة أمرا غير هيَن خصوصا أن تداخل هذه المخاطر وأهميتها يُحتمُ خلق "وكالة للتنسيق الاستخباراتي والمعلوماتي" قادرة على الاستباق على المدى الطويل وجعل الاستراتيجية التونسية في هذا المجال تتكيف مع تطور المخاطر الداخلية والخارجية.