محمد على شعباني، طالب دكتوراه في كلية الدراسات الشرقية والأفريقية في جامعة لندن، ورئيس تحرير نبض إيران في موقع المونيتور. لمتابعته عبر تويتر: mashabani@

إنه أمرٌ لافت أن الاحتجاجات الأخيرة بدأت في مدينة مشهد التي تقع بعيداً من طهران، وتضم مرقد الإمام علي الرضا، الإمام الشيعي الثامن، الذي يستقطب ملايين الحجّاج سنوياً. تملك مؤسسة "آستان قدس رضوي" الخيرية التي تتولّى إدارة المقام، ثروة طائلة؛ فهي تسيطر على أكثر من نصف الأراضي في البلدة، وتحوّلت على مر السنين إلى تكتّل نافذ يوظّف آلاف الأشخاص.

مشهد هي أيضاً مقر أحمد علم الهدى الذي اختاره المرشد الأعلى بنفسه لترؤس صلوات الجمعة في المدينة. عندما توفّي سادن مرقد الإمام الرضا في آذار/مارس 2016 بعد تولّيه المنصب لفترة طويلة، انتهز المعسكر المحافظ – الذي كان لا يزال في مرحلة البحث عن الذات قبل عام واحد فقط من ترشّح روحاني الذي كان متوقَّعاً لولاية ثانية – الفرصة لتعيين ابراهيم رئيسي، الإمام المحافظ الذي لم يكن معروفاً من الناس والذي يصادف أنه صهر علم الهدى، سادناً لمرقد الإمام الرضا. وقد حظي رئيسي بتغطية واسعة من وسائل الإعلام المحافظة، فذاع صيته فجأةً. وبعد عامٍ واحد، تمكّن رئيسي، الذي نجح في استمالة محمدباقر قاليباف، المولود أيضاً في مشهد والذي يتولى رئاسة بلدية طهران منذ فترة طويلة، من أن يطرح نفسه منافساً جدّياً لحسن روحاني. وعلى الرغم من خسارته للانتخابات، حصل على ما يُقارب الـ16 مليون صوت، الأمر الذي يُعتبَر إنجازاً حقيقياً نظراً إلى الانقسامات العميقة في أوساط المحافظين.

أراد روحاني، مع انطلاقة ولايته الثانية، قطع الطريق تماماً أمام خصومه. وتحدّث من دون مواربة في الكلمة التي ألقاها أمام مجلس الشورى عن مشروع موازنة العام المقبل. لقد تكلّم صراحةً وبلهجة مفعمة بالحيوية عن مراكز نفوذ غير خاضعة للمساءلة، منتقِداً بشدّة إحكامها قبضتها على كل شيء بدءاً من العقارات وصولاً إلى سوق العملات الأجنبية. يبدو أن خطابه هذا كان القشّة التي قصمت ظهر البعير (بالنسبة إلى المحافظين).

مع امتناع الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن المصادقة على التزام إيران بالاتفاق النووي في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، وتلويحه برفض إصدار إعفاءات من العقوبات، يُقال إن ثنائي مشهد وبعض حلفائه المحافظين اعتبروا أن الفرصة سانحة أمامهم. على الرغم من عدم وجود أدلّة ملموسة، يبدو أن الجميع في طهران "يعلمون" أن علم الهدى وصهره وبعض شركائهما تآمروا لإضعاف روحاني وإحراجه عبر التحريض على الاحتجاجات التي كان من المقرر أن تبلغ ذروتها في يوم 30 كانون الأول/ديسمبر، الذي يصادف الذكرى الرسمية لـ"هزيمة" الحركة الخضراء في العام 2009.

لقد تحوّلت الاحتجاجات التي اندلعت بدايةً في مشهد في 28 كانون الأول/ديسمبر، إلى اضطرابات في مختلف أنحاء البلاد. وتحدّثت التقارير عن اعتقال أكثر من ألف متظاهر؛ كما لقي نحو 24 شخصاً مصرعهم. لكن يبدو أنها مسألة وقت فقط قبل أن يتم القضاء تماماً على الاحتجاجات التي لا قيادة لها على ما يبدو. تُخلّف التظاهرات الأخيرة تساؤلات كثيرة وراءها. إنما ثمة أمرٌ واضح: يقف روحاني عند مفترق طرق. لقد مارست إدارته ضغوطاً شديدة من أجل الحد من العنف، لجملة أسباب منها السعي إلى إبعاد الضغوط الأجنبية التي يبدو أن أعداءه في الداخل يسعون بشدّة خلفها. أمامه الآن فرصة فريدة لقلب الطاولة على خصومه، وتحويل الإحراج إلى أداة لانتزاع مزيد من التنازلات من المرشد الأعلى، مثل الحصول على تفويض أكبر من أجل التصدّي للمؤسسات غير الخاضعة للمساءلة. في حال باء بالفشل، قد لا يُفوّت فقط فرصة تقويض هذه المؤسسات النافذة، التي تتسبّب بظهور مظالم وشكاوى لدى الإيرانيين لكنها لا تتحمّل شيئاً من المسؤولية، إنما سيخسر أيضاً أي مكسب سياسي حقّقه من التهجّم عليها.