في حين تزداد الحماسة للتحوّل العسكري، تبقى التغييرات التي تريدها القيادة السعودية غير منجَزة. يتولى "فريق التحوّل" في وزارة الدفاع السعودية بقيادة خالد البياري الذي هو من المساعدين الجدد نسبياً لوزير الدفاع، الإشراف على الدمج المخطط له للقوات المسلحة التابعة لوزارة الدفاع، وهي القوات البرية (الجيش) والقوات الجوية وسلاح البحرية والدفاع الجوي والقوة الصاروخية الاستراتيجية، بحيث تصبح خاضعة لقيادة شبيهة بقيادة العمليات المشتركة البريطانية التي تتخذ من المقر المشترك الدائم مركزاً لها. ويُعتبَر هذا الدمج، أي عمل فروع القوات المسلحة بالتنسيق في ما بينها في ظل قيادة مشتركة، أساسياً للأسلوب الحديث في خوض الحروب. ولكن وزارة الدفاع تستمر في استبعاد الحرس الوطني السعودي الذي يُعتبَر القوة المسلحة الأكثر تطوراً في البلاد، فضلاً عن رئاسة الأمن العام ووزارة الداخلية، من عملية الدمج. واستمرار الحرس الوطني في التمتع باستقلالية ذاتية يُعزى إلى التردد في استفزاز قاعدته القبلية، في حين أن رئاسة الأمن العام باتت أشبه بحرس بريتوري لولي العهد الأمير محمد بن سلمان على حساب ما تبقّى من وزارة الداخلية.

يعمل السعوديون على إنشاء مقر مشترك دائم للقيادة العسكرية. وينظر الحلفاء الغربيون بإيجابية إلى هذه الخطوة، ولكن في حين يلقى بناء المنشآت وتلقين العقيدة العسكرية ترحيباً، لا يزال كثرٌ يُشكّكون في الإمكانات المتاحة لتحقيق تغيير فعلي. وليس واضحاً ما إذا كانت ثمة رغبة جدّية في تطبيق تغييرات واسعة النطاق على مستوى العديد البشري من أجل التخلص من ذهنية العزلة لدى القوات المسلحة السعودية. ففيما خلا استبدال المتقاعدين، لم يسلك تعيين 800 ضابط عسكري جديد طريقه إلى التنفيذ بعد 18 شهراً على اتخاذ القرار. وفي غياب إصلاح واسع على مستوى الضباط الحائزين على نجمتَين وما دون، سوف يستمر كل جهاز من الأجهزة المسلحة التابعة لوزارة الدفاع في التصرف بصورة منعزلة عن البقية.

قوات مشتركة مفكّكة

يُشار إلى أن قائد العمليات المشتركة، الفريق الركن فهد بن تركي، وهو ضابط بثلاثة نجوم، يتبع حالياً بصورة مباشرة لسلطة وزير الدفاع محمد بن سلمان. في النموذج البريطاني الذي يستوحي منه السعوديون أفكارهم، يتبع رئيس المقر المشترك الدائم لسلطة رئيس هيئة الأركان، شأنه في ذلك شأن جميع رؤساء الأجهزة. ورئيس هيئة الأركان خاضعٌ لسلطة وزير الدولة لشؤون الدفاع، وكلاهما عضوان في مجلس الأمن القومي البريطاني. ليس تركي تابعاً لسلطة رئيس هيئة الأركان العامة السعودية (الفريق أول ركن فياض الرويلي، وهو ضابط بأربع نجوم يفوق بن تركي رتبة)، وهذه مشكلة. ففي غياب المشاركة التنظيمية من رئيس هيئة الأركان، ومن دون حدوث مجموعة أساسية وكاملة من التغييرات على صعيدَي التنظيم والعديد البشري من أعلى الهرم إلى أسفله، فإن القوات المشتركة لن تكون أكثر من مجرد مبانٍ جديدة ولوحات لمّاعة للأسماء والمراتب.

يطرح الأساس الهيكلي لقيادة العمليات المشتركة السعودية مسألة مهمة. يتبع رئيس هيئة الأركان البريطاني لرئيس الوزراء من خلال وزير الدولة لشؤون الدفاع ومجلس الأمن القومي. بيد أن الديوان الملكي السعودي لم ينشئ تراتبية مماثلة على مستوى قيادة العمليات المشتركة فيما خلا، ظاهرياً، مجلس الشؤون السياسية والأمنية برئاسة بن سلمان. يُشار إلى أن الهرميات القيادية الواضحة والفاعلة تكتسي أهمية في الإصلاح التنظيمي للمؤسسات العسكرية.

بالإضافة إلى قيادة العمليات المشتركة السعودية، هناك جهاز سعودي جديد للتنسيق الأمني ذو طابع مختلف. فمجلس المخاطر الوطنية الذي أبصر النور حديثاً يعكس التأثير والنصائح البريطانية، وهو شبيهٌ بمجلس الأمن القومي البريطاني. وفي جانبٍ مهم، يضم مجلس الأمن القومي البريطاني كبار الضباط العسكريين ورؤساء الأجهزة الأمنية والوزراء المعنيين ورئيس الوزراء على ضوء التهديدات الأمنية الداخلية الناجمةعن الإرهاب والهجمات السبرانية، إلخ. لا تزال النسخة السعودية في بداياتها، ولكن من غير المرجح على ما يبدو أن يحتضن مجلس المخاطر الوطنية مختلف القادة العسكريين كما هو الحال في مجلس الأمن القومي البريطاني الذي يجمع مختلف الأطياف.

الحرس الوطني: ماذا يحرس؟

يواصل الحرس الوطني السعودي إنشاء الكلية الخاصة بعناصره بمساعدة من المملكة المتحدة. من جهة، تمنح هذه الخطوة زخماً مهماً للنفوذ البريطاني وتساعد ضباط الحرس الوطني على تعزيز معارفهم وخبراتهم. ومن جهة أخرى، تُعتبَر كلية الدفاع الوطني المنوي إنشاؤها تطوراً مرحّباً به بدرجة أكبر، شرط أن تُفتَح أمام جميع مكوّنات القوات المسلحة السعودية، سواءً كانت تابعة لوزارة الدفاع أم لا.

تُقدّم المملكة المتحدة المساعدات للحرس الوطني منذ نحو ستة عقود. في البداية، قدّمت البعثة العسكرية البريطانية المشورة للحرس الوطني بقيادة الأمير عبدالله بن عبد العزيز، فتحوّل هذا الجهاز من خليط بدائي من العناصر القبليين إلى قوة أمنية خاضعة للنظام. والبعثة العسكرية البريطانية هي عبارة راهناً عن مجموعة صغيرة من الضباط الذين يتولون، في إطار اتفاق استعارة دائم، تدريب ضباط الحرس الوطني في مجال مكافحة الإرهاب، بما في ذلك العبوات الناسفة المرتجلة، وإنقاذ الرهائن، والحماية اللصيقة، والأمن في موسم الحج. والدور الأكبر الذي تؤدّيه المملكة المتحدة في ما يتعلق بالحرس الوطني هو في مجال الاتصالات، ويشارك فيه جنودٌ بريطانيون بوجب اتفاق استعارة، وكذلك مواطنون بريطانيون يعملون بموجب عقد مبرَم مع وزارة الدفاع البريطانية. ويضم الحرس الوطني السعودي 80 ضابطاً عسكرياً أميركياً بين ضباط نظاميين وآخرين يعملون بموجب اتفاق استعارة، وجميعهم تابعون للمكتب الأميركي لإدارة البرامج.

الصورة النمطية التي تُظهر الحرس الوطني في موقع القوة النخبوية التي تتولى حماية النظام فقدت معناها منذ وقت طويل، فهذا الجهاز لم يعد يتمتع بإمكانات عسكرية كبيرة. والاختبار العسكري المجدي الوحيد الذي خضع له الحرس الوطني مؤخراً داخل شبه الجزيرة العربية كان في اليمن، ولم يكن أداؤه أفضل بكثير من القوات البرية السعودية التي كان انتشارها محدوداً أيضاً هناك. أما سلاح الجو الملكي السعودي فكان حضوره أكثر بروزاً إلى حد كبير. ومن المؤشرات عن احتمال قيام السعوديين بخفض دورهم في اليمن هو ما يُشاع عن تحضير مقاتلات "إف 5" القديمة لاستعمالها في الخدمة الفعلية. وقد يعني ذلك أن حلفاء السعودية في اليمن سيحصلون على هذه المقاتلات التي هجرها الجيش السعودي ولم يعد يستخدمها، أو أن سلاح الجو الملكي لا يريد الاعتماد على طائرات أكثر تطوراً معرَّضة للقيود الغربية على شرائها بسبب السجال على خلفية الهجمات الجوية السعودية التي أسفرت عن سقوط قتلى في صفوف المدنيين اليمنيين.

وفي ما يتعلق بالدور التقليدي الذي يُقال إن الحرس الوطني يتمتع به كقوة تهتم بحماية أمن النظام، فإن النقص في الدبابات يحول دون تمكّنه من النهوض بهذا الدور. ويبدو أن الحرس الوطني فقدَ جدواه كقوة منفصلة مع الوزارة الخاصة به. وقد خضع لإجراءات أكثر تشدداً في ضبط إنفاقه، بما في ذلك الخدمات الصحية القيّمة التي يُقدّمها لعناصره وعائلاتهم. يجري الالتزام بالعقود الدولية الأساسية التي أُبرِمت سابقاً على أسس راسخة، ولكن المخططات السابقة الأكبر حجماً – ومنها شراء مروحيات وآليات مدرّعة جديدة – فهي رسمياً في أيدي الهيئة العامة للصناعات العسكرية، والمقصود بها عملياً الديوان الملكي. بيد أن الأمير خالد بن عبدالله بن بندر الذي يتولى حالياً قيادة الحرس الوطني، حصل على جرعة دعم مالية من أجل الحفاظ على القاعدة القبلية لهذا الجهاز الأمني.

لا تزال القيادة العسكرية المتقدّمة في السن على رأس الحرس الوطني، تتمتع بالنفوذ، ويتولى عبد المحسن التويجري منصب نائب وزير الحرس الوطني للشؤون الإدارية. وقد جرى تعيين وجوه جديدة على رأس الأقسام داخل الحرس الوطني، منها المدرعات، والاتصالات، والتدريب، وذلك في إطار تشكيلات عادية لا في إطار عملية إصلاح واسعة. وعلى غرار التغييرات التي يجري الترويج لها على نطاق أوسع في القطاع الدفاعي، الإصلاحات داخل الحرس الوطني هي ذات طابع تطويري لا تحوّلي. فهذا الجهاز ليس في صدد الخضوع لخفوضات كبيرة في الإنفاق ولا في صدد استيعابه داخل وزارة الدفاع السعودية، علماً بأنها خطوة ضرورية من أجل قيام قيادة مشتركة وفاعلة للعمليات.

ضبط الإنفاق من دون تحول جذري

يقتصر التحول العسكري في السعودية على ضبط الإنفاق بصورة أفضل وعلى قيام صناعة دفاعية داخلية متواضعة. وضبط الإنفاق باعتباره وسيلة لتعزيز الرقابة السياسية والصدقية الداخلية هو من السمات التي تطبع القيادة السعودية الحالية. تُعتبَر الهيئة العامة للصناعات العسكرية بمثابة الواجهة الدفاعية الرسمية للتكتيكات التي تعتمدها القيادة الراهنة، ولكن ليس لهذا الأمر معنى أساسي في المرحلة الحالية أبعد من قيام بن سلمان بتحديد المشتريات في مجال المعدات الدفاعية الأساسية.

على ضوء الأهداف التي وضعتها السعودية في إطار "رؤية المملكة 2030"، أمام الهيئة العامة للصناعات العسكرية والشركة السعودية للصناعات العسكرية مهلة 11 عاماً من أجل التوصل إلى إنتاج 50 في المئة من العتاد الدفاعي الجديد داخل البلاد. وهذا أمرٌ مستبعد. ولكن سوف يزداد الطلب على توقيع اتفاقات بين جهات الإنتاج العسكري الداخلية والشركاء الدفاعيين الخارجيين مثل الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وفرنسا. ويتولى الأمير فيصل بن فرحان، العضو في مجلس إدارة الشركة السعودية للصناعات العسكرية وصاحب الخبرة في هذا المجال، وزارة الخارجية السعودية في الوقت الراهن. وقد يكون تعيينه في هذا المنصب بمثابة تداخل نظري بين السياسة الخارجية وتطوير الصناعة الدفاعية. أم أنه مجرد تأكيدٌ لما هو واضح ومعلوم: فرحان هو شخصية من داخل دوائر القيادة.

يُفترَض بالهيئة العامة للصناعات العسكرية أن تؤمّن الإمكانات في مجال الصناعة الدفاعية الداخلية، ولكن السعودية لا تمتلك إمكانات كبيرة فيما خلا إنتاج معدات قديمة. تبذل المملكة جهوداً أكثر جدّية من أجل الحصول على إمكانات الإنتاج العسكري في الداخل والإفادة من نقل المعارف والخبرات في إطار اتفاقات "جانبية" مع مزوّدين غربيين يعملون في المجالَين الدفاعي وغير الدفاعي، ولكن على المملكة أن تقطع شوطاً طويلاً قبل أن تتمكّن من الوصول حتى إلى مستوى الصناعة الدفاعية الإماراتية التي لا تزال محدودة.

تسببت الهجمات على منشآت نفطية سعودية في أيلول/سبتمبر 2019 بتوقف الجزء الأكبر من الإنتاج والتكرير في القطاع النفطي لأيامٍ عدة. وقد سلّط ذلك الضوء على أهمية أن يتحلى السعوديون بمسؤولية أكبر في حماية أمن هذه المنشآت. وتبيّن أن معدات الدفاع الجوي التي حصلت عليها المملكة من الولايات المتحدة غير مناسبة لمواجهة التهديد الصاروخي المعاصر. غالب الظن أن الصناعة الدفاعية السعودية عاجزة عن رفع هذا التحدّي الذي يواجهه الأمن القومي.

تتعلق العوائق التي تعترض تطوير الصناعة الدفاعية السعودية بالإمكانات والإرادة، وكذلك بالعلاقات الاستراتيجية مع البلدان المزوِّدة بهدف الإفادة من معارفها وخبراتها التكنولوجية. ومع مرور الوقت، قد يتوقف اهتمام السعودية بالحصول على مزيد من الأسلحة من روسيا والصين، على استعداد هذين البلدَين لتقديم مساعدات لتطوير الصناعة الدفاعية السعودية أكبر من تلك التي يُقدّمها الغرب. وثمة مؤشراتٌ تُظهر أن موسكو وبيجينغ مستعدتان لذلك.

في مختلف الأحوال، قد نكون أمام مشهدٍ حيث تحاول السعودية أن تركض قبل أن تتمكّن من المشي. إذا بقي التحول الأوسع نطاقاً في القطاع الدفاعي السعودي أسير التباين التقليدي بين الخطاب والتطلّعات والإرادة والمعطيات العملية في الخليج، فغالب الظن أن المشهد الدفاعي والأمني سيبقى على حاله في المملكة.

نيل بارتريك المحرر والمساهم الرئيسي في كتاب "السياسة الخارجية السعودية: النزاع والتعاون" (Saudi Arabian Foreign Policy: Conflict and Cooperation) (IB Tauris، الطبعة الثانية، نيسان/أبريل 2018). لمتابعته عبر تويتر: @neilpartrick.