يثير تحويل آيا صوفيا من متحف إلى مسجد أسئلة حسّاسة حول تبعات الصراع العلماني-الإسلامي في تركيا. يعكس القرار، في صميمه، هوساً إسلامياً بالسلطة والتسيّد على” الآخر “المسيحي، وينطوي على رمزية شديدة في ما يتعلق بسعي تركيا وأردوغان إلى قيادة العالم الإسلامي السنّي. الهدف من تحويل آيا صوفيا إلى مسجد هو حشد الدعم لأطماع الرئيس التركي في المنطقة من خلال توجيه رسالة عن التزامه القضايا الإسلامية وتحقيق انتصار رمزي في هذا المجال.

 

ليست آيا صوفيا معبداً عادياً، فقد كانت مثالاً للعظمة البيزنطية – كنيسة الأمبراطورية في مقر المسيحية الأكثر نفوذاً. بحسب التقليد، أعلن يوستينيانوس الأول بعد الانتهاء من تشييد آيا صوفيا: ”سليمان، لقد تفوّقت عليك! “كان الهدف من بناء كنيسة بهذه الروعة بث هذا الشعور بالثقة أبعد من حدود الأمبراطورية الرومانية الشرقية.

 

عندما قام محمد الثاني بغزو اسطنبول في عام 1453 – تحقيقاً للحلم الذي انتظره المسلمون طويلاً بعدما كان النبي محمد قد تنبأ بالغزو في القرن السابع – كانت الخطوة الأولى التي أقدم عليها زيارة آيا صوفيا. ودقّ تحويلها إلى مسجد في عام 1453 المسمار الرمزي الأخير في نعش الأمبراطورية البيزنطية. وأصبحت آيا صوفيا بمثابة شاهد دائم على انتصار الإسلام على الغرب والمسيحية. وشكّل بناء الجامع الأزرق (جامع السلطان أحمد) في القرن السابع عشر في الجهة المقابلة من الشارع محاولة للتغطية على روعة آيا صوفيا الهندسية، ولكن هذه الجهود ذهبت سدى، ولم يتمكن أي شيء على الإطلاق من أن يحجب عظمة آيا صوفيا وأهميتها.

 

في نظر الإسلاميين اليوم، تكمن رمزية آيا صوفيا في تجسيدها للغرب المسيحي ومعركة الإسلام المستمرة مع الديانة المسيحية التي رأى فيها مؤسس جماعة الإخوان المسلمين المصرية، حسن البنا، العدو الشيطاني للمسلمين. وفي الداخل التركي، تذكّر الإسلاميون أيام المجد في زمن الأمبراطورية العثمانية، حاملة لواء العالم الإسلامي التي أركعت الغرب المسيحي. وقد تحدثت الوثيقة التأسيسية للحزب الإسلامي الأول في تركيا بشماتة عن غزو اسطنبول، وانتقدت بشدة ”الهجمات البربرية “التي شنّها الصليبيون، مشيرةً إلى أن العثمانيين واجهوا الدول الغربية مجتمعةً و”ألحقوا هزيمة بها على مختلف الصعد.“

 

إذاً أولى الإسلاميون قيمة رمزية كبيرة لمكانة آيا صوفيا. وقد تدخّل العالِم الديني بديع الزمان سعيد النورسي – الذي يُنسَب إليه الفضل في إنشاء أحد التيارات الجماهيرية الإسلامية الأولى في تركيا – وبذل بنفسه مساعي حثيثة لدى حكومة الحزب الديمقراطي في أنقرة من أجل تحويل آيا صوفيا إلى مسجد، وقام بمحاولات عدة في هذا الإطار في خمسينيات القرن العشرين، مطالباً بأن يستعيد المعبد” رسالته المقدّسة.“ ورفعت الجمعية الوطنية للطلاب الأتراك – وهي من أولى الجمعيات الإسلامية في تركيا – عريضة إلى مكتب رئيس الوزراء في الخمسينيات جاء فيها” افتحوا آيا صوفيا – بادرة نبيّنا، ثقة الفاتح [السطان محمد الثاني]، إشارة تركيا العظمى “.وقد زعم نجم الدين أربكان، مؤسس حركة الرؤية الوطنية والزعيم المخضرم، أن آيا صوفيا هي” رمز انتصار الألوهية على الوثنية، “وأنها تجسّد المجهود الهادف إلى”فرض سلطان الله.“

 

ومن هذا المنطلق، شعر المسلمون بالإساءة لدى تحويل آيا صوفيا إلى متحف في عام 1935. والسبب هو أن الإسلاميين مسكونون منذ وقت طويل بهاجس السلطة والنزعة الانتصارية. فالعجز عن زعزعة السيطرة المادية والثقافية للغرب المسيحي يثير قلق الإسلاميين؛ ولن يرتاحوا قبل أن ينتصر الإسلام على المسيحية، أياً كان شكل هذا الانتصار. هذا ”التديّن الانتصاري، “كما يُسمّيه ريتشارد لانديس، وهو مؤرّخ يركّز في عمله على دور الدين في الميدان العام، يفرض على الإسلاميين إقامة سيطرة مادية للمسلمين على غير المسلمين” باعتبارها مؤشراً مرئياً على تفوقهم، وإثباتاً على حظوتهم عند الله “.إذا لم يتسلّم المسلمون زمام الحكم ولم يتمكنوا من ممارسة سيطرتهم على غير المسلمين ورموزهم، فلن يجد الإسلاميون سبيلاً لإثبات أن دينهم هو دين الصواب وأن إلههم هو الإله الحقيقي. الإبقاء على آيا صوفيا متحفاً هو في نظر الإسلاميين تذكير مستمر بهزيمة الإسلام والمسلمين في عالمٍ سيطرت عليه الحضارة الغربية والحداثة، وبتعرّضهم للإخضاع والسخرية.

 

الرمزية في تحويل آيا صوفيا إلى مسجد تكمن في الرسالة التي يوجّهها ذلك إلى المسلمين وغير المسلمين خارج الحدود التركية أكثر منه في السياسة الداخلية التركية. والهدف من هذه الخطوة هو تمهيد الطريق أمام السيطرة الإسلامية المقبلة على الساحة الدولية. لهذا السبب روّج أردوغان لخطوة تحويل آيا صوفيا إلى مسجد من جديد، من خلال نشر مقطع فيديو يتضمن آيات قرآنية باللغات العربية والتركية والبنغالية والسواحلية والبوسنية وعدد كبير من اللغات الأخرى بغية تصويرها بأنها مسألة تعني العالم الإسلامي برمته لا تركيا فحسب. وأكثر من ذلك، حمل المسؤول الديني الأعلى مقاماً في تركيا سيفاً ورايتَين خضراوين لمناسبة افتتاح مسجد آيا صوفيا في 24 تموز/يوليو، في خطوةٍ تدلّ على الغزو. وورد في خطب الجمعة في يوم الافتتاح أن آيا صوفيا تبثّ” الأمل لدى المساجد التي تعاني من الغبن والظلم في مختلف أنحاء العالم “ وعلى رأسها المسجد الأقصى في القدس.

 

يندرج توقيت القرار في إطار المساعي التي يبذلها أردوغان لعرض عضلات تركيا العسكرية وتعزيز حضورها في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، لا سيما في مناطق النزاع. ففي سورية، لم تنجح تركيا فحسب في تحقيق هدفها المتمثل بالحؤول دون إنشاء منطقة كردية تتمتع بحكم ذاتي في شمال البلاد، لكنها تمكنت أيضاً من السيطرة على مساحة شاسعة من الأراضي التي أصبحت، لمختلف الأسباب العملية، بمثابة جزء من تركيا. وفي ليبيا، تركيا هي أحد اللاعبين الأساسيين في الحرب الأهلية المطوّلة التي تشهدها البلاد، حيث تواجه معارضة من بلدان أوروبا الغربية ومن روسيا والتكتل السعودي-المصري-الإماراتي. ولكن أردوغان يدفع باتجاه تسوية النزاع من خلال طرد حفتر وقواته. تتزامن هذه التطورات مع المساعي التي تقوم بها تركيا للتنقيب عن النفط والغاز في شرق المتوسط منذ عام 2018 على الرغم من العرقلة التي يمارسها أفرقاء إقليميون في هذا الإطار.

 

قبل ذلك، سعى أردوغان إلى قيادة العالم الإسلامي السنّي، من خلال تقديم نفسه في موقع” قائد مسلم عالمي.“ يتبنى أردوغان وحزب العدالة والتنمية بزعامته قضايا إسلامية كبرى على مستوى العالم، وقد أصبحا المدافعَين الأعلى صوتاً عن هذه القضايا. أردوغان هو أيضاً نصير مخضرم للقضية الفلسطينية، ويُقدّم الدعم علناً لحركة حماس في غزة، وفق ما تطرق إليه الباحث التركي سونر جاغابتاي بالتفصيل. كذلك، كان أردوغان الداعم الأساسي لحكومة مرسي والإخوان في مصر في مرحلة ما بعد 2011. وقدّم ملاذاً آمناً ومساعدات مالية لمسؤولي جماعة الإخوان وعناصرها في اسطنبول بعد تعرضهم للتطهير في مصر. ويحافظ على علاقات وثيقة مع كبريات المنظمات الإسلامية ومع أفرقاء إسلاميين أساسيين، ويستخدم موقعه البارز لترويج فكرة أنه ينبغي على المسلمين رصّ صفوفهم والوقوف في وجه الغرب. على سبيل المثال، استخدم أردوغان قمة منظمة التعاون الإسلامي التي عُقِدت في اسطنبول في عام 2016 للتباهي بما يتمتع به من” مؤهلات لقيادة العالم الإسلامي.“ وفي نيسان/أبريل 2016، رسم يوسف القرضاوي، في الخطاب الرئيسي الذي ألقاه أمام أحد المؤتمرات، صورة مشرقة عن أردوغان واصفاً إياه بأنه” سلطان لا يُقهَر أصبح حارساً للأمة وتجرّأ على تحدّي الطغاة. “

 

يُقدّم تحويل آيا صوفيا إلى مسجد نصراً رمزياً سهلاً لأردوغان والإسلاميين الذين يمكنهم أن يتنعّموا بمجد ”إلحاق الهزيمة “بالغرب المسيحي وأن يُظهروا الدعم لمساعي أردوغان من أجل قيادة المنطقة. ولكن هذا النصر يُهدّد واحداً من أهم المواقع التراثية في العالم.

تُرجم هذا المقال من اللغة الإنكليزية.

قادر يلدريم زميل في مركز الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس. لمتابعته عبر تويتر @akyildirim.