يؤدّي التعاون السيبراني الآمن والمتواصل دوراً مركزياً في خوض الحروب التقليدية بنجاح، والدفاع ضد التهديدات الهجينة، وضمان أمن الطواقم المتمركزة في الخارج، ومراقبة المعاملات المالية والتيارات الإرهابية، وتطبيق العقوبات. لقد وجدت الصين والولايات المتحدة مجالات جديدة للنزاع خلال العقد المنصرم، والفضاء السيبراني هو واحد من هذه المجالات. فقد سعت الصين إلى التصدّي لـ"مبادرة الشبكة النظيفة" التي أطلقتها الولايات المتحدة، وهي عبارة عن منطقة تجارية رقمية تستثني الشركات الصينية، من خلال إنشاء مبادرتها الخاصة بعنوان "المبادرة العالمية لأمن البيانات".1 وسط هذا التفاعل المتزايد بين التكنولوجيا والسياسة والجيوسياسة والظهور المحتمل للشبكة المجزّأة splinternet 2 تخوض كل من بكين وواشنطن سباقاً لاستقطاب أكبر عدد ممكن من الدول إلى مدارها الخاص.

 

تعمل دول مجلس التعاون الخليجي عن كثب مع الشركات الصينية لتطوير شبكات الجيل الخامس (5G) لديها، ما يضع هذه البلدان في قلب المنافسة السيبرانية الصينية-الأميركية. وفي ما يتعلق بدول مجلس التعاون الخليجي، تتقدّم الصين في الجانب المعياري لهذه المنافسة. فالنظام السياسي المغلق في الصين والمقاربة الهرمية للحوكمة من أعلى الهرم إلى أسفله، فضلاً عن تجاهل الحقوق والحريات الفردية، تنعكس على امتداد المساحات السياسية في الشرق الأوسط. في غضون ذلك، يبقى دور واشنطن في موقع الضامن الأساسي للأمن ورقتها الرابحة الأكثر فاعلية في المنطقة. سوف تكون للطريقة التي يمارس بها الجانبان نفوذهما، وكيفية استجابة دول مجلس التعاون الخليجي لجهودهما تداعيات مهمة على المنطقة والدور الذي تضطلع به كل من بكين وواشنطن في المنطقة، إنما أيضاً على المسألة الأوسع نطاقاً المتمثّلة بالحوكمة العالمية للإنترنت.

 

تكتسي هذه المسألة إلحاحا متزايداً، نظراً إلى أن دول مجلس التعاون الخليجي قد لا تعود قادرة على إرضاء الجانبَين من خلال تقسيم بنيتها التحتية الرقمية بين الشركات الصينية والشركات المنتمية إلى "مبادرة الشبكة الرقمية". لقد طوّرت دول مجلس التعاون الخليجي حافظة منوّعة من الباعة والشركاء في مجال الإنماء التكنولوجي، وهي تشمل مزيجاً مختاراً بعناية من الشركات الصينية والغربية. وقد خضع فعل التوازن هذا للتجربة والاختبار، ويسود بصورة خاصة في قطاعَي الطاقة والنقل في دول مجلس التعاون الخليجي، حيث تُمنَح العقود الكبرى، بصورة شبه متكافئة، إلى شركات تابعة لدول شريكة في آسيا وأوروبا فضلاً عن الولايات المتحدة. الهدف هو الحفاظ على رضا الحلفاء، والأهم من ذلك، ضمان التزامهم بالاستقرار السياسي والاجتماعي لهذه الدول، وبإبقاء الأسر الحاكمة على قبضتها على السلطة.

 

اليوم، تؤدّي الشركات الصينية دوراً أساسياً في تطوير شبكة الجيل الخامس بكلفة مقبولة. ففي دولة الإمارات، تشارك شركة "هواوي" في عملية إنشاء شبكات الجيل الخامس وتطويرها، والتي تتولاها شركتا "اتصالات" و"شركة الإمارات للاتصالات المتكاملة" (دو). وأقامت شركة "عمانتل" شراكة مع "هواوي"، شأنها في ذلك شأن شركتَي "فيفا البحرين" و"فيفا الكويت"، وشركة "زين" السعودية وشركة الاتصالات السعودية (إس تي سي). وتتعاون شركة Ooredoo، التي هي المشغّل الأساسي لقطاع الاتصالات في سلطنة عمان، مع شركة ZTE، وهي المنافِس الصيني الأساسي لشركة "هواوي"، للاستعانة بدرايتها من أجل تطوير شبكة الجيل الخامس في السلطنة. أما الشركات الغربية التي تؤدّي أدواراً بارزة في البنى التحتية الرقمية لدول مجلس التعاون الخليجي فهي "إريكسون" و"آي بي إم" و"مايكروسوفت" و"أن إي سي" و"نوكيا" و"أورانج".

 

إذاً، لن تترك "مبادرة الشبكة النظيفة" من خيار أمام دول مجلس التعاون الخليجي سوى الاصطفاف في جهةٍ معيّنة في المنافسة التي تتوالى فصولاً بين الصين والولايات المتحدة. ولكن ذلك لن يكون بالسهولة نفسها كما هو حال الحلفاء الأوروبيين للولايات المتحدة الذين يتشاركون معها ظاهرياً قدراً أكبر من المعايير والقيم الليبرالية. وعدم تخلّي دول مجلس التعاون الخليجي عن شراكاتها مع الشركات التكنولوجية الصينية قد يؤدّي إلى الحد من الضمانات الأمنية التي تقدّمها لها الولايات المتحدة، ما يجعل هذه الدول أكثر هشاشة أمام التهديدات الخارجية في وقتٍ تتعاظم التشنجات في المنطقة.

 

إذا بقيت دول مجلس التعاون الخليجي خارج "مبادرة الشبكة النظيفة" بسبب شراكاتها مع كيانات صينية واستخدامها برمجيات ومعدّات صينية في شبكات الجيل الخامس، فقد تنظر إليها الحكومة الأميركية قريباً بأنها مصادر للخطر الأمني، لا بل مصادر للتهديدات المباشرة. في المقابل، من شأن قطع روابطها التجارية مع الشركات الصينية والاستعانة بالشركات التابعة لـ"مبادرة الشبكة النظيفة" من أجل تشييد بناها التحتية الخاصة بشبكة الجيل الخامس وصيانتها، أن يهدّد علاقاتها الناشئة مع الصين التي تُعتبَر المستورد الأكبر لموارد الطاقة الخليجية. فنظراً إلى الطابع المكمِّل والمفيد لمبادرات "طريق الحرير الرقمي" الذي أطلقته الصين، وإلى الأولويات الإنمائية الوطنية لهذه البلدان، فضلاً عن تعطّش بكين للنفط، خصصت جميع دول مجلس التعاون الخليجي، لا سيما السعودية والإمارات العربية المتحدة، موارد مالية وبشرية كبيرة لتوسيع روابطها مع الصين وترسيخ الالتزام الصيني بالاستقرار السياسي والاجتماعي لهذه الدول.

 

هذا فضلاً عن أن الاصطفاف إلى جانب الولايات المتحدة قد يدفع بكين إلى التقرّب أكثر من طهران في هذه المرحلة التي تضع فيها الدولتان اللمسات الأخيرة على ميثاق استراتيجي طويل الأمد بهدف توقيعه. لقد سعت بكين، حتى تاريخه، إلى إرساء توازن في علاقاتها مع إيران ومجلس التعاون الخليجي. ولكن ستكون لديها دوافع أقل للقيام بذلك في حال أذعنت دول مجلس التعاون الخليجي للضغوط الأميركية وتخلّت عن روابطها مع الشركات الصينية. وتزداد هذه المعضلة الاستراتيجية تعقيداً لأن ثغرة القيم المعيارية بين هذه الدول والصين هي أصغر حجماً إلى حد كبير، لا سيما مقارنةً مع الثغرة بينها وبين واشنطن. وبما أن السلطات الإيرانية شديدة الإعجاب، وفقاً للتقارير، باستخدام بكين للتكنولوجيا رداً على الاحتجاجات في هونغ كونغ، ليس بعيداً عن المنطق افتراض أن المسؤولين في دول مجلس التعاون الخليجي معجبَون بالدرجة نفسها بفعالية التكنولوجيا الصينية وطريقة العمل الصينية في المراقبة السيبرانية. فما هو على المحك هنا يتعلق بالشروط المحيطة ببيع تكنولوجيا المراقبة واستخدامها المحتمل من الشارين أكثر منه بجودة هذه التكنولوجيا. فالصين لا تشترط على الدول احترام حقوق الإنسان وحرية التعبير كي تبيعها التكنولوجيا. لا بل أكثر من ذلك، بدأت بكين تسير على خطى الولايات المتحدة من خلال تأمين التدريب للقوى الأمنية في البلدان حيث تُستخدَم تكنولوجيا المراقبة الصينية.

 

أما الحكومة الأميركية فتواجه، من جهتها، مشكلتَين اثنتين. يولي أعضاء الكونغرس أهمية لوجهة الاستخدام النهائية للتكنولوجيات الأميركية، ومن الممكن أن يحظروا بيعها لبعض الدول على خلفية هواجسهم من حدوث انتهاكات لحقوق الإنسان. المشكلة هي أن هذا السلوك يؤدّي إلى زيادة حصّة الصين في السوق. فحين تصبح هذه الدول عاجزة عن شراء التكنولوجيا الأميركية، يمكن أن تتحوّل بسهولة نحو مورّدين آخرين، ومنهم بكين. والأهم من ذلك، إذا غضّت الولايات المتحدة النظر، مثلما تفعل من حينٍ لآخر، فسوف تكون كمَن يوجّه طلقةً إلى قدمه. ففي حال انتشرت النظرة إلى الأنظمة السلطوية بأنها تستخدم التكنولوجيات الأميركية للتجسس على مواطنيها وقمع حريتهم، سوف يفقد انتقاد واشنطن للدور الصيني في تمكين السلطوية الرقمية، مصداقيته أمام محكمة الرأي العام العالمي. "مبادرة الشبكة النظيفة" هي، في صيغتها الحالية، مبادرة إقصائية وغير مرنة لا تتيح المعاملة التفضيلية للدول ذات الأهمية الجيوسياسية. وهذا يطرح معضلةً لصنّاع السياسات في الولايات المتحدة. فمن شأن إقصاء دول مجلس التعاون الخليجي من المبادرة أن يُهدّد قدرة الولايات المتحدة على التعاون مع هذه الدول في الشؤون الأمنية الأساسية، بما في ذلك مكافحة الإرهاب.

 

إذا أجبرت الضغوط الأميركية الأنظمة على الاختيار بين القطبَين المتنافسَين، سوف تجد دول مجلس التعاون الخليجي صعوبة في قطع روابطها مع بكين. قد يتسبب ذلك بتقويض مكانة الولايات المتحدة في المنطقة، وإلحاق الأذى بالجهود الأميركية الهادفة إلى تحديد الإطار المعياري لحوكمة الإنترنت العالمية.

 

تُبدي دول مجلس التعاون الخليجي قلقها إزاء حماسة بايدن للانضمام من جديد إلى اتفاق نووي مع إيران، ولذلك سوف تتعاظم هذه التشنجات إذا أصرّ الرئيس المنتخب بايدن على أن تقوم هذه الدول بقطع روابطها الرقمية كلّياً مع الصين. يبدو، على ضوء الأسماء التي اختارها بايدن لتسلّم المناصب العليا في السياسات الخارجية والأمنية، أن الرئيس المنتخب، وعلى الرغم من حماسته لنصرة قضايا الديمقراطية وحقوق الإنسان، سوف يسترشد بالتفكير البراغماتي ويسعى إلى تجنّب تحويل الصين إلى دولة عدوّة فيما يتطلّع في الوقت نفسه إلى الترحيب بدول مجلس التعاون الخليجي في "مبادرة الشبكة النظيفة".

 

نيما خرامي باحث مشارك في مركز الدراسات الأمنية حول القطبية في المعهد الأركتيكي.

 

_1 تعبّر الحكومة الأميركية عن قلقها العميق إزاء الحضور الصيني المتنامي في البنى التحتية الرقمية التابعة لحلفائها وشركائها حول العالم، بما في ذلك دول مجلس التعاون الخليجي. لهذه الغاية، أطلقت الولايات المتحدة "مبادرة الشبكة النظيفة"، وهي كناية عن إطار عمل سياسي، الهدف منه ضمان أمن الأصول والبنى التحتية الرقمية الخاصة بالولايات المتحدة وشركائها وحمايتها من "الأفرقاء الخبثاء على غرار الحزب الشيوعي الصيني". وقد انضمت 53 دولة و180 شركة إلى المبادرة حتى تاريخه. العضوية في المبادرة طوعية، ولكن عدم الانضمام إليها قد يؤدّي إلى انخفاض شديد في المساعدات الدفاعية والأمنية الأميركية، لا بل أسوأ من ذلك، قد تؤدي إلى توقّف تام لهذه المساعدات.

2  الشبكة المجزأة تشير إلى وجود أكثر من شبكة عالمية واحدة. وتشير تحديداً إلى فكرة تقسيم الفضاء السيبراني وفقاً للخطوط الوطنية أو الإقليمية، حيث تنظّم مجموعات مختلفة من المعايير والقيم السلوكيات والممارسات في الميدان الرقمي.