بدا قرار تأجيل الانتخابات محتملا قبل اتخاذه بأسابيع، حيث بدرت إشارات واضحة من الفريق السياسي المحيط بعباس، وفي ضوء جملة من المعطيات الداخلية التي أشارت الى أن هزيمة محققة ستمنى بها قائمة حركة فتح التي يقودها عباس، بسبب حالة التشظي، وانقسامها الى ثلاث قوائم، أولها تابعة لعباس المسماة "العاصفة"، وثانيها تابعة لمروان البرغوثي المسماة "الحرية"، وثالثها تابعة لمحمد دحلان المسماة "المستقبل". البرغوثي ودحلان خصمان لدودان لعباس، وينتظران موعد الاستحقاق الدستوري لإجراء الانتخابات، للإطاحة به.

قالت مصادر مطلعة1 في أوساط عباس إن "الأسابيع الأخيرة شهدت مشاورات مكثفة قادها المحيطون به مع قائمة البرغوثي، لثنيه عن الاستمرار في خوض الانتخابات بصورة انفرادية، وقد زاره في السجن الإسرائيلي حسين الشيخ ومحمود العالول، عضوا اللجنة المركزية للحركة، لكن نتائج مداولاتهما معه انتهت إلى غير جدوى، ولم تحقق الزيارة نتائجها المرجوة، ما زاد احتمال تأجيل الانتخابات في ضوء الشعبية التي يحظى بها البرغوثي بين قواعد فتح، والقناعة السائدة في أوساط عباس أن قائمة البرغوثي ستحصد أصواتا كثيرة من قاعدة فتح الانتخابية على حساب قائمته.

سبب آخر يتعلق بتأجيل الانتخابات الفلسطينية، يتعلق بزيادة فرص حماس بتحقيق انتصار كاسح في ضوء استطلاعات الرأي التي منحتها تفوقاً واضحاً أمام قوائم فتح المنقسمة والمبعثرة، ما دفع عباس لاتخاذ قرار نهائي بالتأجيل، خشية من تكرار ذات الانتكاسة التي حصلت في انتخابات 2006، حين فازت حماس بـ76 من أصل 132 هي مقاعد المجلس التشريعي، لاسيما أن حماس قامت بتحضيرات انتخابية مكثفة في الأسابيع الأخيرة، سواء من خلال قائمتها الموحدة، أو من خلال اختيار مرشحيها من الكفاءات العلمية والأكاديمية المشهود لها، إضافة إلى تلميحها لإمكانية إبرام تحالفات انتخابية مع قوائم أخرى.

أحد مسئولي قائمة حماس الانتخابية المسماة "القدس موعدنا" أكد2 أن "الحركة بذلت جهودا حثيثة لثني عباس عن اتحاذ قرار التأجيل حتى اللحظات الأخيرة"، وقال: "لقد علمنا بنية عباس في التأجيل منذ أسابيع، وأجرينا وباقي القوائم الانتخابية اتصالات عديدة مع الفريق المحيط به، لكننا أخفقنا في ذلك، ما أصابنا بخيبة أمل واسعة في صفوف قواعدنا التنظيمية والانتخابية، صحيح أن تأجيل الانتخابات ليس نهاية المطاف، لكننا بتنا على قناعة تامة أن عباس ليس جادا في نوايا إجراء الانتخابات مستقبلا، ما يضع أمامنا جملة من التحديات في الفترة القادمة".

إسرائيل والإقليم

إضافة للأسباب الفلسطينية الداخلية، برزت تدخلات عربية وإقليمية ساهمت بدورها في تأجيل الانتخابات، فقد زار مقر الرئاسة الفلسطينية في الأشهر الماضية رئيسا جهاز المخابرات المصرية عباس كامل، والأردنية أحمد حسني، والتقيا عباس في أواسط يناير، في محاولة لثنيه عن الاستمرار بإجراء الانتخابات، خشية منهما من فوز محقق لحماس، ما سيترك تبعاته على أوضاع مصر والأردن الداخلية.3

مصر، من جهتها، لن ترحب بفوز لحماس، لأنه سيمنح جماعة الإخوان المسلمين دعما معنويا، في ظل ما تتعرض له من ملاحقة النظام المصري، لأن الوضعين الفلسطيني، خاصة في غزة، والمصري، يتأثران ببعضهما، ولاسيما في ظل قربهما الجغرافي، أما الأردن فقد خرج لتوه من أزمة أمنية داخلية تعلقت بما قيل أنه محاولة انقلاب على الملك، الذي تربطه علاقة متوترة مع جماعة الإخوان المسلمين في المملكة، وأي فوز لحماس في الأراضي الفلسطينية، خاصة في الضفة الغربية سيعطي الجماعة عمقاً جديدا، ويزيد عدم استقرار الأوضاع في المملكة.

أكثر من ذلك، تدخلت مصر والأردن مجددا للعمل على تحقيق مصالحة بين عباس ودحلان، لتوحيد صفوف فتح، فدحلان يحظى بدعم إقليمي، خاصة من مصر والإمارات، المعنيتان بتثبيت أقدامه في الساحة السياسية الفلسطينية، بعد أن طرده عباس من الحركة في 2011، لكن جهود القاهرة وعمان باءت بالفشل، لأن عباس وضع "فيتو" نهائي أمام أي جهود لإعادة دحلان للحركة.

  من جهتها، أوفدت الحكومة الإسرائيلية في  آذار/ مارس 2021 نداف أرغمان رئيس جهاز الأمن العام- الشاباك، للقاء عباس في رام الله، في محاولة أخيرة لإقناعه بالتراجع عن الانتخابات، في ظل المعطيات الأمنية المتوفرة لدى إسرائيل، التي تفيد بأن حماس ستحقق فوزا كبيرا، وأن فتح ستعود بخسارة مدوية، في ظل انقساماتها المتلاحقة.

لم تتردد إسرائيل في الإعراب عن معارضتها الشديدة لإمكانية أن تسمح لحماس بالفوز والانتصار، لأنها تعتبره "كابوسا" خطيرا، خاصة في الضفة الغربية، الأمر الذي من شأنه زيادة القلاقل الأمنية هناك، وهي تخشى من عودة الحركة لترفع رأسها من جديد في الضفة، وعودة العمليات المسلحة ضد الجيش والمستوطنين، رغم أن إسرائيل بذلت جهودا أمنية حثيثة مع السلطة الفلسطينية للقضاء على البنية التحتية لحماس بالضفة الغربية، عبر ملاحقة كوادرها، واعتقالهم باستمرار.

إضافة إلى ذلك، هددت إسرائيل السلطة الفلسطينية أكثر من مرة بأن فوز حماس في الانتخابات القادمة سيعني مقاطعتها، ووقف تحويل الأموال اليها، وتجميد التنسيق الأمني معها، ما اعتبر رسالة تحذير إسرائيلية شديدة اللهجة للسلطة الفلسطينية، التي ترى نفسها مرتبطة بحبل سري مع إسرائيل: أمنياً ومالياً.

ذريعة القدس

رغم كل هذه الأسباب مجتمعة، أعلن عباس أن سببه الحقيقي لإعلان التأجيل يكمن في رفض إسرائيل لإجراء الانتخابات في شرقي القدس، وهو ما قوبل برفض فلسطيني عارم، سواء لعدم اقتناع الفلسطينيين بهذا السبب، أو لإمكانية العثور على بدائل وخيارات أخرى لإجراء الانتخابات في القدس، دون الحاجة بالضرورة لتأجيل الانتخابات تحت هذه الذريعة غير المقنعة.

وقد أعلنت إسرائيل أنها لم تبلغ السلطة الفلسطينية بقرار رفضها لإجراء الانتخابات في القدس، وأن السلطة الفلسطينية لم تتسلم كتابا خطيا رسميا من إسرائيل بهذا الرفض، كما أن الاتحاد الأوروبي ذاته الذي توسط بين الجانبين أعلن أنه لم ينقل رفضا إسرائيليا واضحا وصريحا بإجراء الانتخابات في القدس، بعكس ما تحدث به عباس خلال خطابه الأخير.

على الصعيد الإجرائي، ذكر مسؤول في لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية4 أن "جملة خيارات وبدائل توفرت لإجراء الانتخابات في شرقي القدس، أولها وضع محطات اقتراع في منشآت للأمم المتحدة بالقدس، وثانيها الحصول على موافقات من السفارات الأوروبية في القدس كي تكون مراكز اقتراع للفلسطينيين، وثالثها تسهيل التصويت الإلكتروني للناخبين المقدسيين، لكن السلطة الفلسطينية رفضت كل هذه العروض".

هذا يعني أن عباس قرر تأجيل الانتخابات دون الأخذ بعين الاعتبار هذه الخيارات "المقبولة" لإجراء الانتخابات في القدس، كما أن حماس وباقي الفصائل أعلنت أكثر من مرة أنها مستعدة لإجراء مشاورات مع السلطة الفلسطينية للبحث في السيناريوهات القابلة للتنفيذ ليتمكن المقدسيون من ممارسة حقهم الدستوري، بل إن الفصائل دعت السلطة لتحويل مسألة إجراء الانتخابات في القدس الى معركة سياسية مع إسرائيل، لإحراجها أمام المجتمع الدولي، وليس الاستسلام لقرارها بمنع إجرائها فيها.

نتائج وتبعات

الآن، وقد تأجلت الانتخابات، دون تحديد موعد لاستئنافها، فهناك جملة نتائج مترتبة على قرار عباس المنفرد، أهمها دخول الساحة الفلسطينية في حالة من الصدام والتأزم، وقد ظهر ذلك فور إصدار قرار التأجيل، أبرزها ظهور ردود الفعل الغاضبة والرافضة للقرار، والمنددة به، التي تتهم عباس بممارسة سياسة إقصائية ضد باقي الفصائل.

 إقليميا، وجد قرار التأجيل أصداء إيجابية في عواصم المنطقة، خاصة القاهرة وعَمّان، لأنهما خشيتا من "ربيع فلسطيني" يتمثل بفوز حماس، والإطاحة بعباس، رغم عدم رضا أبو ظبي عن قرار التأجيل لأنها معنية بإيجاد موطئ قدم لدحلان في الساحة الفلسطينية، رغما عن عباس.

أما إسرائيل فقد شعرت أنها نالت ما تسعى إليه، بإلغاء قرار الانتخابات، رغم أنها تخشى أن يكون لهذا القرار تبعات أمنية وميدانية، وإمكانية أن ترد حماس على هذا القرار بتصعيد هجماتها المسلحة في الضفة الغربية، وإطلاق الصواريخ من غزة.

الخلاصة هي أن قرار تأجيل الانتخابات أحدث هزة في الساحة الفلسطينية، وبالتالي ستتبعها ارتدادات وتطورات ستشهدها القضية الفلسطينية، داخليا وخارجيا، أبرزها عودة تبادل الاتهامات بين فتح وحماس بالتسبب في الانقسام، وإمكانية لجوء السلطة الفلسطينية لخطوات أحادية، كتشكيل حكومة جديدة دون مشاركة حماس، وطي مباحثات المصالحة بينهما.

 

عدنان أبو عامر ، أستاذ العلوم السياسية بجامعة الأمة، وكاتب وباحث في مراكز دراسات عربية، حاصل على الدكتوراه في التاريخ السياسي من جامعة دمشق، لمتابعته على تويتر @AdnanAbuAmer2

ملاحظات:

1 تحدث المؤلف إلى مصادر مطلعة في أوساط الرئيس الفلسطيني محمود عباس بتاريخ 30 أبريل 2021

2 في مقابلة مع المؤلف أجريت بتاريخ 1 مايو 2021

3 وفقا لما أوردته هيئة البث الإذاعي والتلفزيوني الإسرائيلي- في 19 كانون الأول/ يناير 2021.

4 تحدث المؤلف إلى المسؤول في لجنة الانتخابات المركزية بتاريخ 1 مايو 2021