في حين تتوقّع بلدان كثيرة مستقبلًا أكثر إشراقًا بعد انتهاء جائحة كوفيد-19، تواجه تونس ارتفاعًا شديدًا في أسعار المواد الغذائية والمحروقات بسبب الحرب في أوكرانيا إضافةً إلى الشلل السياسي الذي يتسبب به شد الحبال بين الأحزاب المعارضة والرئيس السلطوي قيس سعيّد. وقد أدّت هذه التطورات إلى نقص غير مسبوق في السلع الأساسية مثل الطحين والأرزّ، وانهيار العملة، وانتشار البطالة. علاوةً على ذلك، انخفض تصنيف السندات التونسية مؤخرًا إلى CCC، وتتوقّع وزارة المالية التونسية تمويل 50 في المئة فقط من البنود في موازنة 2022 في ضوء الإيرادات الضريبية الحالية.

نعتقد، استنادًا إلى الأبحاث الميدانية التي أجريناها بشأن الصعوبات التي تقف خلف الصعوبات المالية في تونس، أن الأزمة سترغم سعيّد على حسم أمره بين خيارَين صعبَين. فإما أن يتخلّى عن طموحاته الديكتاتورية من خلال مساومة مع المعارضة للتوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد الدولي، وإما أن يصطدم مع باقي النخبة السياسية بفراغ سياسي وخيم. إذا لم يتوفر التمويل الخارجي، ستشهد تونس انهيارًا في مداخيل الطبقة الوسطى وتوقّفًا في الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والغاز.

في حين أن الحرب الأوكرانية هي السبب المباشر للارتفاع الشديد في أسعار المواد الغذائية والمحروقات، تتجذّر المشكلات التي تعاني منها تونس في الاختلال الوظيفي الحكومي العميق منذ الربيع العربي الذي شهدته البلاد في عام 2011. كانت الإنجازات البارزة قليلة، منها مثلًا  قانون المؤسسات الناشئة الذي حفّز ريادة الأعمال من خلال تبسيط إجراءات إنشاء الشركات والوصول إلى العملة الأجنبية. إنما لم تتحقق خطوات أكثر طموحًا لإصلاح البيروقراطية المتنفذة، لأسباب عدّة منها أن الإصلاحات هي مصدر تهديد للأقلية التي تحتكر السلطة.

لا تزال تونس اقتصادًا صغيرًا تسيطر عليه مجموعة صغيرة من  الشركات الخاضعة لإدارة العائلات مثل بن يدر، وآل مبروك، والعلومي. أما الجهود الهادفة إلى مساءلة الشركات المترسخة عن الصفقات التي تشوبها المحسوبيات في إطار النظام الديكتاتوري فكان مصيرها التعثّر والانهيار في عام 2017 بعدما وافقت حركة النهضة الإسلامية، التي كانت الحزب الأكبر في السلطة آنذاك، على القضاء على هذه الجهود بناءً على طلب حليفها، حزب نداء تونس العلماني المنتمي إلى الحرس القديم.

اللافت هو أن الوجوه السياسية التونسية لم تتبدّل كثيرًا في الأعوام العشرة الماضية، على الرغم من أن الانتخابات الحرّة أدّت إلى ظهور موجة من الأحزاب السياسية الجديدة. تولّى الرئيس التونسي الثاني، الباجي قائد السبسي، مناصب في ظل النظامَين الديكتاتوريين السابقين، وتسلّم سدّة الرئاسة في سن الثامنة والثمانين. أما راشد الغنوشي الذي يبلغ الآن الثمانين من العمر، فقد مارس الزعامة من موقعه في قيادة حركة النهضة الإسلامية في الوقت الذي واظب فيه على الترشح للرئاسة حتى عام 2019. خاضت وجوه شابّة كثيرة غمار السياسة بعد الثورة، إنما ظلّ البرلمان تحت سيطرة اتفاقات غير رسمية بين سماسرة النفوذ المخضرمين. تشير منظمة البوصلة التي تُعنى بمراقبة العمل البرلماني إلى أن القوانين التي لم تكن تحظى بموافقة شخصية من الغنوشي والسبسي، أو نجله حافظ، لم تكن تُطرَح في معظم الأحيان على النقاش في مجلس النواب، ما تسبب بالتخلي عن العديد من المشاريع التشريعية التي أهدرت الموارد المحدودة للنوّاب.

ظاهريًا، أنقذ هؤلاء "الشيوخ" الديمقراطية التونسية من الانهيار بعد موجة التفجيرات الإرهابية التي هزّت البلاد في عام 2015. حتى إن لجنة نوبل منحت جائزة السلام إلى اللجنة الرباعية المؤلّفة من منظمات تونسية تابعة للسلطة الحاكمة لانخراطها في التفاوض على "حكومة وحدة وطنية". وقد تكللت هذه الخطوة الإعجازية التي اشتملت على مفاوضات بين النخب السياسية نفسها، بوجود مجلس نواب عاجز لا يفعل شيئًا. فقد كشفت الأبحاث التي أجريناها أن مشروع القانون الأبرز الذي وافقت عليه الهيئة التشريعية بين عامَي 2014 و2018، اقتصر على السماح بتنفيذ مشاريع مساعدات مموَّلة من مصارف إنمائية دولية.

السبب الحقيقي وراء نقص المواد الغذائية في البلاد هي المؤسسات المقاوِمة للتغيير في تونس. لا يزال ديوان الحبوب الذي أُنشئ في القرن التاسع عشر، يحتكر بيع القمح الداخلي والخارجي وشراءه. وتُلحق المنظومة التي تعاني من نقص الكفاءة، الغبن بالمزارعين من أجل بيع الخبز بأسعار منخفضة للمستهلكين في المدن. ليس مفاجئًا، إذن، أن يفضل المزارعون التونسيون زراعة كميات أقل من القمح، ما يتسبب في اعتماد البلاد على الاستيراد. في هذا الإطار، يقع على عاتق ديوان الحبوب شراء القمح من الخارج، لكنه يفتقر إلى التمويل – يبدو أنه يدين بمئات ملايين الدولارات للمزارعين في الداخل والخارج، بحسب ما كشفته المقابلات التي أجريناها – ولذلك اختفى الطحين عن رفوف متاجر البقالة التونسية.

في خضم هذه المعمعة، شنّ الرئيس سعيّد انقلابًا في تموز/يوليو 2021، وأصدر أمرًا بحل مجلس النواب المخيِّب للآمال. ومنذ ذلك الوقت، كشفت خطوات إضافية ذات نزعة سلطوية قام بها سعيّد، مثل استبدال أعضاء لجنة الانتخابات والمجلس الأعلى للقضاء، عن رغبة واضحة لديه ببناء ديكتاتورية جديدة من فلول الديمقراطية المحتضِرة. لكن سعيّد يفضّل الطموحات الكبرى المتمثّلة بوضع نظام انتخابي جديد بدلًا من إبرام الصفقات اللازمة لمعالجة الانخفاض الشديد في الإيرادات. بحسب ما ورد في المقابلات التي أجريناها، سيطلب صندوق النقد الدولي من حكومة سعيّد الالتزام بتنفيذ إصلاحات مكلفة على مدى سنوات عدة، بما يشمل خفض الوظائف في القطاع العام. يبدو موقف سعيّد ملتبسا جدًا بحيث إنه يتعذر عليه إعطاء وعود على درجة من المصداقية لتحقيق هذه الإصلاحات في ضوء خلافه المستمر مع المعارضة. لقد حاول الرئيس التونسي التقرّب من أبو ظبي، في مسعى على ما يبدو للحصول على التمويل من الخليج، لكن نظرًا إلى موقفه الضعيف وانكفاء الخليج عن خوض مغامرات في السياسة الخارجية، سيُضطَر، في غالب الظن، إلى التعويل على صندوق النقد كملاذ أخير للحصول على القروض.

استنادًا إلى المقابلات التي أجريناها مؤخرًا في تونس، فإنه من الواضح أن هناك ضبابية شديدة بشأن حجم التردّي الذي بلغته الأوضاع المالية. اعتبر خبراء غربيون، تحدّثنا معهم، أن الأزمة خطيرة، لكنها لم تبلغ بعد مرحلة الانهيار الكامل لأن مواعيد سداد دفعات ديون البلاد الدولية غير مُستحَقة قبل العام المقبل. لكن عددًا كبيرًا من التونسيين الذين تحدّثنا معهم حذّر من أن البلاد قد تعاني قريبًا من خلل واسع في الخدمات الحكومية الأساسية. عل سبيل المثال، قال لنا وزيرٌ سابق إن ديون الحكومة مقدَّرة على الأرجح بأقل من قيمتها الحقيقية لأنها لا تشمل مئات ملايين الدولارات الأميركية من المبالغ التي استحقّت لمتعاقدين محليين وعقود مشتركة بين الوكالات. وبصرف النظر عن الخطاب الذي يُعتبَر الأقرب إلى الحقيقة، فقد أجمعَ الأشخاص الذين تحدّثنا معهم على وجوب التوصل إلى اتفاق للحصول على تمويل خارجي بحلول نهاية العام الجاري تجنّبًا لانزلاق الأوضاع على الطريقة اللبنانية، أي حدوث انهيار كامل للمالية الحكومية.

إذا افترضنا أن الخليج سينأى بنفسه عن التدخل، وأنه سيتوجب على تونس التوصل إلى اتفاق مع صندوق النقد، يجب على المجتمع الدولي التركيز على الخطوات السهلة والمتاحة التي من شأنها تحسين مناخ الأعمال دون التسبب باضطرابات اقتصادية واسعة. تحتاج طبقة روّاد الأعمال المتنامية في تونس إلى نظم حديثة للدفع، منها بطاقات ائتمان صالحة للاستخدام في الخارج وتطبيقات مثل Paypal، من أجل التعامل مع العملاء الأوروبيين في خدمات تكنولوجيا المعلومات والذكاء الاصطناعي. لكن المصرف المركزي لم يوافق مطلقًا على هذه الإصلاحات الجوهرية، والسبب على الأرجح هو أن الضوابط الشديدة التي يفرضها على تحويل العملات تمنح المصارف التونسية المتصلّبة الاستقرار على حساب النمو الاقتصادي.

كذلك تعترض عوائق عدة توسّع الأعمال والشركات، ما يولّد مخاطر قانونية يصطدم بها روّاد الأعمال، على غرار ما حدث مع صاحب مطعم معروف ألقت الشرطة القبض عليه مؤخرًا بسبب عدم حيازته ترخيصًا. أما السلطات الجمركية التي تعاني من البطء الشديد والتي غالبًا ما تترك الشحنات قابعة في الموانئ لأشهر عدة بانتظار تقاضي الرشاوى المناسبة، فيجب استبدالها بالكامل بإدارة جديدة قادرة على إنهاء الإجراءات وتخليص المعاملات لتفريغ الحاويات في غضون أسبوع أو أقل.

إذا طُلِب الكثير من تونس، فقد تتعرّض الديمقراطية المترنّحة في البلاد للخطر، وقد يؤدّي ذلك إلى اندلاع صدامات واسعة، وحتى إلى وقوع أعمال عنف فيما يتزاحم الأشخاص لكسب معيشتهم. لكن من شأن القيام بإصلاحات تستهدف الآليات التي تستخدمها النخبة في إعادة إنتاج نفوذها الاقتصادي أن يساهم في معالجة أوجه الظلم القائمة منذ وقت طويل، وفي تحفيز النمو الذي يشكّل حاجة ماسّة في البلاد.

 

روبرت كوبينك هو أستاذ مساعد للعلوم السياسية بجامعة نيويورك أبوظبي. كان زميلًا في مركز نيهاوس (Niehaus) للعولمة والحوكمة في جامعة برينستون. وهو مؤلف كتاب سيصدر قريباً من مطبعة جامعة كامبريدج بعنوان "جعل الديمقراطية آمنة للأعمال: سياسة الشركات بعد الانتفاضات العربية" (Making Democracy Safe for Business: Corporate Politics After the Arab Uprisings).

  حمزة مقري هو مستشار اقتصادي في مجموعة البنك الدولي لدراسة الفقر والمساواة التي تركز على منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وخريج برنامج فولبرايت في كلية ماكسويل للمواطنة والشؤون العامة بجامعة سيراكيوز.