يزداد الوضع الأمني في ليبيا سوءاً يوماً بعد يوم. وتكافح الحكومة المركزية، رغم مبادرات الإدماج الجديدة، للسيطرة على الجماعات المسلحة العديدة في البلاد، والتي يتجاوز حجمها وقوة نيرانها إلى حد كبير حجم وقوة نيران الجيش والشرطة النظاميين. وقد أنشأت الحكومة وهذه الجماعات، على حدّ سواء، العديد من الكيانات الأمنية الهجينة – أكبرها اللجان الأمنية العليا وقوة درع ليبيا – والتي تتسم بالحدود الغامضة والملتبسة للسلطة، وضعف الولاء للمركز، والنزوع نحو الاقتتال. ولكي تحقّق السلام الدائم وترسّخ عملية التحوّل الديمقراطي، على الحكومة الليبية، وبدعم دولي، بناء قطاع أمني شامل ومسؤول.

توصيات

  • الدفع باتجاه إجراء مصالحة سياسية، من خلال حوار وطني واسع يشمل جميع الفصائل والمناطق الليبية، ويضع أهدافاً واضحة ومحدّدة لتوحيد القطاع الأمني.
     
  • بناء هيكلية فعالة للقطاع الأمني ذات مجلس شبيه بمجلس الأمن القومي الأميركي لتنسيق مختلف الجهود الأمنية.

    •  تبسيط الوظائف الغامضة وسلطة القيادة الخاصة بوزارة الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة والحكام العسكريين.
       
  • إعادة التوازن إلى نظام موظفي الجيش، من خلال تنفيذ خطة تقاعد لتقليص كادر كبار الضباط المتضخم بشكل تدريجي، وتطوير صفوف الضباط الأعوان (ملازم ثان وملازم أول ونقيب) وضباط الصف.
     
  • رفع رواتب الجيش النظامي والشرطة كي تضاهي أو تتجاوز رواتب اللجان الأمنية العليا وقوة درع ليبيا.
     
  • بناء الحرس الوطني بوصفه قوة شاملة من المتطوعين تدمج عناصر اللجان الأمنية العليا وقوة درع ليبيا لمدة سنتين.

    • توضيح مهمة الحرس الوطني وحدود سلطته وتنويع عمليات التجنيد، وحلّ مسألة التعارض بين مسؤولياته ومسؤوليات الجيش النظامي.
       
    •  نقل معظم وظائفه للجيش وجعله قوة احتياطية بعد الفترة الانتقالية.
       
  • تعزيز عمليات التدريب الأميركي والدولي للجيش وقوات الشرطة الليبية.

    • فحص المجنّدين بعناية، والتأكيد على التدريب في مجال حقوق الإنسان، والإصرار على اتباع مسارين متوازيين للإصلاح المؤسّسي والحوار السياسي.
       
    • الامتناع عن منح إذنٍ لتمركز القوات أو إقامة وجود عسكري على التراب الليبي.

الاضطراب الأمني

بعد مرور أكثر من عامين على الثورة الليبية، تعاني البلاد من مجموعة مذهلة من الكوارث. فهناك حكومة مركزية ضعيفة تكافح لفرض سلطتها، وشهدت المنطقة الشرقية المضطربة دوامة من العنف المتفاقم. وتتيح الحدود التي يسهل اختراقها وتعاني من ضعف الحراسة إمكانية تنفيذ عمليات تهريب الأسلحة والاتجار غير المشروع وانتقال المسلحين عبر أفريقيا والشرق الأوسط. والقائمة تطول وتطول.

إضافة إلى كل ذلك، تعاني ليبيا من اضطراب أمني. وعادة مايُعزى ذلك إلى قوة واستقلالية الجماعات الثورية المسلحة في البلاد (تعرف في اللغة المحلية، اعتماداً على حجمها، بـ"الكتائب"، و"الألوية" و"السرايا") والضعف المقابل للجيش الرسمي والشرطة النظامية. بيد أن هذا التفسير يتجاهل حقيقة أن المشاكل المتعلقة بقطاع الأمن في ليبيا سياسية في الأساس ويجب أن تتم معالجتها من خلال مسار موازٍ من الحوار الوطني والشمولية، بدلاً من أن تحاول الحكومة المركزية احتكار استخدام القوة بسرعة.

تحتاج الحكومة الليبية إلى بناء قطاع أمني مسؤول وشامل. وسيحدّد المسار الذي تختاره، إلى حدّ كبير، ما إذا كان مستقبلها السياسي سيتجه نحو التشرذم والفتنة، والاستبداد العسكري والحكم السلطوي، أو نحو توازن سليم بين المدنيين والعسكريين يسهّل عملية التحوّل الديمقراطي. ويجب أن تتحمّل الحكومة الليبية الجزء الأكبر من عبء بناء قطاع أمني قوي، ولكن لايزال هناك الكثير مما يمكن أن يفعله أصدقاء ليبيا الدوليون، سواء الولايات المتحدة أو أوروبا أو بلدان العالم العربي، لدعم جهودها.

قطاع الأمن الهجين ومفكّك الأوصال

يعاني جهاز الأمن الليبي من حالة من الفوضى. وقد حاولت الحكومة المركزية بعد الثورة، من دون نجاح يُذكَر، إظهار درجة من السيطرة على العديد من الجماعات الثورية المسلحة في البلاد وتنظيمها. ونتيجة لهذا الجهد المتردّد، شُكِّلَت كيانات أمنية جديدة وهجينة تميّزت بوجود مجموعة من الجهات الفاعلة الرسمية وغير الرسمية، والحدود الملتبسة للسلطة، وضعف الولاء للحكومة المركزية. ومما يعقّد فعالية واستدامة هذا التنظيم الأمني الهجين التسلسل القيادي المشوّش، والخصومات والمنافسات الشخصية، والمهمات الفائضة عن الحاجة، والتنافس البيروقراطي على الموارد.

جرى دمج الغالبية العظمى من الجماعات المسلحة في ائتلافين هما اللجان الأمنية العليا وقوة درع ليبيا (التي أُسِّسَت كقوة درك انتقالية)، واللذان يحصلان على رواتبهما من وزارة الداخلية ورئيس هيئة الأركان ويخضعان إلى سلطتهما على التوالي. كما أصبحت قلّة لابأس بها من الجماعات جزءاً من جهاز الأمن الوقائي، وهو قوة لمكافحة التجسّس تخضع إلى رئيس الأركان، أو حرس الحدود (بما في ذلك منظمة شقيقة مسؤولة عن حراسة المنشآت الحيوية).

من الناحية النظرية، يفترض بهذه الوحدات، وخاصة اللجان الأمنية العليا وقوة درع ليبيا، أن تزيد عديد الجيش النظامي والشرطة. لكن الواقع يشير إلى أنها تعمل بدرجة عالية من الاستقلالية. ويسعى بعضها إلى تحقيق أجندات إيديولوجية وسياسية، في حين يتبنّى البعض الآخر وجهات نظر محلية وفردية وجرمية في بعض الأحيان. كانت هذه الديناميكية أكثر وضوحاً أثناء حصار الوزارات الحكومية من جانب عناصر من اللجان الأمنية العليا وقوة درع ليبيا في أيار/مايو 2013 لأن هذا الحدث تضمّن، وعلى نحو غير عادي، مشاركة عدد من مختلف الكيانات الأمنية والكتائب المحلية التي تعاونت لتحقيق هدف سياسي مشترك. طالبوا في البداية بإقرار مايُسمّى قانون العزل السياسي، وهو إجراء شامل من شأنه أن يحرم المسؤولين من عهد الزعيم المخلوع معمر القذافي من التوظيف الحكومي، وبعد ذلك بوقت قصير، دعوا إلى استقالة رئيس الوزراء علي زيدان.

أخذت وزارة الداخلية على عاتقها تنفيذ خطة لفحص أعضاء اللجان الأمنية العليا ونقلهم إلى قوات الشرطة. وكان من المفترض أن يكون قد تمّ حلّ اللجان الأمنية العليا الآن، لكن التقدّم كان متفاوتاً تبعاً لمكان تواجدها. ففي طرابلس، على سبيل المثال، عارضت بعض فروع اللجان الأمنية العليا عملية الدمج، في حين واصلت فروع أخرى الاشتباك مع رجال الشرطة والجماعات المسلحة الأخرى من منطقة الجبال الغربية. ولذا يمكن أن يُعزى الكثير من الصعوبات التي يواجهها البرنامج الانتقالي إلى عدم قدرة مرتبات الشرطة على المنافسة، وانعدام الثقة الدائم في وزارة الداخلية، والاختلافات الظاهرة على مستقبل برامج اللجان الأمنية العليا في مجال الاستخبارات ومكافحة المخدرات والسجون، وعدم وجود عملية حوار أوسع.

مثّلت هيئة شؤون المحاربين إنجازاً واعداً على صعيد الدمج، وقد أُنشِئَت في عهد إدارة عبد الرحيم الكيب الذي شغل منصب رئيس الوزراء المؤقّت للحكومة الليبية الانتقالية. وكانت الهيئة تهدف إلى تسجيل وقياس نوايا وطموحات مقاتلي الكتائب. لم تحظَ الهيئة سوى بقدر محدود من التعاون، ولاسيما من المجموعات الموجودة في مصراتة وطرابلس ومن وزارتَي الداخلية والدفاع.

مؤخّراً، تصوّر مكتب رئيس الوزراء علي زيدان الحرس الوطني على أنه وسيلة لإخضاع أفراد قوة درع ليبيا إلى مزيد من سيطرة الدولة الواضحة. تم تصوّر الحرس الوطني كقوة قوامها 35 ألفاً من المتطوعين، تأخذ على عاتقها القيام بعدد من مهام الشرطة الداخلية. وقد شُكِّلَت القوة لتكون مشروعاً مدّته سنتان ينطوي على نقل المجندين الراغبين إلى القوات المسلحة النظامية مع توفير فرص عمل لمَن لايرغبون. وفي نهاية فترة السنتين، يعود ماتبقّى من الحرس الوطني ليصبح قوة احتياطية. لكن يبدو أن أفراد الجماعات المسلحة الذين يرغبون في الحصول على وظائف أمنية، يفضّلون انتظار الإصلاح السياسي وإصلاح قطاع الأمن على الانضمام إلى كيان ثالث غامض كالحرس الوطني. ولأن خطة الحرس الوطني لاتتناول صراحة هذه الشواغل السياسية، فإنها تبدو وكأنها وضعت من دون إجراء مشاورات واسعة، فقد عارض البرلمان الليبي المنتخب والمؤتمر الوطني العام الخطة مراراً وتكراراً أو شكّكا فيها.

يعود امتلاك الجماعات المسلحة قدراً كبيراً من السلطة والضعف الشديد الذي يعاني منه قطاع الأمن في جزء منه، إلى الحالة المزرية لقوات الأمن النظامية. فالقوات المسلحة الليبية لاتزال التي عانت من الإهمال في فترة حكم القذافي، الذي كان يخشى من قدرتها على تدبير الانقلابات، سيئة التجهيز والتدريب، وتعاني من التضخّم وقلة الكفاءة في الرتب العليا. في بعض أنحاء البلاد، لايسيطر الجيش على منشآته الخاصة، ولايوجد تنسيق داخلي يذكر بين الكتائب المكوّنة له، كما أن الجهود المحلية لتجنيد القوات وتدريبها غير مكتملة وغير متناسقة. إضافة إلى ذلك، فإن علاقات القوات المسلحة مع قوات درع ليبيا والقوات شبه العسكرية الأخرى عدائية في كثير من الأحيان. وتعمل قوة الشرطة على نحو أفضل قليلاً، إلا أنها غير مجهزة للتعامل مع مهام حفظ الأمن الأكثر صعوبة وخطراً (مثل جهود مكافحة المخدرات).

استحوذت القوات المسلحة وقوات الشرطة على مكانة ثانوية، مقارنةً بقوة درع ليبيا واللجان الأمنية العليا والعديد من القوات شبه العسكرية الأخرى، وهو مايمثّل انعكاساً وتجسيداً ساخراً لطريقة التنظيم التي كانت قائمة في السنوات الأخيرة من حكم القذافي. فقد تنازلت قوات الجيش والشرطة آنذاك عن المهام التنفيذية، على التوالي، للكتائب الأمنية التي كان يقودها أبناء القذافي وجهاز الأمن الداخلي المسؤول أمام مكتب القذافي مباشرة.

وفي ماعدا الشبكة المربكة من هياكل القوة، تعاني المؤسسة الأمنية في ليبيا من أوجه عجز إداري وخيم. ففي ظل حكم القذافي، لم تكن وزارة الدفاع ومكتب رئيس الأركان يمتلكان قاعدة مؤسّسية واختصاصات للتوظيف والتعيين. وبسبب عدم وجود مثل هذا الإطار، يعتمد عمل هذه المؤسسات الآن اعتماداً كبيراً على السياسة الشخصية والصفقات السرية مع الجماعات المسلحة المختلفة. ولايوجد نظام لترشيد التوريدات، وتطوير القوات وتدريبها ونشرها.

وبسبب غياب توجّه استراتيجي وشفافية واضحة في تخصيص الموارد، أصبح الثوار في البلاد يشتبهون في أن قطاع الدفاع ووزارة الداخلية – إن لم يكن فروع أخرى من الحكومة مثل وزارة العدل – يعملون على استمرار مصالح من خدموا نظام القذافي. ويعتقد قادة الكتائب الثورية الذين يرغبون في بلورة مستقبل قطاعات الدفاع أو الشرطة أو الاستخبارات بأن الصفوف العليا في الجيش لايتركون لهم مجالاً لتولّي مناصب ذات تأثير. فهم لايرغبون في التخلّي عن نفوذهم، بينما لم يتم بعد إما تعريف العمليات والمؤسّسات السياسية الرئيسة في البلاد بشكل واضح (الدستور والبرلمان) أو أنها مختلّة ومتأخرة أو مشلولة بسبب حالة الجمود. من جانبهم، قاوم كبار ضباط الجيش عملية دمج الثوار، الذين يُعَدّون إما مسيّسين بشكل مفرط أو إسلاميين أو رعاعاً غير منضبطين.

إزاء هذه الخلفية، يحاول المجتمع الدولي تدريب الجنود الليبيين. وقد وقّعت دول عدة من منظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) اتفاقيات لتدريب قوة عسكرية جديدة ذات "أغراض عامة" قوامها حوالى 19500 عنصر. التزمت الولايات المتحدة بتدريب مابين 5 و8 آلاف جندي ليبي تحت إشراف "قيادة أفريقيا" التابعة للبنتاغون. ومع ذلك، لايزال ثمة مخاوف جدّية داخل الحكومة الأميركية حول الأدوار المحدّدة لمثل هذه القوة، والإشراف عليها وصلاحيات قيادتها، وعلاقتها مع الأجهزة الأمنية الأخرى، وربما الأهم من ذلك، درجة الدعم والتأييد التي ستحظى بها من الجماعات المسلحة والفصائل السياسية في ليبيا. إضافة إلى ذلك، ربما تدرّب الولايات المتحدة أيضاً وحدتَين بحجم سرية من القوات الخاصة الليبية.

كل هذا يشير إلى قطاع أمن ليبي يتّسم بالفوضى وفي حاجة ماسة إلى الإصلاح، إذا ما أُريدَ للدولة أن تستقرّ، ولعملية الانتقال الديمقراطي أن تترسّخ.

مقاربة جديدة

ينبغي على الحكومة الليبية، إذا ما أرادت أن تمضي قدماً، أن تعمل على تدريب المؤسّسات الأمنية للدولة وتجهيزها وإصلاحها، والتغلّب على الشعور بارتباطها بالنظام السابق. ويجب أن تسرّح وتنزع سلاح العناصر التي لايمكن دمجها في كيان موحّد، من دون التسبّب في حدوث استقطاب في قطاع الأمن مفكّك الأوصال بالفعل. ولكي تحقّق ليبيا سلاماً دائماً، يجب أن يتحرّك هذان المساران بصورة منسّقة ومتناغمة بدلاً من العمل واحدهما ضدّ الآخر بطريقة الفوز على حساب الآخرين (لاغالب ولامغلوب).

حتى الآن، اتّبع المجتمع الدولي في ليبيا بعد الثورة فلسفة السماح لليبيين بقيادة مستقبل بلدهم وبلورته، ولم يمدّ لهم يد المساعدة إلا عندما طلبت منه ذلك السلطة السياسية المُعترَف بها. لهذا السبب، ينبغي على الحكومة الليبية أن تكون في المقدمة. وفي الوقت نفسه، يزداد عدد الهيئات الدولية والوطنية التي تقترح دعم إصلاح قطاع الأمن الليبي، لكن لم يجرِ إلى الآن الانتهاء من البتّ في بعض مهام التفويض والدعم الخاصة بها. ولذا فإن المطلوب الآن أكثر من أي وقت مضى هو اتباع مقاربة منسّقة بين جميع الجهات الفاعلة المعنية في بناء قطاع الأمن في ليبيا.

الدفع باتجاه المصالحة السياسية

تنفيذ برنامج حوار وطني يحدد أهدافاً محدّدة بوضوح ترتبط بتوحيد قطاع الدفاع والأمن. يجب أن يفضي هذا البرنامج، الذي تشتدّ الحاجة إليه، إلى اتفاق بشأن الالتزام بإصلاح الجيش الليبي وتوحيده، فضلاً عن قطاعَي وزارة الداخلية والاستخبارات. وينبغي أن يشمل مراجعة شفافة ومفتوحة لسجلات الخدمة الخاصة بمَن خدموا نظام القذافي خلال ثورة العام 2011، وإن أمكن، تحديد "خارطة طريق" واضحة لحلّ التشكيلات المسلحة المؤقتة. ويمكن الرجوع إلى البلدان التي تمتلك خبرات مماثلة، مثل جنوب أفريقيا – والهيئات الدولية مثل بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا – للحصول على المشورة والدعم.

بناء هيكلية قطاع أمني فعّال

إنجاز كتاب أبيض للدفاع يعدّ هيكلية للأمن القومي، مع التركيز خصوصاً على تشكيل هيئة شبيهة بمجلس الأمن القومي الأميركي من شأنها تنسيق الجهود المختلفة. هذه الوثيقة التأسيسية ضرورية لتحديد السلطات وحدود المسؤولية بين الوزارات والقطاع الأمني. ففي الوقت الحالي، تسعى الوزارات والمؤسّسات الأمنية إلى إنجاز البرامج الخاصة بها في مجالات تطوير القوة والتدريب والتوريد ودمج الجماعات المسلحة. وحتى داخل الوزارة الواحدة، ثمّة منافسة وتداخل بين مختلف الإدارات. ومن شأن هيئة مماثلة لمجلس الأمن القومي الأميركي، تشمل التخطيط والاتصال ووظائف التنسيق، أن تفعل الكثير لتدارك هذا الخلل.

تنظيم وتحديث الوظائف الغامضة وسلطة القيادة التي تمتلكها وزارة الدفاع ورئيس هيئة الأركان العامة والحكام العسكريون. فلايزال هناك قدر كبير من الخلط بشأن السلطات والصلاحيات التي يمتلكها أي من هذه الكيانات. ويجب أن يتم إصدار تشريعات واضحة بشأن هذه الفروق. 

تفكيك جهاز الأمن الوقائي والعناصر الرافضة من اللجان الأمنية العليا ونقل وظائفهم إلى الشرطة وأجهزة الاستخبارات. جهاز الأمن الوقائي هو من بقايا حقبة الثورة ويكرّر الوظائف التي ينبغي أن تؤدّيها في العادة أجهزة الشرطة والاستخبارات. ينبغي تفكيك الجهاز ونقل أعضاء مختارين منه إلى قوات الشرطة والاستخبارات بعد إجراء فحص شامل لهم. وبالمثل، فإن اللجان الأمنية العيا لم تَعُد مجديةً وينبغي تفكيكها.

إعادة التوازن إلى نظام شؤون الموظفين في الجيش وترشيد جدول الرواتب

تنشيط هيئة شؤون المحاربين وتمويلها في إطار هيئة جديدة شاملة سياسياً تدعم جهود إصلاح القطاع الأمني ببيانات دقيقة. مثّلت هيئة شؤون المحاربين الجهد الأكثر قوة في عملية جمع البيانات التي بدأت في ليبيا بعد الثورة. الأهم من ذلك هو أن المعلومات التي تمّ جمعها حول نوايا مقاتلي الكتائب يمكن تقاسمها مع الزعماء الليبيين والشركاء الدوليين للاسترشاد بها ودعم عملية صنع السياسات. وثمة حاجة ماسة إلى هيئة شؤون محاربين جديدة أو متجدّدة، وينبغي أن تكون مرتبطة بشكل واضح بقيد الرواتب واستلام الراتب للمساعدة في الحيلولة دون انسحاب الكتائب منها، كما فعلت في الماضي.

معظم الليبيين الذين يخدمون في ألوية غير نظامية اليوم إما لايرغبون في شغل وظائف في الجيش أو في السياسة، وإما يفتقرون إلى الانضباط لشغلها. ومن المرجّح أن تتغيّر تطلّعاتهم ونواياهم مع مرور الوقت. ولايمكن النظر في اتخاذ تدابير أكثر تحديداً مثل برامج التدريب المهني إلا من خلال القيام ببحوث منتظمة وشاملة في هذا المجال، وفي نهاية المطاف، ينبغي دعم هذه البرامج.

تنفيذ خطة للتقاعد بهدف تقليص الرتب العسكرية المتضخّمة تدريجياً، مع التركيز على تطوير رتب الضباط الأعوان (ملازم ثاني وملازم أول ونقيب) وضباط الصف. فهناك الكثير من الألوية والعقداء وعدد غير كافٍ من النقباء والملازمين وضباط الصف في القوات المسلحة الليبية. وينبغي أن يجري التركيز على تحرير عملية منح المساكن لأصحاب الرتب العليا لتسهيل الترقيات في صفوف القوات واستمالة كبار القادة من الجماعات الثورية.

وقف الجهود الرامية إلى تطهير القوات المسلحة من الضباط المتمرّسين في عهد القذافي. تمثّل هيئة النزاهة العسكرية وإصلاح الجيش الليبي التي يرأسها مكتب رئيس الأركان عملية شديدة وشاملة لتخليص القوات المسلحة الليبية من الضباط المشتبه في دعمهم الجهود العسكرية لنظام القذافي خلال صراع العام 2011. فهي تبعد بشكل فعّال الضباط فوق رتبة عقيد، وبذلك فهي تحرم الجيش من الخبرات التي هو في أشد الحاجة إليها. إضافة إلى ذلك، يمكن أن يترتّب على عملية التطهير عدد من الآثار الاجتماعية غير المنظورة. فكبار ضباط الجيش يتحدّرون من القبائل البارزة، ويمكن أن يؤدّي تأثير فصلهم إلى زعزعة استقرار البلاد. لذا ينبغي معالجة المخاوف السياسية التي أدّت إلى تشكيل الهيئة في إطار حوار وطني.

إصلاح إدارة الرواتب في قطاع الدفاع وإعادة تنظيمها. دُفِعَت رواتب أفراد الكتائب عموماً بشيكات جرى تحريرها بأسماء قادة مجموعاتهم. حتى الآن، يشكو العديد من المقاتلين من تأخّر الدفعات، في حين سجّل آخرون أسماءهم مرّتين أو ثلاث مرات في كيانات أمنية أخرى. ولذا لايمكن التأكد بدقّة من الحجم الحقيقي لمهمة الدمج أو التسريح التي تنتظر قطاع الدفاع حتى يتم تنفيذ عملية إصلاح الرواتب.

رفع رواتب الجيش النظامي والشرطة لتضاهي أو تزيد عن رواتب عناصر اللجان الأمنية العليا، ودرع ليبيا. تُعَدّ هذه الخطوة حاسمة لجذب الشبان الذين يعملون حالياً في الجماعات الثورية المسلحة. وفي حالة اللجان الأمنية العليا، فإن رواتب عناصرها تعادل ضعف الرواتب التي تدفع للشرطة العادية. وإلى أن تُحَلّ مشكلة الرواتب، ستبقى جهود وزارة الداخلية لتفكيك اللجان الأمنية العليا محبطة وفي وضع حرج. وبالمثل، فإن جدول أجور الجيش الليبي يتضاءل بالمقارنة مع جدول أجور قوة درع ليبيا، الأمر الذي يجعل من الصعب اجتذاب مجنّدين من ذوي النوعية الجيدة.

بناء الحرس الوطني كقوة انتقالية شاملة

تنفيذ برنامج الحرس الوطني. في ظلذ الظروف الراهنة، يمثّل الحرس الوطني الخيار الأكثر جدوى لجلب الجماعات الثورية المسلحة تدريجياً إلى مؤسّسات الدفاع الرسمية، ولكن يجب أن يكون ذلك مصحوباً بحوار وطني واسع النطاق وجهود لبناء جيش نظامي.

توضيح دور الحرس الوطني وحدود سلطته، وتنويع عمليات التجنيد فيه، وإنهاء التعارض بين مسؤولياته ومسؤوليات الجيش النظامي. لم تُحدَّد قط مهمة الحرس الوطني وسلسلة قيادته وتكوينه بصورة كاملة، الأمر الذي يجعله مصدراً للجدل السياسي الساخن. فقد توخّت الصيغ المختلفة للخطة الخاصة بالحرس الوطني أن يقوم بأدوار مختلفة من عمليات حراسة المنشآت الاستراتيجية إلى تولّي مسؤوليات أوسع تشبه مسؤوليات الدرك بشأن السيطرة على الحدود وضبط الأمن الداخلي. ونصّت أحدث خطة على أن يكون الحرس الوطني مسؤولاً أمام مكتب رئيس الوزراء، في حين يرغب الثوار في أن يكون تحت سيطرة المؤتمر الوطني العام خلال الفترة الانتقالية، ومن ثم تحت إشراف وزارة الدفاع. وبهدف استقطاب دعم الثوار، يجب توضيح هذه المسائل، مع إيلاء اهتمام خاص للإشراف المدني من جانب المؤتمر الوطني العام. ولكي يتحقق النجاح في توحيد قطاع الأمن مفكّك الأوصال، يجب تنويع احتياجات التجنيد لضمان أن يكون الحرس الوطني مؤلّفاً من ضباط محترفين من الجيش ومقاتلين ثوريين على حدّ سواء، بصرف النظر عن خلفيّاتهم العسكرية الرسمية.

وضع خريطة طريق لقطاع الأمن جنباً إلى جنب مع إقرار قانون لتشكيل الحرس الوطني من شأنه انتزاع الدعم من اللجان الأمنية العليا والجيش النظامي ودرع ليبيا. يقترح بعض قادة قوة درع ليبيا بدائلهم الخاصة للحرس الوطني، وأثناء كتابة هذا التقرير، رفض المؤتمر الوطني العام مشروع قانون لتنظيم القوة. ويعارض الخطة أيضاً ضباط الجيش النظامي، بما في ذلك القائم الحالي بأعمال رئيس هيئة الأركان، الذي يعتبره منافساً للجيش. ويخشى الكثيرون من أن يكون الحرس الوطني مجرّد وسيلة لتجنّب معالجة المسألة الأكثر إلحاحاً المتمثّلة بإصلاح الجيش وتقليص الرتب العليا المتضخّمة فيه، وتطبيق قانون العزل السياسي على القوات المسلحة، والتحقيق بنزاهة سجلات مَن خدموا في الجيش أثناء صراع العام 2011.

لايمكن التصدّي لهذه الشواغل إلا في سياق خريطة طريق تظهر بوضوح كيف يرتبط تشكيل الحرس الوطني ومصيره النهائي بالقضايا الأوسع لإصلاح قطاع الأمن والعدالة الانتقالية، ربما في سياق حوار وطني. ولكي يتم ضمان الحصول على الدعم والتأييد، يجب توضيح أدوار ومسؤوليات الحرس الوطني جنباً إلى جنب مع أدوار ومسؤوليات الشرطة وحرس الحدود والجيش النظامي لتجنب خلق "جيش موازٍ".

تعزيز عمليات التدريب الدولية لقوات الأمن الليبية

تنفيذ نشاط استشاري في وزارة الدفاع. يمكن للولايات المتحدة على وجه الخصوص بذل المزيد من الجهد لوضع مستشارين في وزارة الدفاع الليبية ومكتب رئيس الأركان، يمكنهم أن يرشدوا طاقم الموظفين الليبيين ويتشاوروا معهم. وتشمل المجالات ذات الأولوية مهام التوظيف الرئيسة التي كانت مهملة إلى حدّ كبير من جانب القذافي، مثل الميزانية والتخطيط والتجنيد.

أما الوسيلة الممكنة لتحقيق هذا الهدف فهي "مبادرة إصلاح مؤسسة الدفاع"، وهي برنامج تابع لوزارة الدفاع الأميركية مصمم لمساعدة البلدان الشريكة في بناء مؤسّسات دفاعية مسؤولة وشفافة. وكان برنامج ناشئ في إطار هذه المبادرة ينشط في ليبيا، ولكن أُجِّل بعد هجوم أيلول/سبتمبر 2011 على البعثة الدبلوماسية الأميركية في مدينة بنغازي بشرق ليبيا. يجب إعادة تشغيل البرنامج وتعزيزه من خلال برنامج مستشاري وزارة الدفاع، وهو مبادرة منفصلة طُبِّقَت في العراق وأفغانستان.

المساعدة في تدريب الجيش الليبي، ولكن مع الإصرار على إجراء فحص دقيق للمجنّدين، والتدريب على حقوق الإنسان وإيجاد مسارات موازية للإصلاح المؤسّسي وتسريح الجماعات المسلحة والحوار السياسي. نظراً إلى ندرة الضباط من ذوي الرتب الصغيرة والمتوسطة وضباط الصف في القوات المسلحة الليبية، سوف تضطر الولايات المتحدة، كجزء من جهودها في مجال التدريب، إلى إعطاء الأولوية لتحديد الأفراد ممَّن يتمتّعون بالموهبة وإمكانات القيادة كي يخضعوا إلى عمليات تدريب سريع للضباط؛ وبحكم الضرورة، ينبغي أن يُستمَدَّ بعض هؤلاء الأفراد من الجماعات الثورية المسلحة. وستحتاج الولايات المتحدة أيضاً إلى الإصرار على وجود حدود واضحة لآليات القيادة والرقابة المدنية لضمان ألا يسيطر فصيل سياسي أو فرد معيّن على القوة.

تشكيل كتائب مختلطة تماماً تتمتّع بروح وطنية للعمل الجماعي. يعاني الجيش النظامي وقوة درع ليبيا واللجان الأمنية العليا وحرس الحدود جميعاً من عدم وجود أعداد كافية من القوات المختلطة. إذ يتم تزويد الكثير من كتائب الجيش بشباب من منطقة واحدة بعينها، الأمر الذي يقلّل من جاذبية الجيش باعتباره قوة وطنية شاملة حقاً. ففي قوة درع ليبيا، أدّت عمليات تجنيد كتائب بأكملها بدلاً من تجنيد الأفراد إلى تعزيز الانقسام الداخلي والمنافسة وعرقلة الشفافية، وأضعفت القيادة والسيطرة الداخلية.

يجب أن تدمج خطة استراتيجية منسّقة مركزياً، يتولّى رئيس هيئة الأركان إدارتها وتوجيهها، المجنّدين والمشاركين الجدد في برامج التدريب الدولية، بهدف تلطيف الولاءات للقبيلة أو المنطقة أو الفصيل السياسي. وينبغي النظر بعناية في الدروس المستفادة من تشكيل الجيش في الدول الخارجة من نزاعات ضروس مثل لبنان.

الامتناع عن منح إذن لتمركز أي قوات أو إقامة أي وجود عسكري على التراب الليبي. ينبغي أن تتم عمليات تدريب وتوجيه القوات الليبية من جانب القوات الأجنبية والمتعاقدين خارج ليبيا.

زيادة عدد الموظفين في مكتب التعاون الأمني في السفارة الأميركية. يجب أن تتم إدارة عمليات التدقيق والتنسيق الأميركية الخاصة بالتدريب من هذا المكتب لتجنّب زيادة حجم التواجد الأميركي في ليبيا. وهذه ليست مجرد مسألة حماية قوة، ولكن من الضروري تجنّب تغذية الشائعات واسعة الانتشار في البلاد، والتي تقول بأن الولايات المتحدة تسعى إلى استخدام ليبيا منصةً لعمليات مكافحة الإرهاب في شمال أفريقيا.

دعم برامج التعليم والتدريب العسكري الدولية في ليبيا، إذ تُعَدّ هذه البرامج أداةً قيّمةً لبناء قدرات الضباط من ذوي المستوى الرفيع والمتوسط في ليبيا. وينبغي توسيع نطاق البرامج لمراعاة الحاجة إلى تدريب جيل جديد من القادة الليبيين. ويجب أن تكون الأولوية للمجالات التي أهملت لفترة طويلة في ظل حكم القذافي: التخطيط الاستراتيجي والعقيدة والعلاقات المدنية – العسكرية ومهام الموظفين الأساسية.

مستقبل سلمي وديمقراطي

صحيح أن التدهور الأمني في ليبيا هائل، إلا أنه ليس أمراً لايمكن الرجوع عنه. يحتاج هذا البلد ليمضي قدماً في عملية التحوّل الديمقراطي، إلى بناء مؤسّسات أمنية شاملة وخاضعة إلى المساءلة وشفافة.

ويتطلّب القيام بذلك فهماً دقيقاً للجذور السياسية للمشكلات الأمنية في البلاد وخريطة طريق فعّالة لتنظيم قطاع الأمن مفكّك الأوصال، وإضفاء الطابع الرسمي عليه. وهذه مهمة يجب أن يضطلع بها الليبيون أنفسهم في نهاية المطاف، لكنها أيضاً مهمة يستطيع المجتمع الدولي أن يفعل المزيد للمساعدة في إنجازها، وينبغي عليه ذلك.