خلال الربيع العربي، ابتعدت قطر عن دورها التقليدي في السياسة الخارجية باعتبارها وسيطاً دبلوماسيّاً، لقبول التغيير في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا ودعم الدول التي تمرّ بمراحل انتقالية. رأى اللاعبون الإقليميّون أن قطر تبالغ في مقاربتها، وازداد التشكيك في دوافع الدوحة السياسية. تتأقلم القيادة القطرية الجديدة، التي استلمت سدة الحكم في حزيران/يونيو 2013، مع هذا الواقع عبر العودة إلى اعتماد سياسة خارجية أكثر براغماتيكية، ومعالجة تداعيات دعمها للحركات الإسلامية في المنطقة.>

صعود قطر وردّ الفعل الإقليمي العنيف

  • يرتبط استقرار قطر السياسي وثروتها الاقتصادية بالإخوان المسلمين، وقد منحتها سمعتها الدولية كوسيط الثقةَ لتأدية دور تدخّلي خلال الربيع العربي.
     
  • أيدت القيادة قوى سياسية إسلامية صاعدة في البلدان التي تمرّ في مراحل انتقالية، وقادت الردود الإقليمية تجاه الاضطرابات في ليبيا وسورية، تحت شعار البحث عن حلول عربية للمشاكل العربية.
     
  • كان هناك عدم تطابق بين نوايا القيادة القطرية وبين قدرات قطر الدبلوماسية والبيروقراطية: افتقرت قطر إلى الموارد الإدارية والميدانية لاستخدام نفوذها من أجل تحقيق نتائج ملموسة.
     
  • واجه الأمير الجديد، الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، ضغوطاً متنامية من جانب المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة لمعاكسة دعم أسلافه للإخوان المسلمين وفروعها المحلية في الدول التي تمرّ بمراحل انتقالية.

العودة إلى الأصول

  • ميزة قطر النسبية في الوساطة هي قدرتها على التوسّط في المفاوضات غير المباشرة واتصالات القنوات الخلفية بين أعداء لدودين، وعلى تحقيق التوازن في العلاقات بين مجموعة من الخصوم الذين تجمعهم عداوة متبادلة.
     
  • أي عودة إلى سياسة الدبلوماسية الهادئة في الغرف المغلقة ستعزز رصيد قطر باعتبارها محاورة فعالة بين أطراف متنازعة يصعب عليها المشاركة في حوار مباشر. يمكن أن تؤدّي قطر دوراً بارزاً كقناة خلفية للتوسّط بين مجموعات قد يعجز المسؤولون الأميركيون عن الوصول إليها مباشرة، إلّا أن مشاركتها في العمليات السياسية بنّاءة.
     
  • مع أن قطر على الأرجح لن تستعيد بالكامل سمعتها ماقبل الربيع العربي كوسيط دبلوماسي، ينبغي على المسؤولين الأميركيين والقطريين أن ينظروا في كيفية المشاركة بشكل منتج في مجموعة من القضايا الشائكة، مثل الحوار مع إيران حول الملف النووي، والاستقرار السياسي في أفغانستان عقب انسحاب القوات الدولية في العام 2014، والمحادثات مع المجموعات الإسلامية في سورية ومصر، إضافة إلى الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني.
     
  • لاستعادة سمعتها كوسيط وللتغلّب على قدرتها المؤسسية المحدودة، قد تحتاج الدوحة إلى اتخاذ خطوة إلى الوراء والسماح للآخرين بقيادة الدفة – وهو أمر قد لاترغب القيادة القطرية في القيام به.

مقدمة

لعبت قطر دوراً حيوياً في الأشهر الأولى الصاخبة من الربيع العربي. إذ هي بلورت، عبر شبكة الجزيرة الفضائية، سرديات الاحتجاج البازغة، كما أنها عبأت الدعم العربي، بداية لصالح التدخّل الدولي في ليبيا في آذار/مارس 2011، ثم لاحقاً لفرض العزل الدبلوماسي على نظام بشار الأسد في سورية. وفي خضم مرحلة من الغموض والشكوك، قدّمت قطر صورة لبلد مستقر ومزدهر، حتى حين تمدّدت الاحتجاجات إلى دول مجلس التعاون الخليجي.

علاوة على تعزيزه وتمليعه صورة قطر في أنحاء العالم، أشاع هذا الاستقرار الثقة في صدور قادة البلاد – الأمير حمد بن خليفة آل ثاني ورئيس الوزراء حمد بن جاسم آل ثاني- وحفّزهم على دعم قوى الإسلام السياسي الصاعدة في الدول التي تمرّ في مراحل انتقالية، وأيضاً على تزعم التفاعل الإقليمي مع الانتفاضة في ليبيا وسورية تحت شعار السعي إلى إيجاد حلول عربية للمشاكل العربية.

في خضم مرحلة من الغموض والشكوك، قدّمت قطر صورة لبلد مستقر ومزدهر، حتى حين تمدّدت الاحتجاجات إلى دول مجلس التعاون الخليجي.

امتلكت قطر، على وجه الخصوص، القدرة على تحويل الكلمات إلى أفعال، لأنها تسنّمت الرئاسة الدورية للجامعة العربية في الفترة 2011-2012، وشعرت براحة أكبر من الدول المجاورة إزاء رياح التغيير السسياسي في الدول التي لفح وجهها الربيع العربي. مثل هذه السياسات توّجت عقداً ونصف العقد من السياسة الخارجية القطرية. ففي السنوات التي سبقت الربيع العربي، راكم قادة قطر شهرة متنامية بوصفهم وسطاء دائمين، بهدف توفير مساحة ومكانة لهم في الدبلوماسية الإقليمية.1 إضافة إلى ذلك، مكّن القرار بعيد النظر، الذي اتُّخِذ في أوائل التسعينيات لبناء البُنى التحتية للطاقة، قطر من مراكمة وإطلاق أشكال معتبرة من القوة الناعمة. فالعقود طويلة الأمد الخاصة بالغاز الطبيعي المسال، ربطت حاجات الشركاء الخارجيين إلى أمن الطاقة بالاستقرار الداخلي في قطر، هذا في حين كانت تُستثمَر تراكمات ضخمة من الرساميل في كلٍّ من قطر والخارج في شكل استحواذات لها رنين واستثمارات تجذب الانتباه. وقد سمحت العقود طويلة الأمد لقطر بتنويع علاقاتها الدولية، من خلال جعل مروحة من البلدان لها مصلحة في الاستقرار القطري. وشكّل تقاطع هذه العوامل والتوجّهات أُسُس صعود قطر كقوة إقليمية ذي باعٍ دوليٍّ منذ العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، وأضفى الواقعية على الزعم بأنها أحد مراكز الشرق الأوسط الجديد.

بيد أن النجاح الأوّلي لقطر في تشكيل التفاعل الإقليمي مع الانتفاضات، لم يكن مقدَّراً له أن يستمر. فمع تباطؤ عمليات التغيير في العالم العربي، بدأ أمير قطر الجديد الشيخ تميم بن حمد آل ثاني يواجه مروحةً مختلفةً من التحديات لم يعاينها سلفه، خصوصاً بعد إعادة تثيبت السلطوية في مصر على إثر إطاحة حكم الإخوان في تموز/يوليو 2013. وفي ضوء الحملة المتواصلة التي شنّتها السعودية والإمارات العربية المتحدة لتقويض جماعة الإخوان المسلمين في مصر مع تفرّعاتها الإقليمية، تمّ وضع الدعم القطري لإخوان مصر تحت الرقابة المكثّفة في الرياض وأبو ظبي. وتواجه حكومة قطر الجديدة الآن المهمة الصعبة المتعلقة بتخفيف دعم الحكومة السابقة العلني للإسلام السياسي، وفي الوقت نفسه إعادة تحديد طبيعة انخراطها مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

صحيح أن النخب الجديدة في قطر تقول إن شيئاً لم يتغيّر في أعقاب إطاحة الحكومة المدعومة من الإخوان في مصر، إلا أن سلوكها على المسرح العالمي بعد حزيران/يونيو 2013 يشي بعودةٍ إلى مقاربات أكثر حذراً في المنطقة. فقد سعى الأمير تميم إلى موازنة عملية الحفاظ على استقلالية قطر في صنع القرار، مع اتخاذ إجراءات حصيفة لبناء الثقة التي لايزال يتعيّن عليها تهدئة روع وقلق زميلاتها في مجلس التعاون الخليجي.

تواجه حكومة قطر الجديدة الآن المهمة الصعبة المتعلقة بتخفيف دعم الحكومة السابقة العلني للإسلام السياسي، وفي الوقت نفسه إعادة تحديد طبيعة انخراطها مع الشركاء الإقليميين والدوليين.

وهكذا، وفي حين أن القيادة القطرية في ظل الأمير تميم عدّلت تكتيكاتها، إلا أن الحكومة لاتزال تواجه ردود فعل مضادّة على سياساتها إزاء الربيع العربي. وإذا ما أرادت قطر تجاوز إرث الربيع العربي واستعادة سمعتها كوسيط ودبلوماسي، فسيكون عليها أيضاً التخلّي عن القيادة الإقليمية، والعمل بدلاً من ذلك كمسهّل للحوار والمفاوضات الهادئة بين الأطراف التي لاتستطيع الانخراط في اتصالات مباشرة مع بعضها البعض. وهذا يوفّر فرصاً جديدة للتعاون الأميركي مع قطر، فيما تدخل عمليات الانتقال السياسي عبر الشرق الأوسط وشمال إفريقيا مرحلة جديدة ملتهبة وعصية على التنبؤ.

سياق الصعود القطري

يعود صعود قطر إلى مواقع الأهمية الدولية إلى امتلاكها ثلث أكبر احتياطي في العالم من الغاز الطبيعي المسال، وإلى استخدامها سياسات صُمِّمت لتفعيل هذا الاحتياطي. هذه السياسات ُطوِّرت ونُفِّذت إبان عهد الأمير حمد (1995- 2013) ووزير خارجيته (ورئيس الوزراء بين 2007 و2013) النابض بالحيوية الشيخ حمد بن جاسم. فقد برز هذان الرجلان كمهندسَي استراتيجية التدويل الجريئة التي وضعت قطر على الخريطة بوصفها لاعباً إقليمياً ديناميكياً. كما عكست الخطوات التي اتّخذاها مروحةً من التوجّهات العميقة التي تكمن في أساس السياسات الأمنية والخارجية القطرية, أبرزها التحديات المتعلقة بضمان الاستقرار في منطقة ملتهبة، ومواجهة نقاط الضعف الكامنة في دولة صغيرة محاطة بجيران أكبر وأكثر قوة.

جوهر أمن الطاقة القطري

صعود قطر المثير إلى المواقع البارزة يعود إلى حدّ كبير إلى احتياطي الغاز الطبيعي المسال. إذ تبنّت البلاد سياسة خارجية نشطة وحاولت نسج توازن بين مصالح متنافسة، بسبب حاجتها إلى حماية أمن هذا المورد الطبيعي.

لقد أنفقت قطر أكثر من 120 مليار دولار على البُنى التحتية للغاز المسال، غالبيتها كديون من المصارف وشركاء صناعيين كأكسون موبل.2 أول شحنة من الغاز المسال تمّت العام 1995. وبحلول العام 2006، كانت قطر قد تجاوزت إندونيسيا كأكبر مصدّر للغاز الطبيعي المسال في العالم. وفي كانون الثاني/يناير 2010، وصل الإنتاج إلى الهدف الحكومي الإنمائي وهو 77 مليون طن في السنة. وحينها كانت قطر تحوز على مابين 25 إلى 30 في المئة من الصادرات العالمية للغاز الطبيعي المسال.3 

منحت ثروات الموارد الضخمة هذه، جنباً إلى جنب مع الحجم الصغير لعدد السكان الأصليين، المسؤولين القطريين فسحة واسعة من حرية المناورة، وحرّر الإمارة من الضغوط الاجتماعية-الاقتصادية التي يعاني منها جيرانها الأكبر في المنطقة. ومع الوقت، ترجم هذا نفسه في شكل مخزون مهم من القوة الناعمة، وعزّز شهرة قطر الدولية.

تزويد قطر للمملكة المتحدة والصين بالغاز، يُظهِر بشكل جليّ المدى الذي طوّرت فيه قطر علاقات الاعتماد المتبادل مع شركائها حول العالم. بدأ شحن الغاز الطبيعي المسال عبر السفن من مدينة رأس لفان الصناعية القطرية إلى محطة ساوث هوك في ميلفورد هافن في الويلز، في آذار/مارس 2009. ومع حلول العام 2011، كانت المملكة المتحدة قد أصبحت مُعتمِدة بشكل كبير على واردات الغاز القطري لتلبية احتياجاتها من الطاقة المحلية.4  وبالمثل، وقَّعت شركة قطر للغاز في العام 2009 اتفاقيةً لمدة 25 سنة لبيع 5 ملايين طن من الغاز الطبيعي المسال في العام إلى كلٍّ من شركة China National offshore corporation (CNOOC) وشركة Petrochina. وقد أوضح فو تشنغيو ، Fu Chengyu، رئيس شركة CNOOC، أهمية هذه الرابطة بعيدة المدى، حين لاحظ كيف أن الصين "يمكنها ضمان وجود سوق يعتدّ به إلى أمد طويل لقطر، فيما يكون في وسع قطر أن تكون مزوّداً مستقراً للطاقة للسوق الصينية".5 

منحت ثروات الموارد الضخمة هذه، جنباً إلى جنب مع الحجم الصغير لعدد السكان الأصليين، المسؤولين القطريين فسحة واسعة من حرية المناورة، وحرّر الإمارة من الضغوط الاجتماعية-الاقتصادية التي يعاني منها جيرانها الأكبر في المنطقة.

علاوة على خلق روابط مستدامة مع الاقتصادات الصناعية والناشئة، سعى أمير قطر ورئيس الوزراء إلى إقامة توازن دقيق في العلاقات الإقليمية والخارجية. إذ أن إرث تعبئة المجتمع الدولي ردّاً على الغزو العراقي للكويت العام 1990، ترك بصماته واضحةً على تفكير حكام قطر، وفي الواقع في عقول كل قادة الخليج. فعلى الرغم من أن الروابط الأمنية الوثيقة مع واشنطن عنت، بدايةً، اعتماداً كبيراً على راعٍ واحد – الولايات المتحدة – لضمان الأمن الخارجي (أساساً من خلال بناء قاعدة العديد الجوية واستقبال القيادة المركزية الأميركية بعد العام 2003)، إلا أن تطوير قطر لإنتاجها من الغاز الطبيعي مكنّها من تنويع علاقاتها. فبسبب أهمية الغاز الطبيعي القطري بالنسبة إلى أمن الطاقة في بلدان عدة حول العالم من خلال اتفاقات بعيدة المدى، بات للعديد من اللاعبين الخارجيين مصلحة في الأمن القطري والاستقرار الإقليمي. كما أن تحرُّك قطر كي تكون على رادار عملية صنع القرار الإقليمي والدولي، جاء بعد فترة من الاحتكاكات الكبيرة والتوتّرات الحدودية مع السعودية في أوائل التسعينيات.6 

فتح كوّة إقليمية كوسيط

تحوّلت الوساطة الدبلوماسية إلى عنصر رئيس من عناصر السياسية الإقليمية المستقلة والتجديدية لقطر، ماميّزها عن جيرانها في كلٍّ من الخليج ومنطقة الشرق الأوسط ككلّ. وهذه الوساطة باتت مَعلَماً بارزاً في الدستور القطري الذي أُقِرّ في نيسان/إبريل 2003، حيث نصّت المادة السابعة على وجه الخصوص على أن السياسة الخارجية القطرية "تقوم على مبدأ توطيد السلم والأمن الدوليَّين، عن طريق تشجيع فضّ المنازعات الدولية بالطرق السلمية".

وقد عكس وضع مبدأ الوساطة في قلب أهداف السياسة الخارجية القطرية كلاًّ من خصوصية دوافع القيادة القطرية وإداركها بأن مثل هذه الخطوة توفّر فرصة للدفاع بشجاعة عن استقلالية البلاد على المسرحَين الإقليمي والدولي.7   وبسطَ الأمير الأُسُس المنطقية لهذا التوجّه في أيلول/سبتمبر 2007، حين أبلغ الجمعية العامة للأمم المتحدة بأن "النزاعات الرئيسة في العالم أصبحت كبيرة للغاية بحيث لاتستطيع دولة واحدة معالجتها بنفسها".8  أما الأمثلة الأكثر بروزاً عن الوساطات القطرية فكانت في اليمن (2008-2010) ولبنان (2008) ودارفور (2008-2010).9 كما عملت الدوحة كذلك على حلّ نزاعات بين السودان وتشاد (في 2009)،10 وبين جيبوتي وأريتريا ( في 2010).11 

وخلال الفترة التي سبقت مباشرة الربيع العربي، تميّز صانعو القرار القطري بالانخراط الشخصي والعلَني للأمير ورئيس الوزراء، ولحلقة صغيرة من صانعي القرار، هذا إضافة إلى تخصيص موارد مالية كبيرة للتأثير على محصّلات الوساطات. وقد سهّلت هيكلية دائرة صنع القرار الصغيرة والمركزية إلى حدّ كبير على المسؤولين القطريين أن يضعوا في تصرّفهم معاً الموارد السياسية والاقتصادية من خلال الوزارات والمؤسسات التي تملكها الدولة. وهذا ساعدهم على إبراز نفوذهم في المناطق التي يتدخّلون فيها. كل هذه العوامل تقاطعت كي تحقّق لقطر شهرة متنامية كلاعب قادر على الإنجاز في الشؤون الدولية والإقليمية.

قد عكس وضع مبدأ الوساطة في قلب أهداف السياسة الخارجية القطرية كلاًّ من خصوصية دوافع القيادة القطرية وإداركها بأن مثل هذه الخطوة توفّر فرصة للدفاع بشجاعة عن استقلالية البلاد على المسرحَين الإقليمي والدولي.

ومع ذلك، وقفت في وجه هذه المزايا نقاط الضعف القطرية، خاصة منها المزاوجة غير الملائمة بين نوايا القيادة وبين القدرات الدبلوماسية. إذ أن البلاد تفتقد إلى سلك دبلوماسي كبير ومحترف قادر على ترجمة الانخراط الأوّلي إلى تنفيذٍ مستدامٍ للاتفاقات.12  فهذا السلك صغير للغاية، ولذا لايستطيع متابعة أو ملاحظة التقدّم نحو التنفيذ فور انتهاء المفاوضات. وفي غياب "اليوم الذي يلي"، فإن الوساطة القطرية لحل أزمات سياسية معقّدة كما في لبنان والنزاع الداخلي في دارفور، كانت في الواقع تدريباً على جَسر الانقسامات السطحية أكثر منها جهداً لمعالجة الجذور البنيوية الأعمق للنزاع أو للمساهمة بشكل ملموس في بناء السلام، وفي عملية التعافي في مرحلة مابعد النزاع.13 

لاعب صغير في مسرح كبير

علاوة على احتياطيها من الغاز الطبيعي وتشديدها على الوساطة، أدّت التغييرات الواسعة في النظام الدولي إلى تسهيل بروز قطر كلاعب قوي ويزداد قوة. وعلى وجه الخصوص، جعلت العولمة من الأسهل على الدول الصغيرة أن تقفز فوق وزنها، وأن تستعرض/وتمارس أشكالاً جديدة من القوة الناعمة.14 وهكذا، فإن الطبيعة المتحوّلة لمفهوم القوة في عالم كثيف الترابط، مكَّنَ الدول الصغيرة مثل قطر من ممارسة نفوذ أكبر بكثير في الخارج. 

خلال العقد الأول من القرن الحالي، ظهرت مجموعة دول الخليج كأطراف فاعلة بوضوحٍ جليِّ على مسرح النظام العالمي للسياسة وصنع السياسات. واستخدمت دول مجلس التعاون الخليجي مواردها من الطاقة وتراكمات رأس المال لممارسة التأثير، أثناء الطفرة في أسعار النفط بين العامَين 2002 و2008، وأصبحت فاعلةً أكثر في القضايا الدولية. وقد ترواحت مشاركتها من الانخراط العميق في شبكات الجنوب-الجنوب، إلى استعراضٍ أكبر للاستثمارات في الثروة السيادية؛ لابل حتى أيضاً إلى تغيير المواقف تدريجياً في الجدل الدولي حول تغيّر المناخ. وعلى الرغم من أن هذه الروابط ارتكزت إلى مجال استخراج وتصدير النفط، وهو المجال الذي كان ربط الخليج بالاقتصاد العالمي لعقود، إلا أنها تجاوزت حدوده.15  على سبيل المثال، أقامت دول الخليج روابط صناعيةً أكثر تعقيداً مع اقتصادات ناشئة وصناعية على السواء، وذلك في خضمّ تحوّلها إلى مراكز إنتاج رائدة في العالم لصناعات متنوّعة تتراوح من البتروكيميائيات والألمنيوم، إلى الإسمنت ومشاريع البناء.16  هذه الروابط شملت تدفّقات أكبر للاستثمارات الأجنبية المباشرة ونقل التكنولوجيا، إضافة إلى الاندماج في الإنتاج العالمي وحلقات الإمداد.17 

سرّعت الأزمة العالمية المالية والاقتصادية التي بدأت في العام 2007، التحوّل نحو الاعتماد المتبادل في الاقتصاد الدولي. كما وفّرت فرصةً لقطر، إضافة إلى دول خليجية أخرى غنيّة بالموارد (ولاسيما الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية)، لزيادة قوة تأثيرها في المؤسسات العابرة للحدود الوطنية، وفي طبقات الحوكمة العالمية. فانضمّت قطر، من ناحيتها، إلى مبادرة إعادة التصميم الشامل Global Redesign Initiative التابعة للمنتدى الاقتصادي العالمي إلى جانب سويسرا وسنغافورة، وهي مبادرة طُرِحَت لإدراج وجهات نظر ثماني وعشرين دولة صغيرة ومتوسّطة الحجم في مسار مجموعة العشرين.18  استضافت قطر قمة إعادة التصميم الشامل في الدوحة، في 30 و31 أيار/مايو 2010، كما استضافت واحدة من جلسات الاستماع الثلاث الإضافية الخاصة بالمبادرة.19 

بعد العام 2008، وفيما كانت البلدان الغربية تطبّق إجراءات اقتصادية تقشّفية، كان توسّع الغاز الطبيعي المسال القطري  يبلغ ذروته، مع ارتفاع الناتج الإجمالي المحلي بنسبة 17 في المئة سنوياً في حدّه الأقصى. هذا النمو اللافت أتاح لصانعي السياسات القطريين مجالاً واسعاً في العمل على إعادة تشكيل بنية نظام دولي في تغيّر دائم. وفي أيار/مايو 2009، عالج رئيس الوزراء حمد بن جاسم هذه القضايا مباشرةً، إذ دعا إلى إعادة تشكيل عميق "للأطر التنظيمية للنظام السياسي السائد"، كترجمةٍ لبروز نظامٍ متعدّد الأقطاب حيث "الغرب لم يكن اللاعب الوحيد في العالم".20  كان الأمير صريحاً أكثر في تعليقات أدلى بها في آذار/مارس 2009، حين قال إن "الصين آتية، والهند آتية، وروسيا في طريقها أيضاً... لا أدري إذا كانت الولايات المتحدة وأوروبا ستبقيان في موقع القيادة".21  

استغلّت قطر بالكامل المجالَ الذي أُتيح لبروز لاعب جديد يؤدّي دوراً مبتكراً في الشؤون الإقليمية والدولية، من خلال المقاربة التي اعتمدتها تجاه صنع السياسات، والاستقلالية شبه التامة الممنوحة لدائرة صغيرة من نخبةٍ من صانعي القرار غير المُثقَلين بقيودٍ سياسيةٍ محلية.

قطر والربيع العربي

بعد فترة أوّلية من الحيطة والحذر في كانون الثاني/يناير 2011، أدرك قادة قطر الملامح الناشئة للانتفاضات السياسية المتصاعدة في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، وعدّلوا السياسة العامة بشكل براغماتيكي. كانت قطر في موقع مناسب للاضطلاع بدور علني وتدخّلي بشكل استثنائي أثناء المراحل الأولى للاضطراب في المنطقة. فكان قرار المسؤولين القطريين بتبنّي توجّهات التغيير قراراً فريداً بين دول المنطقة، التي قاومت الضغوط الشعبية التي أطلقها الربيع العربي، والتي رأوا أنها خطيرة بطبيعتها.

عكست سياسات قطر تقييماً دقيقاً لمصالحها في مختلف البلدان التي تشهد اضطرابات، فسَعَت إلى التدخّل بشكل مباشر وغير مباشر في ليبيا وسورية بذريعة البحث عن حلول عربية للمشاكل العربية، ووفّرت مساعدات اقتصادية في تونس ومصر. إلا أن الدوحة اقتصرت على التنسيق الحذر مع خطوات مجلس التعاون الخليجي لإعادة إرساء النظام السياسي في البحرين واليمن، معترفةً بالنفوذ الأكبر للمملكة العربية السعودية في هذه البلدان، والتهديد المحتمل الذي قد تشكّله الثورات الناجحة في الخليج للاستقرار قرب حدودها.

تبنّي توجّهات التغيير

مثَّلَ التفاعل القطري مع الربيع العربي استمراراً للتوجّهات السياسية الأعمق التي سبقت العام 2011، مثل الموازنة الدقيقة بين القوى المتباعدة؛ هذه الموازنة التي كانت السِّمة المميِّزة للسياسة الخارجية القطرية. تموضعت الدوحة كحليف للغرب في العالم العربي من خلال الدفع إلى تطبيق التدخّل الإنساني في ليبيا والحل السياسي في اليمن.22  كما قرّرت على نحو مماثل دعم الإسلاميين في المنطقة نظراً إلى اعتياد الحكومة القطرية منذ فترة طويلة توفير ملاذٍ للإسلاميين والمعارضين السياسيين من مختلف أرجاء العالم العربي والإسلامي، وإلى البراغماتية في الحسابات السياسية القطرية الإقليمية. وقد تقاطعت هذه العوامل في علاقة قطر الوثيقة – ولكن المثيرة للجدل – بجماعة الإخوان المسلمين.23 

قامت روابطُ وثيقة بين الدوحة وبين حركة الإخوان المسلمين العالمية، مع أن قطر تؤيّد رسمياً السلفية وتتبنّى المدرسة الحنبلية في الفقه الإسلامي، التي يختلف تشديدُها على الطاعة السياسية للرعايا لحاكمهم اختلافاً جذرياً عن الطبيعة الشعبوية والنشطة للإخوان المسلمين. بدأت هذه الروابط تتطوّر عندما هرب أعضاءٌ من جماعة الإخوان المسلمين من الاضطهاد في مصر في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وفي سورية في العام 1982؛ وقد ذهب العديد منهم إلى قطر.24  تطوّر هذه الروابط لاحقاً مع الإخوان المسلمين ميَّزَ قطر عن موقف دول مجلس التعاون الخليجي المجاورة التي فرّ إليها الإخوان، إذ هي وسَّعَت ونوّعت روابطَها مع الفروع الإقليمية للحركة، لكنها أبقت قبضتها محكمةً على أي أنشطة لهم في الداخل، في حين سعَت الكويت والبحرين إلى ترويض حركات الإخوان المسلمين. مُنِح الشيخ البارز ومصري المولد يوسف القرضاوي، المُقيم في قطر منذ بداية ستينيات القرن الماضي، إضافةً إلى آخرين، منبراً في قناة الجزيرة للتعبير عن آرائهم بعد تأسيس القناة في العام 1996، إلا أن منفيّي الإخوان استُقبِلوا في الدوحة على أساسِ تفاهمٍ ضمنيٍّ بأن يمتنعوا عن التدخّل في القضايا المحلية أو التعليق عليها. هذا التفاهم رسم تمييزاً واضحاً بين المجالَين المحلي والإقليمي للنشاط، وحدّد ماهي الأنشطة الجائزة وتلك غير الجائزة.25  

أقامت قطر، نتيجةً لتواصلها مع شخصيات إسلامية، روابط مع العديد من قادة المعارضة الذين اضطّلعوا بأدوار قيادية في الاضطرابات الثورية في تونس ومصر وليبيا وسورية واليمن. وتمتّع الإسلاميون السياسيون بقدرةٍ تنظيميةٍ أكبر من مجموعات المعارضة الأخرى في تلك البلدان، الأمر الذي دلّ على أنهم كانوا قادرين على نحو غير متناظر من الاستفادة من الفرص الانتخابية وفرص المشاركة التي تكشّفت. هذا الأمر منح قطر شكلَين من قوة التأثير في الدول والأنظمة التي تخوض مراحل انتقالية عقب الربيع العربي: روابط فردية من خلال المنفيين المقيمين في الدوحة، والذين عادوا إلى أوطانهم الأم، ونفوذ مؤسّسي مع بروز جماعة الإخوان المسلمين بصفتها لاعباً قوياً في عمليات الانتقال السياسي.

إضافة إلى الروابط مع جماعة الإخوان، أفادت القيادة القطرية أيضاً من حيّز حرية المناورة النسبية التي تمتّعت بها محلياً. فما ميَّز قطر عن غيرها في العام 2011 كان الغياب شبه التام لأي نوع من المطالب السياسية للمواطنين القطريين، سواء أكانت منظَّمة أم غير رسمية. وحتى في حالة الإمارات العربية المتحدة "الريعية للغاية" المشابهة ظاهرياً لقطر، وُجِدَت جيوبٌ من الفقر والحرمان النسبيَّين في صفوف السكان، كانت قادرةً على أن تولّد (وولّدت فعلاً) استياءً اجتماعياً-اقتصادياً ومعارضةً سياسية.26 

ما ميَّز قطر عن غيرها في العام 2011 كان الغياب شبه التام لأي نوع من المطالب السياسية للمواطنين القطريين، سواء أكانت منظَّمة أم غير رسمية.

كان مستوى الموارد للمواطنين في قطر كبيراً في العام 2011، في إطار حالة فريدة تقريباً في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مادفع قطر إلى أن استبعاد احتمال حصول أي اضطراب اقتصادي محلي أو استياء سياسي ذي أهمية. وإذ بلغت مستويات نصيب المواطن القطري من الناتج المحلي الإجمالي حوالى 440 ألف دولار، أتاحت ثروة البلاد الهائلة (لمواطنيها على الأقل) حصانةً فعّالةً من تمدّد اضطرابات الربيع العربي. كما أدّت حُكماً إلى درجة من اللامبالاة السياسية، وإلى طمس التطلّعات الديمقراطية، حيث أن قلّةً من القطريين شعرت بمَيلٍ إلى تغيير الوضع القائم. وقد أشارت نتائج استطلاعٍ لرأي الشباب العربي إلى أن نسبة المُستطلَعين الذين اعتبروا الديمقراطية مهمةً، انخفضت إلى أكثر من النصف، من 68 في المئة في العام 2008، إلى 33 في المئة فقط في العام 2010. 27  ومرة أخرى، ظهر تباين واضح حتى مع الدول المجاورة مثل الإمارات العربية المتحدة، حيث نسبة المُستطلَعين الذين قالوا إن الديمقراطية مهمة، ارتفعت بشكل ملحوظ من 58 في المئة في العام 2008، إلى 75 في المئة في العام 2011. 28

حين اندلعت الاحتجاجات في تونس في أواخر العام 2010، كانت قطر في وضع مؤات. وفي غمرة الفوز بحقوق استضافة كأس العالم في كرة القدم للعام 2022، ومع تنامي الاعتراف العالمي بها نتيجة لذلك، استغلّت الإمارة وقيادتُها الفرصةَ لتصنيف قطر بشكل قاطع على أنها منفصلة عن المتاعب التي تبتلي بها المنطقة ككلّ. وفي ضوء استبعاد الاحتمال بأن تتأثّر قطر بالتفشّي المُعدي للاضطرابات الاجتماعية-الاقتصادية في أرجاء المنطقة، كان ثمة مكاسب كثيرة يمكن جنيها من اتّخاذ موقف واضح للغاية ضد الحكم السلطوي السيء في شمال أفريقيا وسورية. كما أن كلفة فرصة القيام بذلك كانت منخفضة في البداية. ثم أنه كان من المستبعد أن يُسفِر التعبير القطري عن الدعم الإعلامي والمادي لحركات المعارضة في أمكنة أخرى، عن عواقب محلية في قطر. كما أن مثل هذا الدعم ساهم أيضاً في أخذ جهود قطر على محمل الجدّ باعتبارها لاعباً مسؤولاً على الساحة الإقليمية والدولية.

تزعّم كلٌّ من الأمير وحمد بن جاسم صراحةً مقاربةً تقوم على وضع الحلول العربية للمشاكل العربية في صلب الأولويات، ولاسيما أثناء الاستعداد للتدخّل الدولي في ليبيا في آذار/مايو 2011. فتولّى رئيس الوزراء حشد الدعم للقرار 1973 الصادر عن مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، والقاضي بالسماح بإنشاء منطقة حظر جوي فوق ليبيا. وأوضح رئيس الوزراء أن "قطر ستساهم في العمل العسكري إيماناً منها بضرورة أن تكون هناك دول عربية تقوم بهذا العمل لأن الوضع [في ليبيا] لايحتمل".29  وإلى جانب الدعم من الإمارات العربية المتحدة، كان تأييد قطر للقرار مهماً في تخفيف أي شكٍّ إقليمي بتدخّل غربي جديد في العالم العربي، وفي تأمين دعم الجامعة العربية لهذا العمل.

ليبيا

منذ بداية الانتفاضة ضد دكتاتورية معمّر القذافي المتقلّبة في ليبيا، اضطلعت قطر، إلى جانب فرنسا والمملكة المتحدة، بدورٍ محوريٍّ في تعبئة المجتمع الدولي من أجل التحرّك. فقد حشدت الدعم العربي بشكل حاسم من خلال الجامعة العربية لفرض منطقة الحظر الجوي. وهندس حمد بن جاسم عملية تعليق عضوية ليبيا في الجامعة العربية، وأمّن بالتالي تصويتاً داعماً بالإجماع لصالح منطقة الحظر الجوي بعد معركةِ مواجهةٍ مع الجزائر. 

منذ بداية الانتفاضة ضد دكتاتورية معمّر القذافي المتقلّبة في ليبيا، اضطلعت قطر بدورٍ محوريٍّ في تعبئة المجتمع الدولي من أجل التحرّك.

برّر رئيس الوزراء موقف قطر الجريء باعتباره مهماً لا لأسباب إنسانية وحسب، بل أيضاً "لتحفيز الأمل بأنّ الجامعة العربية يمكن أن تشكّل آليةً للحؤول دون حصول هذه الأمور". وأعلن أن "سياسيي العرب يجب أن يكونوا أكثر جدّية"، مشدّداً أيضاً على أن دعم الجامعة العربية والأمم المتحدة لمنطقة الحظر الجوي شكّل "مثالاً على كيف يمكن أن نتعاون". وأضاف: "قلنا لهم [للجامعة العربية] ماهو البديل – ترك الشعب خاضعاً إلى القذّافي أو الذهاب إلى الأمم المتحدة".30 

 عزّزت هذه البيانات تصوّر القيادة القطرية بأن الأزمة الليبية منحت قطر فرصة طرح عملية دعمها لحماية حقوق الإنسان والتعبير الديمقراطي بطريقة حظيت بترحيب قوي في المجتمع الدولي (الذي يقوده الغرب). شكّلت إراقة الدماء التي أطلق عنانها نظام ضارٍ ليس لديه عدد يذكر من الشركاء الإقليميين أو الحلفاء الدوليين، رهاناً مضموناً لاتخاذ موقف مناهض للاستبداد والحكم السلطوي السيّء.31  كان تعهّد قطر (ثم الإمارات العربية المتحدة) بالانخراط العسكري، مهمّاً في تقليص الشكوك الإقليمية من أن التدخّل قد يشكّل مثالاً آخر على التدخّل العسكري الغربي في شؤون دولة عربية.

كانت مساعدة قطر العسكرية والمالية حاسمة في نجاح الانتفاضة الليبية، وبخاصة في تمكين الحكومة المؤقتة الناشئة، المجلس الوطني الانتقالي، من اكتساب الزخم. وعدا الإسراع في توسيع الاعتراف الدبلوماسي ليشمل المعارضة، شاركت مقاتلات ميراج القطرية في الغارات الجوية التي شنّها حلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأعطت قناة ليبيا تي في (مقرّها في قطر) الفرصة للمتمرّدين كي يجعلوا قضيتهم مسموعة حول العالم. كان هدف إنشاء القناة مواجهة الآلة الدعائية لنظام القذافي، وهو أظهر أن الدوحة تدرك بعمق قدرة وسائل الإعلام على التأثير على السرديات والتصورات والأحداث.32  إضافةً إلى ذلك، مكّنت النخبة القليلة من كبار صانعي القرار في الدوحة الدولة من تجميع مختلف عناصر قوّتها للدّفع نحو تدخّل متعدّد الأوجه في ليبيا. كان رئيس المجلس الوطني الانتقالي محمود جبريل مقيماً في الدوحة معظم فترة الثورة، ورأى أن من الأسهل تنسيق العمل من هناك بدلاً من بنغازي، معقل المتمردين المفترض. كانت أشكال المساعدة غير العسكرية حاسمة أيضاً، وتضمّنت أكثر من 400 مليون دولار من المساعدات المالية، وإمدادات المياه، والغاز للتدفئة، والسلع الأساسية، والمساعدة في بيع النفط الليبي وتسويقه من الموانئ الشرقية الخاضعة إلى سيطرة المتمردين.33 

على مستوى أشد ضبابية، أنشأت قطر روابط وثيقة مع قادة اثنين من الميليشيات الإسلامية الرئيسة هم عبد الحكيم بلحاج من كتيبة طرابلس مرهوبة الجانب، والأخوان الصلّابي. كان بلحاج قائد الجماعة الإسلامية الليبية المقاتلة، وقد أعادته وكالة الاسخبارات المركزية الأميركية إلى ليبيا في العام 2004 ثم أعاد النظام تأهيله في العام 2007. عاش علي الصلابي في المنفى في قطر قبل ثورة العام 2011، ويُزعم أنه أصبح الشيخ الأكثر تأثيراً في ليبيا، بينما أصبح أخوه إسماعيل الصلاتي معروفاً بأنه قائد ميليشيا المتمرّدين الأفضل تجهيزاً، كتيبة راف الله السحاتي. كان يُشتبه على نطاق واسع بأن قطر تسلّح المجموعة وتموّلها، وقد أكسبتها وفرة مواردها اسم "كتيبة 17 فيراري."34 

مع ذلك، لم تنسّق قطر والإمارات العربية المتحدة مساعداتهما العسكرية إلى المعارضة الليبية، لابل قامتا بدعم مختلف كتائب متمردين متباينة في الميدان. عقّد هذا الأمر مهمة توحيد الحركة المناهضة للقذافي منذ مرحلتها الأولى، وساهم في الانقسام اللاحق للحركة بعد وصولها إلى سدة الحكم في تشرين الأول/أكتوبر 2011. 35  كما زرع هذا الأمر بذور الخصومة بين الشبكات السياسية والأمنية التي تدعمها قطر والإمارات العربية المتحدة، والتي انفجرت على الملأ في صيف العام 2014.

لكن يبدو أن سياسة قطر المتمثّلة في محاولة تحديد ودعم الفائزين النهائيين في النزاعات (الذين كانوا دائماً من الجماعات الإسلامية) قد أوتيت أكلها في آب/أغسطس 2011. فقد رفرف علم قطر العنّابي والأبيض وعلم ليبيا الحرّة جنباً إلى جنب على أنقاض مقرّ القذافي الذي تم الاستيلاء عليه – في لحظة رمزية ومعبّرة.

مع ذلك، وفي حين أن نشوة الفرح الثورية للعام 2011 مهّدت الطريق أمام عملية صعبة متمثلة في بناء وترسيخ هياكل حكم مؤسساتية وعرضة إلى المساءلة في العام 2012، ظهر جليّاً أن قطر تفشل في ترجمة المكاسب قصيرة الأمد إلى نفوذ طويل الأمد. برزت ردود الفعل السلبية المحليّة إزاء نوايا قطر، سواء أكانت مفترضة أو فعلية، حين بات حجم الانخراط القطري على الأرض معروفاً على نطاق واسع. تم التعبير عن ذلك في انتخابات الجمعية التأسيسية في تموز/يوليو 2012 حين فاز حزب الوطن الذي يتزعّمه بلحاج بمقعد واحد فقط، وخسر بلحاج في دائرته طرابلس. ومع أن هزيمة الحزب عكست عوامل كثيرة، من ضمنها التغشية المتعمّدة للانقسام الإسلامي-العلماني من قبل أحزاب أخرى وضعف الشبكات الإسلامية الاجتماعية-السياسية التي لم يُسمح بتشكيلها في عهد القذافي، إلا أن المخاوف العامة من العلاقة مع قطر أدّت دوراً في رفض خطاب بلحاج.36  في الواقع، كان حتى لألوان الحزب تأثير ؛ فقد اختار حزب الوطن، صدفةً أو عن قصد، لونَي العلم القطري، معزّزاً بذلك التشكيك العام في أهدافه وأهداف قطر.

القيود نفسها التي أعاقت مراقبة وتقييم وتنفيذ مبادرات الوساطة القطرية قبل العام 2011 عرقلت أيضاً قدرة قطر على المتابعة في ليبيا في مرحلة مابعد القذافي، في الوقت الذي بدأت تتبلور فيه انتقادات جديدة حادة للسياسة القطرية. عكس إخفاق قطر في استخدام نفوذها لتحقيق نتائج ملموسة في ليبيا في مرحلة مابعد الصراع، مدى نقص العمق في قدراتها الدبلوماسية الاحترافية وأيضاً مدى حجم التحدّيات/المحصّلات المؤسّسية التي أفرزتها عمليات اتخاذ القرار الشخصانية إلى حد كبير. إضافة إلى ذلك، في حين أن عروض الدعم العسكري والمالي القطرية والإقليمية والدولية لاقت ترحيباً على نطاق واسع خلال محاربة نظام القذافي، أصبح أصعب على هذه الجهات الخارجية، في ظل الجو المحموم الذي أعقب الصراع، تجنّب الظهور بمظهر الانحياز وانتقاء الفائزين عند توزيع الغنائم السياسية.37 

سورية

حفّزت الثورة في سورية تدخل قطر الثاني في الربيع العربي. لكن ثمة بون شاسع بين الحالتين الليبية والسورية باعتبارهما بؤرتَي صراع في الاضطرابات الإقليمية التي تكشفت تدريجيّاً. ففي حين كان نظام القذافي معزولاً دبلوماسيّاً وبعيداً سياسيّاً (وجغرافيّاً) عن اللاعبين الإقليميين الأساسيين، تقع سورية في قلب الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط. إضافة إلى ذلك، كان نسيج سورية متعدّد الثقافات، وتوازناتها المذهبية، وروابطها القبلية العابرة للحدود، وتحالفاتها السياسية، كفيلاً بعدم بقاء الاضطرابات الأهلية التي بدأت في آذار/مارس 2011 ضمن حدود البلاد. أصبحت سورية ساحة لحروب بالوكالة تُشنّ بوتيرة وضراوة متزايدتين على أيدي مجموعات مرتبطة بضفّتي الانقسام الإقليمي السنّي-الشيعي.

في خضم هذه السلسلة من الصراعات الفتاكة والمتشابكة، كان من لحظ الخيال افتراض أن من شأن أي دولة أن تأمل في التأثير في التطورات على الأرض، ناهيك عن السيطرة عليها. لكن، سواء أصدفةً أو عن قصد، أو ببساطة لأن الدوحة كانت في غمرة نجاحها الظاهري في المساعدة على إطاحة القذافي من السلطة بعد اثنين وأربعين عاماً من حكم ليبيا، كان هذا تحديداً ماحاولت القيادة القطرية القيام به في أواخر العام 2011 وعلى مدى العام 2012.

استلمت جامعة الدول العربية، المعروفة عادةً بعدم فعاليتها وليس بإجراءاتها الحاسمة، زمام الأمور في المبادرات المبكرة لصنع السلام. يُعزى أحد أسباب تحلّي جامعة الدول العربية بمزيد من الحزم في تلك المرحلة التأسيسية إلى أن قطر تولّت رئاستها الدورية لولاية ثانية غير مسبوقة في العام 2011-2012، بعد تأجيل قمة شباط/فبراير 2011 وصدور قرار قضى بإعادة الرئاسة إلى الدوحة.38  وضع هذا التحوّل غير المتوقع للأحداث قطر في موقع تأدية دور تنظيمي في الرد العربي على المجازر في سورية خلال تولّي الدوحة رئاستها الثانية حتى ربيع العام 2012. مع ذلك، لم يوقف تعليق عضوية سورية في الجامعة العربية ولافرض عقوبات سياسية واقتصادية في تشرين الثاني/نوفمبر 2011 ولا إرسال بعثة مراقبي الجامعة العربية إلى سورية في كانون الثاني/يناير 2012، دوّامةَ العنف المتصاعدة. ومع تعثّر الجامعة العربية، أصبح الأمير حمد أول زعيم عربي يدعم علناً نشر قوّات أجنبية في سورية لمحاولة وقف إراقة الدماء، حين صرّح لبرنامج 60 minutes على قناة "سي بي إس نيوز" في كانون الثاني/يناير 2012: "ينبغي أن تذهب بعض القوات لوقف القتل".39 

فشِل دور قطر الصريح والمرن والاستباقي في الأزمة في إحداث تأثير مباشر أو بعيد المدى، كما فعلت في ليبيا في العام السابق. ويعود ذلك جزئيّاً إلى الخصومات الناشئة بين الأطراف الإقليمية إزاء القوى التي ينبغي دعمها في سورية، إضافة إلى غياب التوافق ضمن الجامعة العربية حول الخطوات المقبلة. انتهى الاجتماع الافتتاحي لمجموعة أصدقاء سورية، وهو تحالف دولي، الذي عُقد في شباط/فبراير 2012، بحالة من الفوضى، وغادره الوفد السعودي احتجاجاً على عدم القدرة على التوصل إلى موقف موحّد.40 

فشِل دور قطر الصريح والمرن والاستباقي في الأزمة السورية في إحداث تأثير مباشر أو بعيد المدى، كما فعلت في ليبيا في العام السابق.

في أعقاب هذا الإخفاق، تعثّر الموقف الموحّد لجامعة الدول العربية الهشّة. وشكّل انعدام الفعالية هذا ضربة كبيرة إلى كلٍّ من الجامعة العربية وقطر، نظراً إلى التزام الدوحة الواضح للغاية في إبقاء المشكلة تحت سيطرة عربية خلال ترؤّسها لقمّة الجامعة.41  نتيجةً لذلك، اتصفت قمة الجامعة العربية التي انعقدت في آذار/مارس 2012 في بغداد، بالتوتر والانقسام وأفرزت موقفاً ضعيفاً إزاء سورية، بينما ناشد رئيس الحكومة العراقي نوري المالكي الجهات الخارجية عدم التدخّل. أبدت قطر بوضوح عدم رضاها عن امتناع بلدان مثل لبنان والعراق عن التصرّف بحزم والبدء باتخاذ موقف أكثر تشدّداً إزاء سورية تدريجيّاً، داعيةً المجتمع الدولي علناً إلى دعم وتسليح المعارضة ضد الحكومة السورية.42 

وفي ضوء أدلّة متزايدة عن أن نجم قطر في طور الأفول، أصبحت تصريحات الدوحة السياسية حادّة ويائسة أكثر. ففي تشرين الأول/أكتوبر 2012، اتهم حمد بن جاسم الحكومة السورية بارتكاب إبادة جماعية بعد فشل محاولة (أخرى) للتوصّل إلى وقف إطلاق النار لمدة أربعة أيام. ونقلت وكالة الأنباء القطرية عنه تصريحاً مدوّياً قال فيه: "مايحدث في سورية ليس حرباً أهلية بل حرب إبادة مع رخصة بالقتل من الحكومة السورية والمجتمع الدولي".43  مع ذلك، في حين انتقلت مسؤولية سورية إلى عاتق الأمم المتحدة ومبعوثيها الخاصّين، بدأت قطر والسعودية والكويت على نحو متزايد بتحديد و"انتقاء الفائزين" في صفوف مجموعات المتمرّدين الكثيرة العاملة في سورية. في حالة قطر، كانت هذه القوات على ارتباط وثيق مع جماعة الإخوان المسلمين السورية، الأمر الذي أدّى إلى تصاعد التوتّر مع السعودية.

أظهرت التطورات التي حدثت في ربيع العام 2013 مدى تراجع النفوذ القطري، ليس في سورية وحسب بل أيضاً في أرجاء الشرق الأوسط كافة. ففي الدوامة الناجمة عن الصدام بين سلطة النظام القديم الراسخة وبين العديد من المجموعات الجديدة الناشئة في الدول التي تمر بمراحل انتقالية، أصبح واضحاً أن مامن لاعب واحد يستطيع أن يتحكّم بوتيرة الأحداث أو باتجاهها. كما كشفت الصراعات السياسية المطوّلة والمعقّدة التي طبعت مشهد مابعد الربيع العربي، عن حدود قدرات قطر.

في غضون ذلك، عكس التوتر المتزايد مع المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة مدى اتساع رقعة الخلافات في المقاربات السياسية تجاه الإخوان المسلمين.44  كانت قطر تشعر بالضغط من جانب المسؤولين الأميركيين لضمان عدم وقوع أي من الأسلحة التي ترسلها الدوحة إلى سورية في أيدي جبهة النصرة أو غيرها من المجموعات الجهادية المتطرفة.

هذا المزيج من الضغط الإقليمي والدولي المتزايد على قطر، تُوِّج بنقلٍ غير رسمي لمسؤولية دول الخليج عن ملف سورية من الدوحة إلى الرياض في نيسان/أبريل 2013. وقد عُقدت لاحقاً مفاوضات مضنية في اسطنبول في أيار/مايو 2013 لتوسيع المجلس الوطني السوري، وهو هيئة تضمّ مجموعة من فصائل المعارضة ، مع تركيز خاص على ضم تكتّل ليبرالي يرأسه ميشيل كيلو وتدعمه حكومات غربية وعربية. عكست هذه الإضافات محاولة تقودها السعودية للحد من تأثير الجناح السوري لجماعة الإخوان المسلمين (الذي تدعمه قطر) في المجلس من خلال توسيع عضويته وتركيبته.45 

تونس ومصر

قدّمت قطر دعماً اقتصادياً كبيراً للنظامين الانتقاليين في تونس ومصر. فقد تدفّقت الهبات القطرية على هذه الدول حين دخلت في خضم الربيع العربي.

ازدهرت العلاقات التجارية بين قطر وتونس في أعقاب ثورة كانون الثاني/يناير 2011 وانتخاب حكومة يترأسها حزب النهضة الإسلامي. وكان ملاحظ على وجه الخصوص ذلك الإعلان في أيار/مايو 2012 عن خطط قطرية لبناء مصفاة على ساحل خليج قابس في الصخيرة بتونس يصل إنتاجها إلى 120 ألف برميل يومياً. كان من شأن المشروع، الذي تصل تكلفته إلى ملياري دولار أميركي، أن يسمح لتونس بتكرير النفط الآتي من ليبيا المجاورة وتطوير إمكاناتها كمركز لتصدير المنتجات المكرّرة، ما سيؤدّي إلى توسيع الطاقة التكريرية لمصفاة بنزرت المتهالكة والبالغة 35 ألف برميل يومياً. شكّل هذا التطوّر جزءاً من جهد قطري أوسع لدفع الاقتصاد التونسي العليل. في العام 2012 قدّمت قطر أيضاً دعماً في مجال ميزان المدفوعات لبنك تونس المركزي للتغلّب على مشكلة تدهور الميزان الخارجي، ودعمت شركة قطر الدولية للبترول التدريب المهني في قطاع النفط والغاز في تونس.46 

جذب حجم الاستثمارات القطرية في مصر، خصوصاً خلال فترة رئاسة محمد مرسي، القيادي في جماعة الإخوان المسلمين، التي دامت عاماً كاملاً، قدراً من التشكّك الإقليمي بأهداف الدوحة أكبر من مشاركتها في تونس. فقد شملت جهودها سلسلة من المشاريع المشتركة وعمليات الاستحواذ في القطاع المالي المصري، وأكثر من 8 مليارات دولار من المساعدات التي تهدف إلى دعم الاقتصاد المصري المتعثّر، وعقداً ملائماً لتوفير الغاز بهدف تخفيف النقص في الطاقة الكهربائية خلال الصيف الملتهب.47  والأمر اللافت أنه في خلال زيارة قام بها إلى القاهرة في أيلول/سبتمبر 2012، أعلن حمد بن جاسم أن قطر ستستثمر ما مجموعه 18 مليار دولار في مصر خلال خمس سنوات. وفي سياق تعليقه بأنه "لا حدود" للدعم القطري، أعلن رئيس الوزراء القطري أنه سيتم استثمار8 مليارات دولار في مشروع متكامل يضم محطة لتوليد الطاقة والغاز الطبيعي والحديد والصلب في بورسعيد، في حين تموّل الـ 10 مليارات المتبقية بناء مجمع سياحي لأحواض القوارب على ساحل البحر المتوسط.48 

من غير الواضح كم من الأموال قدّمت قطر إلى مصر (إن وجدت) قبل إسقاط حكومة مرسي في تموز/يوليو 2013. لكن قطر احترمت فيما بعد اتفاقاً لتزويد مصر بخمس شحنات من الغاز الطبيعي المسال لتغطية العجز في توليد الطاقة في مصر، على الرغم من أن عقداً منفصلاً طويل الأجل للغاز جرى الاتفاق عليه من حيث المبدأ بين مصر وقطر في ربيع العام 2013 لم يسلم من تغيير النظام في القاهرة.49 

حذر إقليمي

عندما كان الأمر يتعلق بالتعاطي مع الاضطرابات السياسية الكبرى في شبه الجزيرة العربية، كانت المقاربة القطرية إزاء الربيع العربي أكثر حذراً. وعكس هذا الحذر تحليلاً براغماتياً لأكلاف ومزايا اتخاذ إجراءات في مثل هذه الساحة الحساسة. كما أدركت قطر حقيقة أن كلا البلدين (تونس ومصر) أصبحا ضمن مجال نفوذ المملكة العربية السعودية مباشرة، حيث تظهر الرياض مستويات متفاوتة من النفوذ السياسي والاقتصادي. كان هامش الحركة يقلّ كثيراً بالنسبة إلى قطر، مايعني أن ثمّة حاجة للاتفاق على السياسات الواجب اتباعها تجاه البحرين واليمن ضمن مقاربات تشمل دول مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من مقاربة الدوحة الحماسية تجاه سورية وشمال أفريقيا، فقد صاغت سياستها تجاه الربيع العربي في نهاية المطاف آخذة مصلحتها الوطنية الخاصة في عين الاعتبار.

قبل خمسة أيام من تزعّم قطر (والإمارات) تأييد الجامعة العربية للتدخّل الإنساني في شرق ليبيا في 19 آذار/مارس 2011، أدخلت المملكة العربية السعودية قوة من دول مجلس التعاون الخليجي إلى البحرين للمساعدة في استعادة القانون والنظام بعد أن هدّدت انتفاضة شباط/فبراير 2011، لفترة وجيزة، بدفع الأسرة الحاكمة إلى تقديم تنازلات سياسية كبيرة استجابة إلى دعوات المعارضة لإجراء إصلاحات. وقد شاركت قطر في ذلك الجهد بصورة مباشرة باعتبارها عضواً في مجلس التعاون الخليجي. وعلى الرغم من أن الغالبية العظمى من قوة درع الجزيرة التي دخلت البحرين كانت تتألف من أفراد الحرس الوطني السعودي ورجال شرطة من الإمارات العربية المتحدة، إلّا أنها ضمّت أيضاً عدداً متواضعاً من القوات القطرية بالإضافة إلى قوة بحرية من الكويت.

أثبت هذا الاستعراض للقوة الطريقة التي يفترض مفهوم التدخّل من خلالها وجود معاني مختلفة في بيئات متباينة. فبدلاً من أن يثني على المظاهرات الحاشدة المطالبة بقدر أكبر من التمثيل السياسي في البحرين كما فعل في ليبيا، تحدّث حمد بن جاسم بلهجة مختلفة تماماً، وقال: "نحن نعتقد أنه لكي ينجح الحوار، علينا نزع فتيل هذا التوتّر من خلال انسحاب الجميع من الشارع".50  وقال مسؤول عسكري قطري بارز في وقت لاحق لوكالة الأنباء القطرية إن "واجب القوة القطرية المشاركة في قوة درع الجزيرة هو المساهمة في استعادة النظام والأمن"، مضيفاً: "كقوة قطرية، نحن نتلقّى أوامرنا من قائد قوات درع الجزيرة المشتركة"، بقيادة المملكة العربية السعودية.51 

كانت المقاربة القطرية، والتي تنضوي تحت العباءة الجماعية لدول مجلس التعاون الخليجي، مختلفة تماماً عن الأحادية التي ميّزت سياسات الدوحة في أماكن أخرى. ويعود ذلك في جزء كبير منه إلى أن الانتفاضات التي شهدتها منطقة شمال أفريقيا، لم تمثّل تهديداً مادياً أو إيديولوجياً للمصالح القطرية مثلما فعلت الثورة ضد أسرة حاكمة زميلة لاتبعد سوى خمسة وعشرين ميلاً قبالة الساحل الغربي لدولة قطر. إذ كان من شأن تقديم أي تنازلات عميقة بشأن الإصلاح السياسي من جانب النخبة البحرينية الحاكمة، التي يمكن القول إنها تشكّل الحلقة الأضعف في سلسلة الملكيات الخليجية، أن يهدّد بتشجيع حركات المعارضة في دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى، ويخلّ بالتوازن الطائفي الدقيق بين مجموعة المصالح السنية - الشيعية. وازدادت محدودية هامش المناورة بالنسبة إلى قطر بسبب الأهمية الكبرى التي أضفتها المملكة العربية السعودية على مسألة الحفاظ على الاستقرار في البحرين كجزء من الصراع مع إيران على السيادة الإقليمية. وكان السعوديون قد مارسوا نفوذاً سياسياً واقتصادياً كبيراً على جارتهم الصغيرة قبل فترة طويلة من بداية الربيع العربي.52 

تمت ملاحظة وجود مؤشّرات مماثلة تقريباً في اليمن. فعلى غرار البحرين، كان اليمن يمثّل مصلحة جيواستراتيجية وسياسية خاصة بالنسبة إلى المملكة العربية السعودية. وقد حافظت المملكة على اهتمامها الشديد بالشؤون الداخلية لليمن، وذلك للحيلولة دون بروز منافس قوي لها في شبه الجزيرة العربية، وضمان استعراض وإدامة النفوذ السعودي. خلال فترة تولّي ولي العهد الأمير سلطان بن عبد العزيز آل سعود منصب وزير الدفاع على مدى خمسة عقود (1962-2011)، مارس تأثيراً مهيمناً على العلاقات السعودية - اليمنية، التي اتّسمت بالاتصالات غير الرسمية والشخصية بقدر ما اتّسمت بالنشاطات الرسمية بين الدولتين.53  كانت التدفّقات المالية السعودية على النخب السياسية الرئيسة في اليمن عابرة وغير متوقّعة في أحسن الأحوال، حيث كان يتم تحديدها بصورة وثيقة عبر مصادر المعلومات الشخصية للأمير سلطان، ولم يتم قطّ إضفاء الطابع المؤسّسي عليها بصورة صحيحة.54  أما في اليمن وفي البحرين، فقد حدّت مستويات التأثير السعودي الموجودة أصلاً من قدرة قطر على صياغة وتنفيذ سياسات تختلف كثيراً عن نهج الرياض.

اندلعت مظاهرات حاشدة ضد حكم الرئيس علي عبد الله صالح القابع في السلطة منذ ثلاثة وثلاثين عاماً في العاصمة صنعاء في شباط/فبراير 2011، وسرعان ما انتشرت إلى بقية المدن والبلدات في جميع أنحاء اليمن. طالب مئات الآلاف من المتظاهرين صالح بالتنحّي فوراً، وازداد تصميمهم جرأة بسبب الانشقاقات التي شهدتها النخبة حيث تفتّتت الدوائر السياسية والقبلية والعسكرية التي كانت تحيط بصالح.55 

في تصرّف جماعي نادر، اقترح مجلس التعاون الخليجي بدء انتقال سياسي من شأنه إخراج صالح من السلطة في عملية مرتبة  من فوق إلى تحت وتقودها النخبة. بيد أن خطة مجلس التعاون الخليجي خلت من أي مكان للحركة الشعبية المؤيّدة للديمقراطية التي ظهرت بشكل غير متوقّع لتتحدّى الوضع الراهن في اليمن وتغيّره تماماً. بدلاً من ذلك، ظلت الخطة متشبّثة بدعم الجهات السياسية الفاعلة الثابتة والمألوفة، حيث سعى قادة دول مجلس التعاون للسيطرة على الجماهير المحتشدة وتوجيه عملية الانتقال إلى مرحلة ما بعد صالح.56 

تم تصنيف الدبلوماسية القطرية في إطار دور الوساطة الجماعي الذي قامت به دول مجلس التعاون الخليجي في اليمن في أعقاب انتفاضة شباط/فبراير، على الرغم من أن المهمة أصبحت أكثر صعوبة بسبب نوبات غضب صالح ضد قناة الجزيرة والقيادة القطرية.57  لم تكن هذه المقاربة متعدّدة الأطراف تجاه اليمن جديدة بالنسبة إلى قطر. فبعد فشل محاولاتها للتوسّط خلال التمرّد الحوثي في شمال اليمن في الفترة 2007-2008، لجأت الدوحة إلى المبادرات الإقليمية متعدّدة الأطراف للتعامل مع هذا البلد. وكجزء من عملية "أصدقاء اليمن" التي بدأت في العام 2010 بعد تزايد مشاعر القلق الإقليمي والدولي بشأن الإرهاب الذي ينبثق من اليمن، عمل المسؤولون القطريون والخليجيون بشكل وثيق مع الحكومات الغربية في محاولة لتحقيق الاستقرار في اليمن وحثّ صالح على القيام بإصلاحات سياسية. كما زوّدت قطر اليمن بإمدادات حيوية من الغاز الطبيعي المسال لتجنّب حصول نقص في الطاقة، وابتكرت "صلتك"، وهي مؤسسة قطرية ترتبط بزوجة الأمير حمد، ستة برامج في مجال التعليم والتدريب المهني تهدف إلى معالجة معدلات البطالة المزمنة في أوساط الشباب في اليمن.58  ومع ذلك فقد تم توجيه السياق العام للسياسة القطرية في اليمن من خلال الجهد الجماعي لدول مجلس التعاون الخليجي، بما يتّفق مع السياسة القطرية تجاه البحرين في الفترة نفسها.

ردّ الفعل الإقليمي والخيارات القطرية

عندما أطلقت الاضطرابات الأولية للربيع العربي العنان لتجدّد الاستبداد والاستقطاب الاجتماعي في منطقة الشرق الأوسط، واجهت السياسات القطرية قوىً معاكسة. فقد قوّض تبنّي قطر لمقاربة إقليمية نشطة سمعة الحياد النسبي التي كانت تتمتّع بها والتي عزّزت مبادرات الوساطة التي قامت بها قبل العام 2011. وجاء سجلّ الدوحة في اختيار الفائزين بنتائج عكسية من خلال إثارة غضب السكان المحليين والشركاء الإقليميين الرئيسيين في دول مجلس التعاون الخليجي. ويبدو أن القيادة القديمة والجديدة في قطر عالقة الآن في مرمى نيران الانتكاسة الإقليمية وتحاول، في مواجهة شكوك إقليمية كبيرة، أن تتبنّى مرة أخرى النهج البراغماتي في مجال السياسة الخارجية الذي انحرفت عنه في العام 2011.

عواقب السياسات التي تواجه قطر

أضرّ قرار قطر بالتحوّل نحو سياسة نشطة بعد العام 2011 بمكانتها بصورة كبيرة باعتبارها وسيطاً لا ينازعه أحد. إذ سرعان ما انتشرت مشاعر التشكّك الإقليمي تجاه سلوكها.

أظهرت الشائعات المستمرة عن مشاركة قطرية في سيطرة الإسلاميين على شمال مالي في العام 2012 مدى الشكوك التي تساور الآخرين تجاه الدوحة. فقد أطاح انقلاب عسكري وقع في آذار/مارس 2012 بالحكومة المالية، سيطر بعده المتمرّدون على شمال مالي وأعلنوا قيام دولة مستقلّة. كان المتمرّدون ينتمون إلى جماعة الطوارق العرقية، وقاتل الكثيرون منهم لصالح القذافي في القوات المسلحة الليبية في العام 2011. سرعان ما قويت شوكة المتمردين الذين يطلق عليهم "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"، فاستولوا في أواخر آذار/مارس على أكبر ثلاث مدن في شمال مالي. ومع ذلك، أضعفت الانقسامات بين "الحركة الوطنية لتحرير أزواد"بين  والجماعة الإسلامية المتشدّدة "أنصار الدين" حركة التمرّد، ما أسفر عن فقدان السيطرة على المنطقة لصالح "أنصار" الدين وتنظيم أصولي آخر، "حركة التوحيد والجهاد في غرب أفريقيا".

في ظل تدهور الأوضاع في شمال مالي طوال العام 2012، بدأ الاهتمام يتركّز على أنشطة فريق صغير من الهلال الأحمر القطري. كانت أنشطة الفريق روتينية، حيث أشار أحد أعضائه إلى أنهم ذهبوا إلى مدينة غاو في الأراضي التي يسيطر عليها المتمرّدون بهدف "تقييم الاحتياجات الإنسانية للمنطقة من حيث الحصول على المياه والكهرباء".59

مع ذلك، ولأن الهلال الأحمر القطري كان المنظمة الإنسانية الوحيدة التي مُنحت حق الوصول إلى الشمال من جانب الانفصاليين الإسلاميين، سرعان ماقوبلت الشكوك إزاء عمل الفريق بمخاوف أكبر حول سياسة قطر التي تدعم الجماعات الإسلامية المسلحة في ليبيا وسورية. جاء الانتقاد الأكثر صخباً وتواصلاً لدور قطر في شمال مالي من الجزائر، التي تدهورت علاقاتها مع قطر بصورة حادّة منذ العام 2011، وفرنسا، حيث أدّى رحيل الرئيس نيكولاس ساركوزي من السلطة إلى فتور مفاجئ في العلاقات في عهد خليفته فرانسوا هولاند. فقد أشار أحد الادّعاءات الفرنسية إلى أن القوات الخاصة القطرية تدرّب المتمرّدين المرتبطين بجماعة "أنصار الدين"، بطريقة تذكّرنا بدورها في تعزيز لواء طرابلس بقيادة عبد الحكيم بلحاج في ليبيا. وقيل إن هذه المعلومات ظهرت في الأصل في تقرير صادر عن مديرية الاستخبارات العسكرية الفرنسية، على الرغم من أنه لم يتم تقديم أدلّة داعمة.60 

انتشر الافتراض القائل إن قطر مرتبطة بجماعة "أنصار الدين" على نطاق واسع. فقد أشار مقال على مدوّنة فريد زكريا في موقع "سي أن أن" في أوائل آب/أغسطس 2012 إلى أنه "يعتقد أن جماعة أنصار الدين مدعومة مالياً من قطر"، من دون الخوض في مزيد من التفاصيل.61  وبعد انطلاق العمليات العسكرية ضد المتمردين الإسلاميين في شمال مالي بقيادة فرنسا في كانون الثاني/يناير 2013 انتقد زعيم الحزب الاشتراكي الحاكم في فرنسا، هارلم ديزير، قطر بشدّة بسبب "نوع من التساهل"، مضيفاً:

هناك موقف غير متعاون ويمكن اعتباره نوعاً من التساهل تجاه الجماعات الإرهابية التي احتلت شمال مالي. وهو موقف غير طبيعي من جانب قطر. لابدّ من تقديم توضيح سياسي من قطر التي نفت على الدوام أي دور في تمويل هذه الجماعات، ويجب على قطر أن تتصرّف على المستوى الدبلوماسي بصورة أكثر حزماً إزاء هذه الجماعات التي تهدّد الأمن في منطقة الساحل.62

تؤكّد مثل هذه التعليقات على مناخات الشك العميقة المختلفة كثيراً عن سابقاتها، إذ أنها تلامس درجة العداء الصريح. وهذا مايواجه صنّاع السياسة القطرية الآن. في حالة مالي، تبقى المزاعم بأن جماعات المصالح القطرية (سواء كانت مدعومة من الدولة أو من جهات خاصة) كانت تموّل أو تسلّح الجماعات المتمرّدة بلا أساس. بيد أن مايهم في الأمر هو أن هناك دائرة كبيرة، في المنطقة وخارجها على حدّ سواء، تعتقد أن الأمر قد يكون صحيحاً.

في عالم غالباً ماتشكّل فيه المفاهيم والتصوّرات تعبيراً عن السياسات، يبدو هذا الربط السلبي لقطر بالجهات الفاعلة المزعزعة للاستقرار ضاراً جداً. فقد قدمت قطر مساعدات إنسانية وأرسلت شحنات من المواد الغذائية والأدوية إلى المناطق التي تعاني من الصراع في شمال مالي. لكن حتى هذه الإجراءات خضعت إلى سوء التفسير والإشاعات. وفي عالم مابعد الربيع العربي، سيكون من الصعب على قطر استئناف أنشطة الوساطة التي قامت بها قبل العام 2011 أو عمليات إعادة البناء في مرحلة ما بعد النزاع، من دون أن تواجه مستويات مكثّفة من المراقبة والتدقيق.63

إعادة توجيه السياسة الخارجية

أبرز الخلاف حول جماعة الإخوان المسلمين مقاربات دول الخليج المختلفة تماماً تجاه الربيع العربي. فقد تباعدت علاقات قطر مع الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية، على وجه الخصوص، بصورة حادّة. وتزعم رئيس قوة شرطة دبي، ضاحي خلفان، الهجوم على الإخوان في الإمارات. فهو ادّعى في آذار/مارس 2012 أن جماعة الإخوان المسلمين كانت تخطّط لـ "الاستيلاء" على ملكيات الخليج، قائلاً: "تقول مصادري إن الخطوة التالية هي جعل الحكومات الخليجية هيئات صورية فقط لاتتمتّع بحكم فعلي. ستكون البداية في الكويت في العام 2013 وفي دول الخليج الأخرى في العام 2016".64  في وقت لاحق في العام 2012، ووسط تصاعد سريع في وتيرة المظاهرات السياسية في الكويت في تشرين الأول/أكتوبر، ندّد وزير خارجية الإمارات العربية المتحدة الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان بجماعة الإخوان باعتبارها "تنظيماً ينتهك سيادة وسلامة الدول"، ودعا الأسر الحاكمة في الخليج إلى التعاون في مواجهة الجماعة.65 

عندما أحرزت جماعة الإخوان مكاسب انتخابية في تونس ومصر، تصلّبت المواقف تجاهها في عواصم دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى. وخلال العام 2012، ظهرت هذه المواقف المتباينة أيضاً في سورية، عندما دعمت المملكة العربية السعودية وقطر جماعات متنافسة من المقاتلين المتمرّدين السوريين. وقد أضعفت المعركة التي خاضتها الدوحة والرياض على النفوذ بين الإسلاميين في المنطقة مهمة البحث عن موقف خليجي موحّد بشأن القضايا الأمنية الداخلية والخارجية الكبرى. وتعرّضت العلاقات بين دول مجلس التعاون الخليجي إلى ضغط متواصل، حيث أثار مسؤولون من المملكة العربية السعودية والإمارات بتحفّظ (وأحيانا بصورة علنية) مخاوف بشأن دعم قطر لجماعة الإخوان المسلمين في الخارج واحتمال حدوث رد فعل سلبي محلي في منطقة الخليج.66 

أرغمت هذه التوتّرات قطر على إعادة النظر في سياساتها. فعندما خلف الشيخ تميم والده أميراً لقطر في حزيران/يونيو 2013، بدأ على الفور بإعادة ضبط أسلوب السياسة الخارجية القطرية. وفي خطاب تنصيبه، أشار تميم إلى أن قطر ستواصل السعي إلى تحقيق أهداف سياستها الإقليمية، ولو بطريقة أكثر هدوءً وأقلّ صدامية مما كان عليه الحال في عهد حمد بن جاسم. ولم يأت تميم على ذكر سورية، لكنه أكّد على دور قطر في دول مجلس التعاون الخليجي. وقد بشّر هذا الموقف بإصلاح علاقات دول مجلس التعاون الخليجي المتضرّرة، خاصة مع المملكة العربية السعودية، واستند إلى قرار سعودي - قطري تم اتخاذه في ربيع العام 2013 بتحويل القيادة الإقليمية بشأن سورية من الدوحة إلى الرياض.

حاول تميم أيضاً طمأنة الحلفاء الإقليميين والشركاء الدوليين المتشكّكين بالقول إن قطر "لاترتبط بتيار يقف ضد الآخر"، مضيفاً "نرفض تقسيم المجتمعات العربية على أساس طائفي أو مذهبي". كانت تلك إشارة إلى أنه، في حين تعتزم الدوحة الحفاظ على استقلاليتها في صنع السياسة الخارجية، فإنها تسعى إلى تبنّي مقاربة متعدّدة الأطراف أكثر تعاوناً وأقلّ إيديولوجية مما كان عليه الحال في الماضي.67 

بعد ذلك، استغل الأمير الجديد أول خطاب له في الشؤون الدولية، في الاجتماع السنوي للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك في أيلول/سبتمبر 2013 لرسم مستقبل السياسات الإقليمية القطرية. قال تميم إن "دولة قطر تهدف إلى أن تكون مركزاً للحوار والنقاش بين الأطراف المختلفة في الصراعات لا طرفاً في هذه الصراعات"، ودعا أيضاً إلى إجراء إصلاحات هيكلية في مجلس الأمن الدولي والتعامل بصورة أفضل مع حالات الصراع.68  وبعد ثلاثة أشهر، اغتنم خالد بن محمد العطية، الذي خلف حمد بن جاسم في منصب وزير الخارجية، خطاباً حول السياسة الخارجية في لندن ليؤكد أن قطر ستظل نشطة في الوساطة الإقليمية والدبلوماسية الدولية، وإن كان من خلال تبنّي مقاربة تقوم على التنسيق بصورة أكبر مع الشركاء في منطقة الشرق الأوسط وخارجها. ونوّه في كلمته أيضاً بـ "العمل الصامت ولكن الفعّال الذي قامت به قطر في إطلاق سراح العديد من الرهائن" باعتباره دوراً هاماً يمكن للدوحة القيام به.69

في أعقاب تبوُّؤ تميم السلطة، توسّطت قطر في الصراعات في مصر وسورية. كان الجهد الذي قامت به صغيراً في حجمه مقارنة بما فعلته قبل العام 2011، لكنه شكّل مع ذلك محاولة لإعادة دور قطر كوسيط يُعتدّ به. في أوائل آب/أغسطس 2013، انضم وزيرا خارجية قطر والإمارات مع عضوي مجلس الشيوخ الأميركي البارزين جون ماكين وليندسي غراهام للتوصل إلى تسوية تفاوضية للمواجهة المتصاعدة بين الجيش المصري وأعضاء في جماعة الإخوان المسلمين. قدمت المحاولة الثلاثية التي تقودها الولايات المتحدة للتوسّط في حلّ الأزمة السياسية المتفاقمة في مصر دليلاً على النهج القطري الجديد تجاه السياسة الإقليمية. وعلى الرغم من أن المبادرة فشلت، فإن محاولة الاستفادة من النفوذ القطري في مقاربة منسّقة ومتعدّدة الأطراف مع الشركاء الإقليميين والدوليين كانت تختلف كثيراً عن السعي إلى تحقيق أهداف أحادية الجانب ترتبط بالقيادة القطرية السابقة.70  في تشرين الأول/أكتوبر، شاركت قطر مرة أخرى في جهد متعدّد الأطراف إلى جانب محاورين لبنانيين وسوريين وفلسطينيين للتفاوض بشأن اتفاق تبادل أسرى ثلاثي معقّد في سورية. وعلى نحو رمزي، تمت إعادة الطيارين التركيين اللذين أطلق سراحهما كجزء من الصفقة إلى تركيا على متن طائرة الخطوط الجوية القطرية في خاتمة ناجحة لعملية الوساطة التي استمرت بضعة أشهر.71

في الوقت نفسه، بدأ تميم والحكومة القطرية الجديدة باتّخاذ سلسلة من الخطوات للحدّ من التوتّرات مع الجيران. ومن الجدير بالذكر أن أول زيارة خارجية للأمير كانت إلى المملكة العربية السعودية في 2 آب/أغسطس 2013، حيث التقى الملك عبد الله بن عبد العزيز آل سعود في جدة.72  في وقت لاحق من ذلك الشهر، أصبحت قطر الدولة الخليجية الأولى التي تصادق على اتفاقية الأمن الداخلي المثيرة للجدل في دول مجلس التعاون الخليجي التي وافقت عليها الدول الأعضاء الست في الرياض في العام 2012.73  في أيلول/سبتمبر، أزاحت الحكومة القطرية الجديدة حلفاء حمد بن جاسم من المناصب الرئيسة، ولاسيما داخل معقله في وزارة الخارجية.74

كان تعيين تميم للشيخ عبد الله بن ناصر آل ثاني رئيساً للوزراء، مؤشراً على تغيير التوجّه العام في السياسة الداخلية. وعلى غرار سلفه رئيس الوزراء حمد بن جاسم، عُهِدَ إلى الشيخ عبد الله بمنصب ثانٍ، غير أنه أعطي وزارة الداخلية بدلاً من وزارة الخارجية.

التركيز على السياسة الداخلية أمر منطقي بالنسبة إلى حكومة قطر، لأن الإنفاق العالي والتغيّر في أسواق الطاقة يمثلان تحدّيين مباشرين في المديين القصير والمتوسط. بالإضافة إلى ذلك، يجب على الحكومة التصدّي إلى استمرار ارتفاع معدلات الهجرة إلى الداخل، وارتفاع تكاليف المعيشة في الدوحة، والضغوط الإضافية التي ستفرضها الاستعدادات لنهائيات كأس العالم لكرة القدم 2022 على أنظمة الرعاية الصحية وإمدادات المياه وشبكة النقل المنهكة في البلاد.75

بيد أن هذا لايعني أن كل شيء على مايرام على جبهة السياسة الخارجية. إذ كانت التطورات في مصر في الأسابيع والأشهر التي أعقبت انقلاب تموز/يوليو 2013 ضد الرئيس آنذاك محمد مرسي، تشير إلى حجم التحدّي الذي يواجه القيادة القطرية الجديدة وهي تحاول ترميم صورة البلاد. فقد تمّت إطاحة حكومة جماعة الإخوان المسلمين في القاهرة بعد أسبوع فقط من تغيير الأمير في الدوحة، الأمر الذي كان يتطلّب من الزعيم الجديد أن ينأى بنفسه على الفور عن سياسات سلفه المثيرة للجدل. لم تأت رسالة التهنئة التي بعث بها الأمير إلى الحكومة المصرية المؤقّتة على ذكر الرئيس المصري المخلوع المدعوم من الإخوان المسلمين، وهو ماشكّل محاولة لإنقاذ الهيبة القطرية في أعقاب حدوث تحوّل جذري في علاقات القوة الإقليمية. بدل ذلك، أشاد الأمير الجديد بالجيش لـ"دفاعه عن مصر ومصالحها الوطنية"، وأكّد أن قطر دعمت دائماً الشعب المصري وليس جماعة بعينها.76  ومع ذلك، وبعد أن دعمت حكومة مرسي بمساعدة مالية سخية، تم استبعاد قطر من المساهمة في حزمة المساعدات البالغة 12 مليار دولار التي سارعت المملكة العربية السعودية والكويت والإمارات إلى تقديمها إلى الحكومة المؤقتة التي يهيمن عليها الجيش.77

السرعة التي أيّد بها جيران قطر في مجلس التعاون الخليجي استعادة الحكم العسكري في مصر بدعم مباشر للميزانية وشحنات من المنتجات النفطية وكميات كبيرة من المساعدات الثنائية، كانت معبّرة ومفعمة بالمعاني. فبعد أن نجحت، إلى حدّ كبير، في احتواء الاضطرابات السياسية في الداخل، سارعت بلدان الخليج المحافظة إلى نشر هباتها المالية ودعمها السياسي في مصر. وبما أن إسقاط حكومة الإخوان المسلمين في القاهرة كان يشير بالفعل إلى نهاية الربيع العربي - على الأقل في مرحلته الأولية – فقد سارع المسؤولون السعوديون والإماراتيون إلى التحرك بهدف اغتنام المبادرة الإقليمية بمعزل عن قطر.78 

تضاعفت حالات إجبار قطر على التقهقر والتراجع، سواء عبر الانتقام المباشر من تصرّفات الدوحة في مصر أو كجزء من عزوف أكثر عمومية عن تفسير قرينة الشك في مصلحة السياسات القطرية الجديدة. في آذار/مارس 2014، سحبت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات والبحرين سفراءها من الدوحة باسم "الأمن والاستقرار"، واتّهمت قطر بانتهاك اتفاقية أمنية أخرى لدول مجلس التعاون الخليجي تم توقيعها في الرياض في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 وكانت تستهدف قطر مباشرة وتنصّ على "عدم التدخّل "في" الشؤون الداخلية لأي من دول مجلس التعاون الخليجي الأخرى". كانت تلك القرارات أخطر وأبرز مظاهر التوتّر الذي يحتدم تحت سطح السياسة الخليجية.79  عكس القرار مشاعر الغضب العميقة والمستمرة في الرياض وأبو ظبي إزاء سياسات قطر الخاصة بالربيع العربي. وعليه فهذا هو الإرث التي يواجه الأمير تميم وفريقه الجديد في مجال السياسة الخارجية وهم يسعون لإعادة بناء العلاقات الإقليمية المتضرّرة واستعادة ثقة الشركاء في دول مجلس التعاون الخليجي.80 

مامن شكّ في أنه تم تسويغ الاتفاقية الأمنية الموقعة في تشرين الثاني/نوفمبر 2013 والغضب السعودي والبحريني والإماراتي الذي يعتمل تجاه الدوحة كدليل على أن قطر استمرت في تقديم شكل من أشكال المساعدة لأعضاء جماعة الإخوان المسلمين، حتى بعد الانقلاب. في أوائل تشرين الثاني/نوفمبر 2013، ذكرت صحيفة "واشنطن بوست" أن قيادة للإخوان المسلمين في المنفى "بدأت في التبلور وسط الأبنية الشاهقة المتلألئة في الدوحة." وعلاوة على ذلك، زعمت "واشنطن بوست أنه كانت تتم استضافة العديد من الإخوان المنفيين على حساب قناة الجزيرة في فنادق الدوحة، مضيفة أنه "ربما يجري في أجنحة وردهات تلك الفنادق رسم مستقبل جماعة الإخوان المسلمين في مصر، وبصورة أعمّ، استراتيجية وإيديولوجية الإسلام السياسي في البلاد".81 

في اجتماع ثلاثي تم ترتيبه على عجل بين قادة قطر والسعودية والكويت في الرياض في وقت لاحق من ذلك الشهر، أشارت تقارير إعلامية خليجية إلى أن تميم "أبلغ بضرورة تغيير أساليب قطر وجعل سياساتها متسقة مع بقية دول مجلس التعاون الخليجي فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية. وألمحت التقارير أيضاً، بصورة معبّرة، إلى أن تميم كان قد وقّع على تعهّد بالامتثال وطلب مهلة ستة أشهر للقيام بذلك، مشيرة إلى ضرورة التخلّص من "العراقيل التي تضعها فلول النظام السابق".82 

أشار تصريح صدر في نيسان/أبريل 2014 عن وزير الخارجية العماني إلى أن الخلاف بين دول مجلس التعاون الخليجي قد تمت تسويته داخلياً، وأن قطر ستقوم بترحيل حوالي خمسة عشر مواطناً خليجياً يزعم أنهم ينتمون إلى جماعة الإخوان المسلمين. وبالإضافة إلى ذلك، ستصبح قناة الجزيرة أقلّ شراسة في تغطيتها للأحداث الإقليمية وتكفّ عن الإشارة إلى استيلاء الجيش على السلطة في تموز/يوليو 2013 في مصر على أنه انقلاب.83  ومع ذلك، استمرت التوتّرات، كما استمرت التلميحات السعودية و(خاصة) الإماراتية إلى أن قطر لم تلتزم ببنود اتفاقية الرياض الأمنية.

ومع ذلك، سوف يثبت أن أي آمال قد يعقدها المسؤولون الإقليميون على احتمال أن يصدر القادة الجدد في قطر نوعاً من الاعتراف بالخطأ أو بدء نقاش حكومي حول السياسة تجاه جماعة الإخوان، لم تكن في محلها. وتمشّياً مع الطبيعة المغلقة لعملية صنع السياسات في الدوحة (كما في أماكن أخرى في الخليج)، سيتم اتخاذ القرارات من دون ضجيج، بحيث تكون الأفعال أبلغ من الأقوال. وقد يفضي هذا إلى مزيد من التوتّر مع جيران قطر إذا ما شعروا أنه كان بإمكان الدوحة، أو ينبغي عليها، أن تفعل المزيد لإعادة توجيه سياساتها علناً في بيئة إقليمية متغيّرة.

الخاتمة

في الأيام الأولى من الربيع العربي، مارست قطر زعامة إقليمية غير مسبوقة، وبدأت في البروز كطرف فاعل مبتكر وجديد على الساحة الدولية. وعلى نحو فريد بين الدول في العالم العربي، نظر المسؤولون في الدوحة إلى الاضطرابات الجارية في شمال أفريقيا وبلاد الشام باعتبارها فرصة يجب اغتنامها لاتحدّياً يجب الخوف منه.

خلال الربيع العربي، ابتعدت السياسة القطرية عن دور الوسيط النزيه الذي ميّز نهجها قبل العام 2011، لتصبح أكثر اهتماماً بالتدخّل ومرتبطة باختيار الفائزين في الدول التي تمرّ بمرحلة انتقالية في شمال أفريقيا وبلاد الشام. ففي مصر وسورية، على وجه الخصوص، أصبح دعم قطر المحسوس للإخوان المسلمين مثيراً للجدل على نحو متزايد بين الجهات الفاعلة المحلية والإقليمية التي كانت تنظر بعين الشكّ إلى إيديولوجية الجماعة وأهدافها. وقد تسبّب نهجها في حدوث توتّرات مع نظرائها من دول مجلس التعاون الخليجي، وخصوصاً المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات.

كما أضعفت تدخّلات قطر في الربيع العربي، إلى حدّ كبير، سمعة البلاد على صعيد النزاهة. وأدّت الشكوك الناجمة عن ذلك تجاه الدوافع القطرية إلى زيادة تآكل احتياطيات القوة الناعمة التي شكلت القوة الدافعة وراء صعود قطر كقوة إقليمية لها امتداداتها الدولية قبل العام 2011. وفي الوقت الذي تولّى الأمير تميم السلطة في عملية تسليم تمت إدارتها بعناية في حزيران/يونيو 2013، لم يكن هناك سوى القليل من جيران قطر الإقليميين مستعدين لتفسير قرينة الشك في مصلحة البلاد في سورية أو مصر أو أي مكان آخر.

على الرغم من البداية الصاخبة للعام 2014، ومع اقتراب العام الأول المليء بالتحدّيات من نهايته بالنسبة إلى القيادة الجديدة، ألمح تطوّران اثنان إلى عودة دور قطر كطرف محاور في تسهيل الاتصال غير المباشر بين الأطراف المتباعدة. أشارت الحالتان إلى أن المسؤولين القطريين بدأوا بالعودة إلى الأصول وباتوا يعطون الأولوية لمقاربة أكثر هدوءً وتحفّظاً تجاه الوساطة بعيدة كل البعد عن جعجعة مغامرات أسلافهم الملفتة للأنظار في الساحة الإقليمية.

تمثّل التطور الأول في مشاركة قطر في ترتيب صفقة تبادل الأسرى التي تم فيها إطلاق خمسة من سجناء طالبان ووضعهم في عهدة قطر، في مقابل الإفراج عن الرقيب في الجيش الأميركي باوي بيرغدال. وكانت قطر قدّمت نفسها منذ فترة طويلة بصفتها وسيطاً محتملاً بين الحكومة الأفغانية وبين حركة طالبان، على الرغم من أن محاولة لتسهيل الحوار جرت في حزيران/يونيو 2013 كانت قصيرة الأجل وفاشلة في نهاية المطاف. حدث الاختراق في أواخر أيار/مايو 2014 بعد أشهر من التحضير المضني الذي، على حدّ تعبير وزير الخارجية الأميركي جون كيري، "يجسّد مدى أهمية شراكتنا مع قطر، هذه الشراكة التي ستبقى".84  وقد أصدر الرئيس الأميركي باراك أوباما وزعيم طالبان الملا عمر بياناً يشكران فيه علناً أمير تميم على المساعدة التي قدمها في التوسّط للتوصّل إلى الاتفاق. وتكمن الميزة النسبية لقطر على صعيد الوساطة في قدرتها على العمل كوسيط في المفاوضات غير المباشرة، وكونها قناة اتصال خلفية بين الأعداء الألدّاء وتحقيق التوازن في العلاقات مع مجموعة واسعة من الخصوم المتعادين.

ثمّة أنماط مماثلة تبدو واضحة في تطوّر آخر جدير بالملاحظة، يتمثّل في بحث قطر عن حلّ عن طريق الوساطة للعنف المتصاعد في غزة. فقد نشطت الدوحة في المحاولات الإقليمية لتأمين وقف لإطلاق النار بين إسرائيل، التي حافظت على علاقات تجارية متميّزة معها، وحركة حماس التي استقرّ زعيمها خالد مشعل في الدوحة منذ فترة طويلة. خلال حرب غزة التي اندلعت في تموز/يوليو 2014، شارك تميم والعطية بنشاط في الدبلوماسية المكّوكية. وكان من بين زوار قطر الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون، ووزير الخارجية التركي أحمد داود أوغلو، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، الذي يعتقد أنه اجتمع مع مشعل زعيم حماس أثناء وجوده في الدوحة، في حين عقد العطية مشاورات ثلاثية مكثّفة مع داود أوغلو وكيري في باريس. بالإضافة إلى ذلك، من المفيد القول إنه في مرحلة ما، اتصل كيري هاتفياً بالعطية وطلب من الدوحة استخدام نفوذها للتوسّط لدى حماس.85  وهذا يوضح كيف يمكن لقطر أن تلعب دوراً إيجابياً من خلال نقل الرسائل بين حماس وبين المجتمع الدولي وتسهيل تدابير بناء الثقة بين جميع الأطراف المتنازعة.

إذا كانت قطر تسعى إلى استعادة سمعتها (وتحقيق الاستفادة القصوى) في مجال الوساطة بطريقة تتفوّق على قدرتها المؤسّسية المحدودة، فقد يحتاج المسؤولون في الدوحة إلى التراجع خطوة إلى الوراء والسماح للآخرين بتولّي زمام القيادة، وهو الأمر الذي قد لايرغبون في القيام به.

قد يستغرق الأمر سنوات كي تستعيد قطر تماماً قدراً من الثقة بين الشركاء الإقليميين، بيد أن الطريق يبدو مفتوحاً أمام المسؤولين القطريين لبدء إعادة بناء سمعة بلدهم كوسيط قادر على سدّ الفجوات. وبما أن الأحداث في معظم أنحاء العالم العربي أصبحت أكثر تقلّباً ولايمكن التنبؤ بها، فإن في وسع صنّاع السياسة الأميركيين، على وجه الخصوص، العمل مع قطر للحفاظ على خيارات للاتصال عبر القنوات الخلفية، وحتى عبر دبلوماسية المسار الثاني (البديل) للحدّ من التوتر وعدم اليقين، إذا ومتى سنحت الفرصة.

وإذا كانت قطر تسعى إلى استعادة سمعتها (وتحقيق الاستفادة القصوى) في مجال الوساطة بطريقة تتفوّق على قدرتها المؤسّسية المحدودة، فقد يحتاج المسؤولون في الدوحة إلى التراجع خطوة إلى الوراء والسماح للآخرين بتولّي زمام القيادة، وهو الأمر الذي قد لايرغبون في القيام به. وبالنظر إلى أن ضجّة إعلامية رافقت النجاحات التي تحققت في مجال الوساطة في ظل القيادة السابقة وشكّلت جزءاً من الجهود القوية لتمييز الدولة ووضع قطر على الساحة الدولية، فإن القيام بدور منفصل قد لايكون مستساغاً، على الرغم من أنه يوفر مساراً أكثر استدامة على المدى الطويل. لكن النهج المتحفظ الذي ميّز حالتي باوي بيرغدال وغزة قد يشير إلى أن القادة القطريين، على أقلّ تقدير، قد استوعبوا دروس الربيع العربي، وأعادوا تقويم سياستهم وفقاً لذلك.

نبذة عن الكاتب

كريستيان كوتس أولريشن زميل الشرق الأوسط في معهد بيكر للسياسة العامة في جامعة رايس، إضافة إلى كونه زميلاً مشاركاً في شاتام هاوس، وزميلاً زائراً في مركز الشرق الأوسط بكلية لندن للاقتصاد في المملكة المتحدة. وهو أيضاً عضو هيئة التدريس التابعة لها في كلية هنري جاكسون للدراسات الدولية في جامعة واشنطن - سياتل. عمل في تخصصات العلوم السياسية والعلاقات الدولية والاقتصاد السياسي الدولي، حيث تتناول أبحاثه تغيّر موقع دول الخليج في النظام العالمي وكذلك ظهور تحدّيات غير عسكرية طويلة الأمد للأمن الإقليمي. عمل في السابق كبير المحللين لشؤون الخليج في مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية ومديراً مشاركاً لبرنامج الكويت للتنمية والحوكمة والعولمة في دول الخليج في بورصة لندن.

نشر كوتس أولريشن على نطاق واسع عن منطقة الخليج. تشمل مؤلفاته كتاب Insecure Gulf: the End of Certainty and the Transition to the Post-Oil Era (Columbia University Press, 2011) ، وحرّر كتابين هما The Transformation of the Gulf: Politics, Economics and the Global Order (Routledge, 2012)، وThe Political Economy of Arab Gulf States (Edward Elgar Publishing, 2012). كتابه الأخير يحمل عنوان Qatar and the Arab Spring (Hurst & Co, 2014).

هوامش

1 “Qatar, Playing All Sides, Is a Nonstop Mediator,” New York Times, July 9, 2008.

2 Jean-Francois Seznec, “Introduction,” in Industrialization in the Gulf: A Socioeconomic Revolution, ed. Jean-Francois Seznec and Mimi Kirk (London: Routledge, 2011), 8.

3 “Gas Status Puts Country at Centre of Global Forces,” Financial Times, December 17, 2011.

4 “UK’s Dependence on Qatari LNG a Risk,” Interfax Global Energy Services, January 18, 2012.

5 “China, Qatar in 25-Year Gas Deal,” Peninsula, March 8, 2009.

6 Anders Holmen Gulbrandsen, “Bridging the Gulf: Qatari Business Diplomacy and Conflict Mediation,” Unpublished MA Thesis, Georgetown University, 2010, 28.

7 المصدر السابق، 29.  

8 .N. Janardhan, “China, India, and the Persian Gulf: Converging Interests?” in International Politics of the Persian Gulf, ed. Mehran Kamrava (New York: Syracuse University Press, 2011), 218–19

9 .Kristian Coates Ulrichsen, “Qatar’s Mediation Initiatives,” NOREF Policy Brief, Norwegian Peacebuilding Resource Center, 2013, 2

10 .Sudan and Chad Agree to Normalise Ties,” Sudan Tribune, May 3, 2009“

11 .Qatar Mediating Eritrea-Djibouti Border Dispute,” Gulf Times, June 8, 2010“

12 مقابلات خاصة مع موظفين قطريين في القطاعين الخاص والعام، قطر، كانون الأول/ديسمبر 2011 وأيار/مايو 2012.

13  .Sultan Barakat, “The Qatari Spring: Qatar’s Emerging Role in Peacemaking,” LSE Kuwait Program Working Paper no. 24, July 2012, 17

14 Kristian Coates Ulrichsen, “Rebalancing Global Governance: Gulf States’ Perspectives on the Governance of Globalisation,” Global Policy 2 no. 1 (2011): 65

15 Anoushiravan Ehteshami, Globalization and Geopolitics in the Middle East: Old Games, New Rules (London: Routledge, 2007), 110

16 .Kristian Coates Ulrichsen, “Repositioning the GCC States in the Changing Global Order,” Journal of Arabian Studies 1 no. 2 (2011): 232

17 .Makio Yamada, “Gulf-Asia Relations as ‘Post-Rentier’ Diversification? The Case of the Petrochemical Industry in Saudi Arabia,” Journal of Arabian Studies 1 no. 1 (2011): 101–103

18 .Andrew F. Cooper and Timothy M. Shaw, eds., The Diplomacies of Small States: Between Vulnerability and Resilience (Basingstoke: Palgrave Macmillan, 2009), xix

19 .(Richard Samans, Klaus Schwab, and Mark Malloch-Brown, eds., Global Redesign: Strengthening International Cooperation in a More Interdependent World (Geneva: World Economic Forum, 2010

20 .Coates Ulrichsen, “Rebalancing Global Governance,” 70

21 .Emir Warns of Another Iraq If Sudan Sinks Into Chaos,” Gulf Times, March 31, 2009“

22 .Barakat, “The Qatari Spring: Qatar’s Emerging Role in Peacemaking,” 31

23 .David Roberts, “Understanding Qatar’s Foreign Policy Objectives,” Mediterranean Politics 17 no. 2 (2012): 238

24 David Roberts, “Qatar, the Ikhwan, and Transnational Relations in the Gulf,” Project on Middle East Political Science, March 18, 2014, http://pomeps.org/2014/03/18/qatar-the-ikhwan-and-transnational-relations- in-the-gulf.

25 .Bernard Haykel, “Qatar and Islamism,” NOREF Policy Brief, Norwegian Peacebuilding Resource Center, February 2013, 2 

26 .Kristian Coates Ulrichsen, “Holding Back the Tide,” Open Democracy, August 5, 2012 

27 .Kristian Coates Ulrichsen, “Qatar and the Arab Spring,” Open Democracy, April 12, 2011

28 .Democracy Top of Youth Agenda,” Gulf States Newsletter 35, no. 697, March 25, 2011, 6“

29 .GCC Gives Measured Backing to Libya Campaign,” Gulf States Newsletter 35, no. 897, March 25, 2011, 5“ 

30 .Qatar Takes a Bold Diplomatic Risk in Supporting Benghazi’s Transitional Government,” Gulf States Newsletter 35, no. 898, April 8, 2011, 1“

31 ”.Coates Ulrichsen, “Qatar and the Arab Spring

32 .Barakat, “The Qatari Spring: Qatar’s Emerging Role in Peacemaking,” 8

33.Kristian Coates Ulrichsen, “Libya and the Gulf: Revolution and Counter-Revolution,” Hurst Blog, December 16, 2011

34 .Qatar and Libya Open a New Geopolitical Axis in North Africa,” Gulf States Newsletter 35, no. 907, September 2, 2011, 3“

35 .Coates Ulrichsen, “Small States With a Big Role,” 13

36 .Adeed Dawisha, The Second Arab Awakening: Revolution, Democracy, and the Islamist Challenge From Tunis to Damascus (New York: W.W. Norton & Company, 2013), 158–59

37 مقابلات خاصة مع محلّلين ومعلّقين إعلاميين قطريين، الدوحة، كانون الأول/ديسمبر 2011 وأيار/مايو 2012.

38 .Nathaniel Kern and Matthew Reed, “Why the Arab League Matters,” Middle East Policy Council, March 2012

39 .Qatar’s Emir Suggests Sending Troops to Syria,” Al Jazeera Online, January 14, 2012“ 

40 .Matthew Weaver, “Saudi Arabia Backs Arming Syrian Opposition,” Guardian, February 24, 2012

41 .Barakat, “The Qatari Spring: Qatar’s Emerging Role in Peacemaking,” 28

42 .Divisions Laid Bare as Arab League Tackles Syria,” BBC News, March 29 2012“

43 .Qatar Accuses Syrian Government of Genocide After Failed Truce,” CNN, October 30, 2012“

44 .Qatar Steadfast in Its Support for Islamist Groups,” Gulf States Newsletter 37, no. 946, May 9, 2013, 3–4“

45 .Mohammad Ballout, “Syrian Opposition Attempts Consolidation,” Al-Monitor, May 13, 2013

46 .Qatar Refinery Play Highlights Tunisian Agenda,” Gulf States Newsletter 36, no. 924, May 24, 2012, 8“

47 .Bassam Sabry, “Why Qatar Supports Egypt, Why Many Egyptians Aren’t Excited,” Al-Monitor, April 17, 2013

48 .Qatar Seeks to Invest—and Secure its Footing—in the New Egypt,” Gulf States Newsletter 36, no. 932, September 27, 2012, 9–10“

49 .Qatar Sends Second Shipment of LNG to Egypt,” Reuters, August 20, 2013“

50 .Al Jazeera Faces Tough Questions as Doha Backs Saudi Troops in Bahrain,” Los Angeles Times, March 15, 2011“

51 .Qatar Has Sent Troops to Bahrain—Official,” Agence France-Presse, March 18, 2011“ 

52 Munira Fakhro, “The Uprising in Bahrain: An Assessment,” in The Persian Gulf at the Millennium: Essays in Politics, Economy, Security, and Religion, ed. Gary Sick and Lawrence Potter (London: Macmillan, .1997), 184

53 .Ginny Hill and Gerd Nonneman, “Yemen, Saudi Arabia, and the Gulf States: Elite Politics, Street Protests and Regional Diplomacy,” Chatham House Briefing Paper, May 2011, 9

54 .Riyadh Plays a Waiting Game on Yemen,” Gulf States Newsletter 35, no. 909, September 30, 2011, 7–8“

55 .Christopher Boucek and Mara Revkin, “The Unravelling of the Salih Regime in Yemen,” opinion editorial, CTC Sentinel, March 31, 2011 

56 .Hill and Nonneman, “Yemen, Saudi Arabia, and the Gulf,” 3

57 المصدر السابق، 5.

58 .Jessica Forsythe, “Opportunities and Obstacles for Yemeni Workers in GCC Labour Markets,” Chatham House MENAP Briefing Paper, September 2011, 15

59 .Is Qatar Fuelling the Crisis in North Mali?” France 24, January 23, 2013“

60 .Mehdi Lazar, “Qatar Intervening in Northern Mali?” Open Democracy, December 19, 2012

61 .Michael Lambert and Jason Warner, “Who is Ansar Dine?” CNN Global Post, August 14, 2012

62 .France Launches Unprecedented Campaign Against Qatar Role in Mali,” Middle East Online, February 4, 2013“

63 .Is Criticism of Qatar, World Cup 2022 Host, Justified?” ESPN Soccernet, April 18, 2013“

64 .Islamists Plot Against Gulf, Says Dubai Police Chief,” Agence France-Presse, March 25, 2012“

65 .Ian Black, “Emirati Nerves Rattled by Islamists’ Rise,” Guardian, October 12, 2013

66 .Islamist Ascendance Raises Tensions in the Gulf,” Oxford Analytica Daily Brief, November 1, 2012“

67 .Coates Ulrichsen, “Foreign Policy Implications of the New Emir’s Succession in Qatar,” NOREF Policy Brief, August 2012, 3

68 .Qatar Plans to Remain Centre Stage,” Gulf States Newsletter 37, no. 955, October 3, 2013, 1“

69 Transcript: Qatar’s Foreign Policy. HE Dr. Khalid bin Mohammed al-Attiyah,” Chatham House, December 4, 2013, 6, http://www.chathamhouse.org/sites/files/chathamhouse/public/Meetings/Meeting Transcripts/041213Qatar.pdf.

70 .U.S. Joins UAE, Qatar and EU in Egypt Crisis Mediation,” National, August 6, 2013“

71 .Freed Lebanese, Turkish Hostages Fly Home After Deal,” Reuters, October 20, 2013“

72 .Sheikh Tamim in Saudi Arabia for First Trip Abroad as Qatar Emir,” Middle East Online, August 2, 2013“

73 ".Roberts, “Qatar, the Ikhwan, and Transnational Relations in the Gulf

74 .The Disappearance of Hamad bin Jassim,” Gulf States Newsletter 37, no. 954, September 19, 2013“

75 .Population of Qatar Set to Reach 2.2 Million by 2014: QNB,” Qatar Tribune, September 15, 2013“

76 .Michael Stephens, “The Egyptian Crisis and its Regional Effects,” Open Democracy, July 9, 2013

77 .Egypt Showered With Gulf Billions in Show of Support for Army,” Reuters, July 10, 2013“

78 .Morsi’s Fall Prompts ‘Re-Set’ in Gulf’s Ties With Egypt,” Oxford Analytica, July 9, 2013“

79 .3 States Recall Their Envoys From Qatar,” Associated Press, March 5, 2014“

80 .Saudi Arabia, Bahrain and UAE Recall Envoys From Qatar,” Economist Intelligence Unit, March 5, 2014“

81 .Abigail Hauslohner, “Egypt’s Muslim Brotherhood Finds Havens Abroad,” Washington Post, November 6, 2013

82 “UAE, Saudi Arabia and Bahrain Recall Their Ambassadors From Qatar,” Gulf News, March 5, 2014.

83 .Rift Within GCC ‘Coming to an End,’” Gulf News, April 17, 2014“

84 .U.S. Praises Tamim for Taliban Deal,” Gulf States Newsletter 36, no. 971, June 5, 2014, 4–5.“

85 .Kerry Calls on Qatar and Turkey to Gain Release of Israeli Soldier,” New York Times, August 1, 2014“