منذ بداية الاضطرابات التي عصفت بالشرق الأوسط في العام 2011، انهارت دول المنطقة التي تضم مجتمعات تعددية غير متجانسة، ما أدّى إلى تجدّد الاهتمام بنظم تقاسم السلطة الطائفية باعتبارها نماذج محتملة لإعادة تأهيل هذه البلدان. لبنان لديه مثل هذا النظام حيث تتقاسم الطوائف الدينية السلطة. وعلى الرغم من العيوب التي تعتريه وأنه يتفكّك في نواح كثيرة، إلا أنه ساعد في بقاء البلد في حالة سلام ويقدّم دروساً قيّمة للمنطقة.

نظام يتفكّك

  • يقوم النظام السياسي اللبناني على التقسيم الطائفي للسلطات الدستورية والمناصب الإدارية، بحيث يضمن تمثيل فئات معينة في حين يساهم أيضاً في شلل عملية صنع القرار.
  • أدّت العيوب التي تكتنف نظام الحكم القائم على أساس طائفي إلى دخول لبنان في أتون حرب أهلية. وقد عدّل اتفاق الطائف في العام 1989، والذي وضع حدّاً للحرب، هذا النظام. أصبحت سورية هي صاحبة النفوذ في مرحلة ما بعد الحرب، كما أُعطيت حق الوصاية على لبنان.
  • بعد اتفاق الطائف، نشأت توترات مثيرة للانقسام بين الطائفتين المسلمتين في لبنان، السنّة والشيعة. تولّت سورية إدارة هذه الانقسامات في حين كانت تفاقمها أيضاً.
  • ازدادت حدّة الخلافات بين السنة والشيعة بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني وانسحاب سورية من البلاد في العام 2005. وتصاعدت حدّة الخلافات أكثر مع اندلاع الحرب الأهلية السورية في العام 2011.
  • بلغت الدولة اللبنانية اليوم طريقاً مسدوداً. إذ ليس هناك رئيس للبنان، وقد شُلَّ البرلمان منذ العام 2013.
  • يبدو أن الكثير من اللبنانيين يعتقدون بأن نظامهم هو أقل الخيارات سوءاً مقارنةً مع الدول المجاورة، غير أن الخلل في وظائف الدولة يثير الشكوك بشأن إمكانية تطبيق النموذج اللبناني في أماكن أخرى.

الآثار المترتبة على لبنان والمنطقة

  • ستكون هناك حاجة إلى إجراء تعديلات مجتمعية هامّة لكي ينجح نظام مستوحىً من النظام اللبناني في دول أخرى في المنطقة.
  • جعل الزمن والتجربة التاريخية الطائفية أمراً مألوفاً إلى حدٍّ كبير في لبنان، وهي الآن متأصّلة في الروح الجماعية والسلوك الوطني. تفتقر الدول العربية إلى هذه السمة. فقد كانت نماذج الدول المركزية التي تعتمد على تعريف موحّد للهوية الوطنية لبناء الدولة هي القاعدة في أنحاء المنطقة، وكانت فكرة العروبة تقليدياً أكثر جاذبية من فكرة الدول القائمة على الهويات الفرعية.
  • لايخرج في العادة منتصر ولا مهزوم من الأزمات في لبنان. وقد ساعد هذا الأمر النظام الطائفي في لبنان في الحفاظ على بقائه منذ أربعينيات القرن الماضي. هذا النوع من الثقافة مفقود في كثيرٍ من الدول العربية.
  • حافظ النظام في لبنان على تماسكه في الماضي إلى حدٍّ كبير بفضل قوة خارجية ناظمة هي سورية. وتُعزى حالة الفوضى التي يعاني منها النظام في لبنان اليوم، إلى حدٍّ بعيد، إلى غياب هذه القوة الخارجية. ولذا من الصعب أن نتخيل أن قوة خارجية يمكنها أن تساعد في ضمان السلام في دول عربية أخرى.

مقدّمة

هزّت اضطرابات العالم العربي التي اندلعت في كانون الأول/ديسمبر 2010، ولاتزال متواصلة حتى اليوم في عددٍ من البلدان، أهم الركائز الصلبة للنظام العربي الذي كان يُعتبر مستقراً وغير قابل للتغيير. فقد تفتّتت دول عدّة لطالما اعتُبرت خاضعة برسوخ إلى سيطرة أنظمة سلطوية، وهذا أطلق حقائق كانت خافية إلى حدّ كبير. تمثّلت إحدى هذه الحقائق في الطبيعة غير المتجانسة للنسيج الاجتماعي في عدد من الدول العربية، وفي العلاقة الهشّة بين هذا الواقع الاجتماعي وبين الدول نفسها، والتي تم تحدّيها علناً في خضمّ العملية الثورية.

اليوم تتآكل الأنظمة السياسية لعدد من الدول في طول الشرق الأوسط وعرضه، وتنهار الدول نفسها، بينما تتفتّت مجتمعاتها، ربما على نحو لايمكن إصلاحه. وينطبق ذلك بصفة خاصة على بلاد الشام، حيث أصبحت لسياسة الهوية اليد العليا، وحيث كانت الجماعات الطائفية والعرقية والقبلية المختلفة، حتى وقت قريب، تتعايش في بيئات اجتماعية أشبه بالفسيفساء، في الغالب ضمن نظم دولة قومية شديدة المركزية.

وبسبب هذا التفكّك، تبيّن أن عملية بناء الدولة التي دامت عشرات السنين في عدد من الدول المختلطة عصيّة على التحقّق، على الرغم من الإجراءات القوية، بل والوحشية، التي تم استخدامها. بدل ذلك، يبدو الآن أن الهويات المناطقية والفرعية هي التي باتت تسود شيئاً فشيئاً. وبالتالي، فإن تعزيزها يشكّل جزئياً على الأقل، آلية دفاعية، كردٍّ على التصورات المتعلقة بالتهديد، والتي غالباً مايجري تحديدها ووصفها بعبارات طائفية. في الماضي، أُبقيت الهويات المناطقية والفرعية معلّقة، في ظل وجود أجهزة دولة أكثر انشغالاً بالتركيز على الدفاع عن أقلية عشائرية تتمتع بالامتيازات بدلاً من تعزيز المصلحة العامة.

اليوم، يبدو الخلاف الأوسع بين السنّة والشيعة، والذي كانت له تداعيات دراماتيكية في بلاد الشام على وجه الخصوص، هو الأكثر وضوحاً وقابلية للانفجار من هذه التفاعلات المتمحورة حول الهوية. مع ذلك، وإلى جانب المسألة الطائفية البحتة (والتي تتخذ الدين باعتباره عاملاً حاسما في السلوك)، فإن مسألة الأقليات (أو الجماعات التي تعرّف نفسها وتتصوّر أنها تتعرض إلى التهميش من جانب جماعة مُهيمنة، أو إلى القمع من جانب أقليّة شرسة) تنشط هي الأخرى في منطقة الشرق الأوسط. وتعبّر مسألة إعادة تشكيل الهوية عن نفسها بعبارات طائفية، وكذلك عرقية أو حتى قَبَلية، وهذا يتوقف على البلد العربي المتأثر بتلك المسألة. وتميل مسألة إعادة تشكيل الهوية إلى التعبير عن نفسها طائفياً في البحرين والعراق والكويت ولبنان والمملكة العربية السعودية وسورية، أو في أي مكان آخر في بلاد الشام ومنطقة الخليج، حيث يتعايش غالباً السنّة والشيعة والمسيحيون وأبناء الأقليات الأخرى جنباً إلى جنب؛ بينما هي تميل إلى التعبير عن نفسها أكثر من الناحية العرقية في أماكن أخرى، كالأكراد أو التركمان في شمال سورية والعراق، والبربر في المغرب العربي.

في كل هذه الحالات، سيكون من الصعب عكس ديناميكيات التفكّك التي أُطلق لها العنان، من دون توفّر وسائل جديدة ومبتكرة لإعادة الإدماج السياسي. وعلى الصعيد الاجتماعي، وفي حالات الصراعات أو الحروب الأهلية، سيتطلب ذلك إطلاق عمليات المصالحة وتحقيق العدالة وإعادة توزيع الموارد. أما على الصعيد السياسي، فسيتوجب على البلدان إجراء تغيير سياسي هيكلي، لا بل إعادة هيكلة سياسية، لوضع صيغ جديدة لتقاسم السلطة يمكنها أن تأخذ الحقائق الجديدة بعين الاعتبار، وتبدأ في التعامل معها. أما التحدي الذي ينتظره العالم العربي في المستقبل، إذا كان يرغب في الخروج من الليل الطويل والمُدلهِم الذي يبدو أنه قد دخله، فيتمثّل في محاولة إيجاد التوازن المناسب بين هوية وطنية أكثر توحّداً وبين تعدّدية اجتماعية وسياسية، تمهيداً لإرساء الديمقراطية. بيد أن تحقيق مثل هذا التوازن سيكون بالغ الصعوبة.

سيكون من الصعب عكس ديناميكيات التفكّك التي أُطلق لها العنان، من دون توفّر وسائل جديدة ومبتكرة لإعادة الإدماج السياسي.

تطوّرت على مدى القرن الماضي، ومنذ نشوء نظام الدولة العربية الحديثة، القومية العربية في خضم ثقافات سياسية وطنية لم تقارب المثل العليا للقومية العربية إلا لماماً، فضلاً عن الولاءات والانتماءات الفرعية. وقد قمعت الأنظمة الاستبدادية هذه الولاءات عبر آليات مركزية الدولة، والتي كانت تستهدف اكتساح وتهميش الروابط الأولية القويمة. لكن هذه العملية جاءت على حساب الحقوق الفردية والحريات.

وحده لبنان، من بين كل الدول العربية، هو الذي تظاهر بتقديم إجابة مختلفة. فقد أنشأ نظاماً غير مألوف لتقاسم السلطة والحكم، يقوم على تعريف مختلف للهوية عن غيره من البلدان العربية الأخرى. فهو تبنّى تدريجياً نظاماً سياسياً يقوم على التمثيل الطائفي، الذي تأثّر هو نفسه بالتطورات التي جرت خلال فترة الحكم العثماني. وقد تم ذلك حال إنشاء دولة لبنان الكبير رسمياً تحت سلطة الانتداب الفرنسي في 1 أيلول/سبتمبر 1920.

أدخلت حركة الاستقلال تحسينات على الطائفية السياسية في لبنان واحتضنتها في تشرين الثاني/نوفمبر 1943، عبر ما أصبح يُعرف بـ"الميثاق الوطني"، وهو اتفاق غير مكتوب وضع أسس النظام الطائفي في الجمهورية بعد الاستقلال. والأمر المثير للدهشة أن الميثاق بقي حياً على الرغم من الحرب الأهلية (1975-1990). بدأ الصراع، جزئياً، على خلفية دعوات إلى إلغاء الطائفية السياسية. ومع ذلك، تم التأكيد مجدّداً على الطائفية السياسية، لا بل تم توطيدها في "اتفاق الطائف" في العام 1989، والمعروف أيضاً باسم "وثيقة الوفاق الوطني". وفي هذا الصدد، يتوفّر لبنان على مزية بارزة، لجهة كونه رائداً في تأسيس نظام يقوم على الطائفية، وكذلك لكونه مختبراً يبرز أوجه الخلل والقصور في هذا النظام.

أحرزت الطائفية السياسية بعض النجاحات، لكنها مرّت بلحظات حزينة ودموية من الفشل والعار. وحريٌّ بنا هنا التحقيق في كلا النقيضين، وإعادة فحص أصول وتاريخ الطائفية اللبنانية، وتحوّلها إلى بنية سياسية، والبحث كذلك في ديناميكيات تفكّكها في الفترة التي سبقت العام 1975. كما أن الظروف التي أدّت إلى انبعاث النظام وإعادة تشكيله بعد الحرب، وظهور أوجه قصوره في الوقت الحاضر، كلها أمور تستحق الاهتمام هي الأخرى. ومن خلال التركيز على لبنان، يمكن تناول مسألة كيف/أو ما إذا كان النظام الطائفي لايزال قادراً على التعاطي والتكيّف مع العديد من التحديات البنيوية التي يواجهها من جديد في العام 2016. ونظراً إلى العلاقة القوية والعميقة التي تربط بين سورية ولبنان منذ تأسيس البلدين، تلقي ديناميكيات الصراع الدائر في سورية وتفكّك هذا البلد بظلال ثقيلة على الآفاق المستقبلية للنظام اللبناني.

في ضوء ذلك، أصبحت العيوب الكثيرة التي تشوب النظام اللبناني أكثر وضوحاً. مع ذلك، فإن مايلفت النظر في السياق السياسي الإقليمي الحالي، هو أن بعض المحللين وصنّاع القرار باتوا على استعداد للنظر في النظام أو التجربة اللبنانية من زاوية جديدة، بسبب فشل كل التجارب الهادفة إلى خلق دول مركزية قوية في أماكن أخرى. ويتركّز اهتمام هؤلاء على تحديد مايمكن أخذه، أو التأثّر به، من لبنان وتطبيقه على الدول العربية المختلطة التي تُعاني من أزمة عميقة، وعلى ماينبغي تجنّبه بأي ثمن. على سبيل المثال، كثيراً ما أشار المحلّلون، وكذلك صنّاع القرار، الذين يتابعون تطوّرات العراق بعد العام 2003 إلى اتفاق "طائف عراقي" لتنظيم العلاقات الطائفية في المستقبل، في إشارة إلى اتفاق المصالحة وتوزيع السلطة في لبنان بعد الحرب. وفي الآونة الأخيرة، أدّت بعض المحاولات لمعالجة الفوضى في سورية إلى ظهور مناقشات تتعلق باعتماد بعض ملامح النظام في لبنان، بهدف التوصُّل في نهاية المطاف إلى "طائف سوري".

قد تشمل دعوات مماثلة بلداناً أخرى في المنطقة، حيث أصبح البحث عن طرق جديدة وأكثر مرونة لاستيعاب الهويات المختلفة، ودمج المجتمعات والسماح بتقاسم السلطة السياسية، أمراً لامناصّ منه. وهذا هو السبب في أن تقييم الطائفية اللبنانية، يستحضر بعض الدروس التي يمكن أن تكون ذات أهمية بالنسبة إلى المنطقة. وقد تشكّل التجربة اللبنانية الأساس للتفكير في مايمكن تطبيقه في أماكن أخرى، أو على العكس: ماسيكون من الأفضل التخلّي عنه من هذه التجربة.

ميثاق وطني إسلامي-مسيحي

برز نظام الطائفية السياسية في لبنان في الأصل استجابةً لتحدٍّ اجتماعي وإيديولوجي. إذ جرى بالفعل اعتماد التوزيع الطائفي للسلطة في عهد الإمبراطورية العثمانية، منذ إنشاء منطقة جبل لبنان الإدارية خلال القرن التاسع عشر، باعتبارها نواة لبنان الحديث. وعلى غرار التسوية التي اعتُمدت في وقت سابق لإنهاء الصراع في العام 1840، فقد تبنّى نظام الحكم الذي تم استحداثه بعد الحرب الأهلية في جبل لبنان في العام 1860، (المتصرفية)، الطوائف الدينية المختلفة باعتبارها أطرافاً سياسية فاعلة. وفي مرحلة مابعد العام 1860، وتحت سلطة الوالي العثماني المسيحي غير العربي المعروف باسم المُتصرف، تم إنشاء مجلس إداري خُصِّصت فيه مقاعد للطوائف الدينية الست الرئيسة في جبل لبنان، بما يتناسب مع الأعداد الإجمالية لأفرادها.1

المُلفِت هنا أن تقاسم السلطة في مرحلة مابعد العام 1860 وصيغة الحكم المحلّي أعقبا النزاع الذي وضع الدروز في مواجهة الموارنة، وهما الطائفتان الرئيستان في منطقة جبل لبنان التي تمتّعت بحكم شبه ذاتي. وبالمثل، تم وضع حدّ للتوترات الأخرى لاحقاً، ناهيك عن الحرب الأهلية في العام 1975، من خلال تقاسم السلطة وترتيبات إعادة التوازن السياسي، على الرغم من أنه لم تجرِ أبداً أي محاولة لإيجاد نظم تسوية سياسية لاطائفية.

وهكذا، تم تحويل لبنان من مجتمع متعدد الطوائف إلى نظام دولة متعددة الطوائف. واستخدم مؤسّسو الدولة اللبنانية الواقع الاجتماعي، وهو الذي كان محايداً نسبياً في البداية، ليصبح الاعتبار الأهم في نظامهم السياسي. وإذا استخدمنا المعادلة الماركسية حول الطبقات الاجتماعية وتكوينها، يمكن اعتبار اعتماد الطائفية السياسية في لبنان مشابهاً للانتقال من جماعة (أو طائفة) في حدّ ذاتها إلى جماعة (أو طائفة) لأجل ذاتها. وبعد ذلك، ترسّخت ثقافة الطائفية السياسية شيئاً فشيئاً في الوعي الجمعي والممارسة السياسية للنخب السياسية والاجتماعية في لبنان.

ترسّخت ثقافة الطائفية السياسية شيئاً فشيئاً في الوعي الجمعي والممارسة السياسية للنخب السياسية والاجتماعية في لبنان.

على المستوى الإيديولوجي، كانت الطائفية السياسية استجابة غير مباشرة لتحدٍّ انبثق من رحم الظروف التي وُلد فيها الكيان اللبناني. وبالتالي، لايمكن اعتبار تشكيل لبنان الكبير بعد العام 1920، سواء من جانب خصومه أو محازبيه، أكثر من تركيب استعماري فرنسي تمت المبادرة إليه بتواطؤ فعّال من النخب المارونية ولصالحها. وفي حين أن أسباباً مختلفة كانت هي الدافع لذلك، فقد كان هدف الموارنة والفرنسيين هو توفير وطن شبه قومي للمسيحيين في الشرق الأوسط ذي الغالبية المسلمة. وقد اعتبرت النخب المارونية هذه المغامرة تتويجاً لمشروع أمّة لبنانية كان قيد النضج منذ أمد طويل،2لكنه لم يحل البتة مشكلة العلاقة الغامضة بين القومية اللبنانية وبين المارونية السياسية.3 أما فرنسا، التي كانت في خضم تنافسها المتفاقم مع بريطانيا العظمى، فقد كان دافعها هو تحقيق مصالحها الجيوسياسية. وهي سعت لأن تكون لها طليعة في بلاد الشام، من شأنها أن تسمح لها بطرح إيديولوجيتها في المنطقة، جنباً إلى جنب مع سياسة حماية الأقليات، وفي المقدّمة منها حماية المسيحيين.

وهكذا، اضطرّت النخب المارونية، منذ البداية، إلى اختراع رواية تأسيسية تحل محل وتتجاوز المبرّر بالغ الفجاجة لوجود دولتهم الجديدة. ونظراً إلى التركيبة لبنان الديموغرافية والاجتماعية الجديدة، التي أُنشئت عبر توسيع البلاد حول منطقة جبل لبنان الأساسية، كانت ثمة حاجة إلى خطاب أكثر شمولاً لاستيعاب الطوائف الإسلامية التي جرى دمجها في الدولة الجديدة بصورة أفضل، التي كانت تماثل الموارنة تقريباً من حيث العدد الديمغرافي. بعبارة أخرى، كان لابدّ من تحويل الهيمنة إلى قصة وطنية مقبولة بصورة أعم، لتحل محل وتستوعب الانقسامات بين الطوائف الرئيسة.

إضافةً إلى ذلك، كان لابدّ من إحداث نوع من التوازن بين العدد الكبير من الروايات والأساطير المتنافسة التي تحيق بالكيان اللبناني وشرعيته: من أسطورة الأصل الفينيقي، إلى الوجود الماروني الذي وصفه ملك فرنسا لويس التاسع بأنه "وردة بين شوكتين"، إلى البلد بوصفه موقعاً أمامياً للفتح العربي لبلاد الشام.4 كانت الإمارة (حتى العام 1841)، وهي نواة لبنان الكبير الذي كان يعكس السيادة المارونية-الدرزية المشتركة، قد أُرسيت على فكرة أنها تُعتبر ملاذاً للجماعات المُضطهدة. وقد جرى استقصاء هذه السردية من بداية تاريخ الانقسامات والصراعات الدينية المبكِرة في المنطقة: من تجزئة الكنائس المسيحية البدائية، إلى الفتح العربي الإسلامي وتداعياته على منطقة الشرق الأوسط. وبالتالي، اعتُبرت هذه الرواية إطاراً ملائماً يشمل الجماعات الدينية الأخرى، شريطة أن يتم توسيع نطاقها وتُمنح بعداً عالمياً. لذلك، اعتُبر لبنان أرضاً للعيش المشترك، خاصة بين الإسلام والمسيحية، وجسراً بين الشرق والغرب، وبين الأراضي العربية وأوروبا.

كانت نتيجة   لتعهّد لبنان الوطني بتقاسم السلطة، تمثّلت بقرار تخصيص المناصب الحكومية الهامة للغاية لطوائف معينة. 

هذا النوع من الأفكار هو بالضبط ماوضعه بشارة الخوري، الرئيس اللبناني في ذلك الوقت، ورياض الصلح، رئيس الوزراء، في صلب الميثاق الوطني في العام 1943. 5 ووفقاً لصيغة رياض الصلح، كان الهدف الأساسي للميثاق الوطني "لبننة المسلمين اللبنانيين وتعريب المسيحيين في لبنان".6 كان من المفترض، بموجب الميثاق، أن يتخلّى المسيحيون عن التحالف مع الغرب (خاصة فرنسا)، في حين كان يفترض أن يتخلى المسلمون عن أي فكرة لدمج لبنان في دولة عربية أكبر.

في مايتعلق بتفاصيل الحوكمة وبنية الدولة المستقلة، وضع الميثاق الوطني ما اعتبره كلٌّ من الخوري والصلح توزيعاً عادلاً للسلطة بين الطائفتين الدينيتين، إلا أن التوزيع منح المسيحيين هامشاً كبيراً من التفوق. كان التمثيل البرلماني على أساس النسب التي تعكس التركيبة السكانية الطائفية، بواقع 6-5 لصالح المسيحيين. وقد جرى اعتماد النسبة نفسها في مجلس الوزراء وفي الخدمة المدنية.

على الرغم من ذلك، كان الجانب الأكثر تشويقاً في الميثاق الوطني، هو ذاك الذي كثيراً مايتم تجاهله، على الرغم من أنه الأهم: تخصيص المناصب العليا الثلاث في الدولة لطوائف محدّدة. فقد ألمح الميثاق ضمناً إلى أن رئيس الجمهورية سيكون مارونياً ورئيس الوزراء سنّياً، ورئيس مجلس النواب شيعياً. لم يتم التصريح بذلك أو النص عليه رسمياً، لكنه تُرِكَ على حاله منذ ذلك الحين، مايدلّ على قوة الميثاق وتفوقه على النصوص الدستورية المكتوبة بحذاقة. وكانت هناك نتيجة أخرى لهذا التعهّد الضمني بتقاسم السلطة، تمثّلت بقرار تخصيص المناصب الحكومية الهامة للغاية لطوائف معينة. وهكذا، حصل الموارنة على حصة الأسد، وخاصة في القطاعات الحيوية في الدولة. كان قائد الجيش وقادة المخابرات العسكرية وأجهزة أمن الدولة، فضلاً عن محافظ البنك المركزي، على سبيل المثال لا الحصر، من الموارنة.7

الطائفية السياسية لها جانبان. فمن ناحية، سمحت للجماعات المتباينة بالتوحّد من خلال توفير الإطار اللازم للشعب اللبناني لوضع عقد اجتماعي. ومن ناحية أخرى، أدخل تقاسم السلطة بالضرورة تقريباً آلية مدمرة لتوزيع الغنائم. وقد سمح ذلك الوضع للفساد بأن يصبح شكلاً مقبولاً من أشكال السلوك السياسي بسرعة نسبية. ومع مرور الوقت، ترجم ذلك نفسه في عدم فعالية الدولة وفي شلل عملية اتخاذ القرار. والأهم من ذلك، وهذا هو العيب الرئيس في النموذج الطائفي، هو أن تعزيز الهويات الطائفية وتوفير وضع سياسي وقانوني متكامل لها، جاء على حساب التقارب نحو هوية مشتركة.

الديمقراطية التوافقية وتفكّكها

انضم مؤسّسو الجمهورية اللبنانية في الواقع، باختيارهم نظاماً يقوم على الطائفية السياسية، إلى نادي مايُسمّى الديمقراطيات التوافقية، وهو نموذج سياسي ازدهر بعد الحرب العالمية الثانية. ومن خلال السعي إلى إقامة الدول على أساس التسوية الدائمة والتوافق، كانت التوافقية وسيلة مبتكرة للتوفيق بين عدم التجانس الاجتماعي وبين الديمقراطية البرلمانية.8لم يكن الفرد فقط هو من يمثّل الوحدة السياسية، بل الجماعة أيضاً. في لبنان، كانت الطوائف الدينية كيانات سياسية وقانونية على حدٍّ سواء، تتم فيها موازنة حقوق الأفراد بالضمانات الممنوحة للطوائف. وإذا ماكانت فكرة تقديم ضمانات محببة أساساً بالنسبة إلى المسيحيين، وتتعلق بالمخاوف والتهديدات التي يتصوّرونها في الشرق الأوسط ذي الغالبية الإسلامية، فقد توسّعت هذه الفكرة شيئاً فشيئاً مع مرور الوقت لتشمل الجماعات الدينية الأخرى كافة تقريباً. وهكذا أصبحت الضمانات مرادفاً لحقوق الأقليات، وآلية أمنية مادية ورمزية تم فيها ضمان موقع لجماعة ما تحت الشمس، مهما تغيّرت الظروف.

بيد أن الديمقراطيات التوافقية يجب أن تلبّي شروطاً معينة كي تعمل بطريقة مستدامة، وتتضمّن وجود بيئة إقليمية مستقرة ومسالمة، فضلاً عن نمو اقتصادي وآليات إعادة توزيع تتمتع بالكفاءة، تضمن التوازن اجتماعي واقتصادي بين مختلف فئات الكيان.9

كلا الشرطين، إضافةً إلى العديد من الشروط الأخرى، لم يكونا متوفّرين في حالة لبنان قبل العام 1975. فقد بدأت القوى السياسية الإسلامية تطالب بحصة أكبر في نظام كانت أُجبرت إلى هذا الحدّ أو ذاك على الانضمام إليه. وعلى الرغم من أن طموحات إقامة دولة عربية موحّدة سادت في الشرق الأوسط، إلا أن الفكرة بأن الدول المستقلة أصبحت الآن دائمة واكتسبت زخماً مع مرور الوقت. وإذا كان المسلمون لايزالون يشكّون في فكرة الأمة اللبنانية، إلا أنهم بدأوا مع ذلك يقبلون الدولة، على الأقل كإطار مقبول. وبالتالي، أصبح من الضروري بالنسبة إليهم تحسين شروط مشاركتهم في هذه الدولة، وأن يُظهروا بدقّة قسمات المواطنة التي طالب بها شركاؤهم المسيحيون منذ فترة طويلة.

تبعاً لذلك، أصبحت المشاركة نفير استنفار للساسة المسلمين. وبدا هذا صحيحاً خاصة بعد أن فتحت التغييرات في النظام آفاقاً جديدة لإجراء تغيير سياسي أساسي في البلاد.10 انبثق السعي إلى قدر أكبر من المشاركة، من الديناميكيات الإقليمية المتعارضة للغاية، مثل الصراع العربي الإسرائيلي المتصاعد، وصعود التشدّد الفلسطيني، والمنافسات بين العرب، والحرب الباردة وانعكاساتها على الساحة الشرق أوسطية. وكان تضافر هذه العوامل أساس اندلاع الحرب اللبنانية إلى حدٍّ كبير في العام 1975.

وثيقة الطائف التوازنية والمسألة السنّية-الشيعية

لم يكن الصراع اللبناني كلّه يتعلق بالطائفية السياسية، ولا بإعادة توزيع الحصص الطائفية في النظام السياسي وحسب. إذ تمت في الواقع معالجة مثل هذه القضايا إلى حدّ كبير، واتُّفق عليها تقريباً، خلال المراحل الأولى من الحرب، أي قبل اتفاق الطائف.11 إلا أن البعد الداخلي للحرب كان يتعلق بالفعل بالطائفية إلى حدّ بعيد. فحين بدأت القوى السياسية الإسلامية بتحدي النظام خلال تسعينيات القرن الماضي، كان هدفها من ذلك هو إعادة توازن القوى والصلاحيات بين المسلمين والمسيحيين. وبحلول السبعينيات، كان هذا التحدي قد تطوّر. فعشية الحرب، كان المسلمون يطالبون بإحداث تغيير جوهري وإدخال نظام ديمقراطي يعتمد معادلة الصوت الواحد للشخص الواحد في الانتخابات.12

مع ذلك، وبحلول العام 1989، وبعد جولات عدّة من القتال، ومقتل أكثر من 100 ألف شخص، ودمار لا حدود له، فإن كل مافعله اتفاق الطائف بشأن الطائفية هو تعديل النظام القديم.  وباستثناء العلاقات مع سورية وعلاقات لبنان مع محيطه الإقليمي، فقد كان اتفاق الطائف يتعلق بإعادة التنظيم أكثر منه بالتغيير.

تم تنظيم الاتفاق حول ثلاثة مبادئ توجيهية: إقامة توازن جديد بين وحدة لبنان ونظامه السياسي وبين تنوّع البنية السياسية والاجتماعية في البلاد، ونقل السلطة التنفيذية من رئاسة الجمهورية إلى مجلس الوزراء كهيئة جماعية، ومبدأ المساواة بين المسلمين والمسيحيين في البرلمان ومجلس الوزراء والمناصب العليا في الخدمة المدنية، بغض النظر عن التطورات الديموغرافية في المستقبل.13 كما دعا الاتفاق إلى إنشاء مجلس للشيوخ على أساس طائفي، ليضمن دور الجماعات الدينية عبر منحها سلطة الرقابة على الشؤون الوطنية الحيوية والمسائل المشار إليها في الاتفاق بعد إلغاء الطائفية في البرلمان، وطرح اللامركزية الإدارية؛ وأشار إلى مراجعة نظام قانون الأحوال الشخصية، ودعا إلى إنشاء لجنة وطنية لمناقشة إلغاء الطائفية السياسية، لكن من دون أمل بإمكانية تحقيق ذلك. علاوةً على ذلك، وضع اتفاق الطائف الأساس لعلاقات مميّزة بين لبنان وسورية، مع مايترتب على ذلك من آثار على البيئة السياسية في البلدين. من بين المبادئ الثلاثة، يُعتبر الأول والثاني الأكثر أهمية بالنسبة إلى هذا النقاش الذي يتعلق بالطائفية اللبنانية. ومع ذلك، تبيّن أن المبدأ الثالث هو الأهم.

نشر اتفاق الطائف السلطة ووزعها، ماجعل من الصعب تحديدها وممارستها. لم يكن واضحاً أيضاً من هو الطرف الذي سيكون مسؤولاً عن اتخاذ القرارات. 

أعاد اتفاق الطائف تنظيم الصلاحيات والأجهزة الدستورية، على نحو يتجاوز المظهر المُعتدل لنقل الصلاحيات التنفيذية من الرئاسة، التي كانت تتمتع بسلطة مطلقة في السابق، إلى مجلس الوزراء. ووضع أيضاً أنموذجاً جديداً تماماً لتحقيق التوازن الطائفي في السلطة، من خلال إنهاء الهيمنة السياسية والرمزية التي كانت تمارسها المؤسسة المارونية. ومع ذلك، بقي مآل نقل الصلاحيات الرئاسية غير واضح. ومن خلال إسناد هذه الصلاحيات إلى مجلس الوزراء، حيث كان التكافؤ الديني يشكّل ضمانة رسمية للمساواة بين الطوائف، نشر اتفاق الطائف السلطة ووزعها، ماجعل من الصعب تحديدها وممارستها. لم يكن واضحاً أيضاً من هو الطرف الذي سيكون مسؤولاً عن اتخاذ القرارات. وقد تفاقم هذا الوضع بسبب إبقاء بنود عدّة في الاتفاق غامضة، ربما عن قصد، وعرضة إلى التأويل.

للوهلة الأولى، بدا أن رئيس الوزراء السنّي هو المستفيد الرئيس من عملية نقل السلطة هذه.  ومع ذلك، تم اعتماد تدابير أخرى لتجنّب الوصول إلى مثل هذه النتيجة؛ إذ عليه، باعتباره الشخص الأساسي في برامج عمل مجلس الوزراء، أن يعمل على صياغتها مع رئيس البرلمان. وقد نصّ اتفاق الطائف على أن السلطتين التنفيذية والتشريعية منفصلتان، لكنهما "يجب أن تعملا بتعاون وتنسيق" لتحسين العمل السياسي. وأُضيفت إلى ذلك حقيقة أن يتم ترشيح رئيس الوزراء بعد إجراء مشاورات إلزامية بين الرئيس ورئيس البرلمان، ومشاورات يجريها الرئيس مع الكتل البرلمانية بحضور رئيس البرلمان. في مجلس الوزراء، كانت كل القرارات الهامة تتطلب أغلبية الثلثين، ما أعطى ضمناً النقض إلى إحدى أكبر ثلاث كتل متوقعة من الوزراء، أي كتل الرئيس ورئيس البرلمان ورئيس الوزراء. وكان هذا ينطبق مراراً وتكراراً على الوزراء الشيعة، الذين هم أكثر تنظيماً وانضباطاً من الآخرين، ويجمعهم التحالف الوثيق بين حركة أمل (حزب سياسي شيعي تم إنشاؤه في سبعينيات القرن الماضي) وبين حزب الله المدعوم من سورية.

لذلك، إذا بدا للبعض أن رئيس الوزراء السنّي هو الملك الجديد، فقد كان رئيس مجلس النواب الشيعي صانع الملوك في نهاية المطاف، وهذا على الأقل ما أبانته تجربة تنفيذ اتفاق الطائف حتى الآن. فقد تم منح رئيس البرلمان صلاحيات مُعزّزة، وجرى تمديد فترة ولاية رئيس البرلمان لتتوافق مع ولاية البرلمان، وهي عادةً أربع سنوات. كما تم منح رئيس البرلمان سيطرة واسعة على النشاط التشريعي، وإمكانية  التأثير الكبير على أصوات الوزراء والنواب الشيعة.

إن التفاعل ذا المستويات الثلاثة بين المسيحيين والسنّة والشيعة، هو الذي حرّك الحياة والواقع السياسي منذ اتفاق الطائف.

في أحسن الأحوال، وخلف المظهر الرسمي للتكافؤ بين المسلمين والمسيحيين، فإن التفاعل ذا المستويات الثلاثة بين المسيحيين (اختلط المكوّن الماروني تدريجياً مع المجتمع المسيحي الأوسع) والسنّة والشيعة، هو الذي حرّك الحياة والواقع السياسي منذ اتفاق الطائف. والواقع أن اتفاق الطائف أنهى التفوق الماروني، لكن حلّ محلّه في المقابل التفوّق المتصاعد والتنافسي بين الطائفتين الإسلاميتين الرئيستين، وهذا حدث هذا حتى قبل أن يُصبح الاستقطاب السني-الشيعي سمة مميّزة للشرق الأوسط.

سورية باعتبارها الناظم الأول والأخير لاتفاق الطائف

إذا ماوضعنا النص جانباً، نرى أن صياغة اتفاق الطائف جرت إلى حدٍّ كبير بالطريقة التي تم تطبيقه بها بعد العام 1990، والكيفية التي حُكِم بها لبنان، من جانب القادة الجدد، وسورية التي مارست السيطرة أو الوصاية على البلاد. وقد أدرك، منذ البداية، العديد من متابعي ومنتقدي اتفاق الطائف أن أوجه القصور في وسائل الحكم التي حدّدها الاتفاق كانت متعمّدة، لأسباب تتعلق بالنفوذ السوري. فقد وافقت الأطراف الدولية الضامنة لاتفاق الطائف بالإجماع على السماح لسورية بفرض وصاية فعلية على لبنان والحياة السياسية فيه. وقد لعبت سورية دوراً دائماً وموازناً ودقيقاً بين المسيحيين والمسلمين عموماً، وبين الموارنة والسنّة والشيعة على وجه الخصوص، وبين السنّة والشيعة على وجه التحديد، وأثارت العديد من التوترات القائمة اليوم، مُستفيدةً بالكامل من حرية التصرّف التي مُنحت لها.

والأهم أن أولويات سورية هي التي حدّدت على وجه الحصر إدارتها للبنان. وهذه الأولويات كانت من نوعين: أوّلهما أولوية إقليمية تتعلّق بموقع سورية على رقعة الشطرنج في الشرق الأوسط، وعلاقاتها مع العالم العربي ومع الغرب والولايات المتحدة على وجه الخصوص. وتتعلّق الثانية بالحفاظ على التوازنات الدقيقة داخل سورية، والتي تلاعب بها الرئيس السوري آنذاك حافظ الأسد ببراعة، وتأثّرت بصورة متزايدة بموجبات تأمين خلافته.

تقبّل المجتمع الدولي الوصاية السورية على لبنان، مقابل مشاركة دمشق البنّاءة في عملية السلام مع إسرائيل، والتي تُعتبر امتداداً لمؤتمر مدريد للسلام الذي عُقد في العام 1991. وأتاح لها هذا الدور من نظرها، وتمشياً مع أولويتها الأولى، كسب نفوذ في المفاوضات عن طريق التلاعب بالجبهة التي كانت لاتزال مفتوحة في جنوب لبنان الذي تحتلّه إسرائيل، والتي لعب فيها حزب الله دوراً هامّاً. وفي الوقت نفسه، كانت سورية المُشرف والحامي الفعلي لعملية إعادة الإعمار المُدرّة للأرباح في لبنان، والتي قادها رفيق الحريري، رئيس الوزراء الذي بات لاغنى عنه اعتباراً من العام 1992. وسمحت عملية توزيع الأدوار هذه لسورية بأن تمنح الراعي السياسي للحريري، المملكة العربية السعودية، إضافةً إلى دول خليجية وعربية ذات أغلبية سنّية، مصلحة في تحقيق الاستقرار في البلاد، في الوقت الذي انتزعت أرباحاً مالية ضخمة لنخبتها الخاصة من خلال آلية الحماية هذه.14

قراءة الأسد الصائبة للغاية لعلاقات القوة في لبنان والمنطقة، سمحت له باللعب بفاعلية على المستويين المحلي والإقليمي. ففي لحظات الجمود أو في حال حدوث أزمة في المفاوضات بين سورية وإسرائيل، كانت عمليات حزب الله في جنوب لبنان تتصاعد فجأة، وتبلغ ذروتها في بعض الأحيان في حروب مصغّرة، مايؤدّي إلى التدخل السريع من جانب الأطراف الدولية الفاعلة. وحين تكون عملية السلام على العكس، أكثر سلاسة، أو حين تكون علاقات الأسد مع فرنسا أو الولايات المتحدة أو المملكة العربية السعودية جيّدة، كان يتم تخفيف العقبات التي تواجه حكومات الحريري، وتمرير المشاريع إلى البرلمان والموافقة عليها بسرعة، عبر استجابة ملحوظة من جميع الوزراء الشيعة والموالين لسورية في مجلس الوزراء. وهكذا، أصبحت المقاومة وإعادة الإعمار الخيارين السوريين المزدوجين في لبنان، في حين كانا يعكسان أيضاً حالة الاستقطاب القائمة في المنطقة. وقد ازدهرت آنذاك الاستعارات الهادفة إلى إضاءة جوانب التوازن. لابل تم وضع بعض الاستعارات من جانب الأطراف الفاعلة نفسها، مثل الزعيم الدرزي وليد جنبلاط، الذي وصف لبنان بأنه "هانوي وهونغ كونغ"، وهي إشارة إلى احتضان البلاد المتزامن للتشدّد، وسعيها إلى الحصول على الربح بصورة رئيسة من خلال جهود إعادة الإعمار بقيادة الحريري.15

غير أن المقاومة وإعادة الإعمار، أدّتا في الداخل اللبناني، إلى قسمة القوى السياسية الرئيسة في البلاد: الطائفة الشيعية، من خلال حزب الله، الذي أظهر على نحو متزايد الروح والتطلعات الطائفية وجسّد مشروع مقاومة إسرائيل. والطائفة السنّية، التي يمثلها الحريري وحلفاؤه، الذين كانوا قيّمين على إعادة البناء الاقتصادي والمالي. أما الأسد الذي كان حائراً بين هدفه في تعزيز موقف سورية على طاولة المفاوضات، أو شنّ حرب مفتوحة ضد إسرائيل، وهو الأمر الذي يبدو أكثر انسجاماً مع الأهداف الإيرانية، فقد ترك نهاية اللعبة غامضة ومعلّقة. بالنسبة إلى سورية، تعايش كلا الخيارين وتنافسا مع بعضهما البعض، وهو الموقف الذي سرعان ماتغلغل في الثقافة السياسية اللبنانية.

تحوّلت هذه الأساليب المتنافسة تدريجياً إلى مشاريع متعارضة بالنسبة إلى المجتمع اللبناني. إذ تسبّب تعايشها المفروض في حدوث تصدّعات في النظام السياسي، بفعل إقصائيتها المتبادلة. كان مشروع الحريري ليبرالياً على المستوى الاقتصادي والسياسي، بقدر ماكان يرتبط بالعولمة وبالعلاقات مع الغرب التي طوّرها الحريري طوعاً من خلال علاقاته مع فرنسا وغيرها. وفي المقابل، كان يُنظر إلى مشروع حزب الله على نحو متزايد باعتباره مشروع بلد ومجتمع في حالة حرب بلا نهاية، ومعبّأ ضد إسرائيل والغرب. وهذا ما أكّده ضمناً ميل الحزب إلى فكرة الاقتصاد المُركِّز على الحرب. بالنسبة إلى حزب الله، كان مثل هذا الاقتصاد يتعارض مع اقتصاد موجّه نحو الترابط والتكامل الإقليميين، ويشتبه دائماً بأنه أحد جوانب عملية السلام بين العرب وإسرائيل في نهاية المطاف. هذا ناهيك عن دعم حزب الله الملموس لوجود مجتمع موازٍ في المناطق الخاضعة إلى سيطرته.

الجزء الثاني من عملية الموازنة التي قامت بها سورية، كان يتعلق بالأساليب التي استخدمها حافظ الأسد لاستقرار حكمه في سورية منذ العام 1970، عندما استولى على السلطة وبدأ بتشكيل جهاز سيطرة متماسك بإحكام. مزجت طريقته في الحكم بين القسوة وبين الحفاظ الدقيق على التوازن الطائفي والإقليمي والقطاعي داخل المجتمع السوري وبين نخبه. وبعد أن أحكم قبضته على عملية إعادة التأهيل السياسي للبنان، أقام الأسد نظاماً يدمج المجالين السياسيين اللبناني والسوري بطريقة تكاملية. ثم أُجريت تعديلات هامشية في النظام السوري، من خلال التأثير الذي تمارسه الجهات السورية الفاعلة في لبنان، وهي إحدى وسائل الأسد لتوسيع عطايا الكعكة، أي توزيع المزيد من الثروة والسلطة وتمكينه من تعزيز غَلَبَتِه وسيطرته.

في أواخر تسعينيات القرن الماضي، أصبحت مسألة الخلافة في سورية مصدر قلق متزايد بالنسبة إلى الرئيس الهرم والسقيم. فكان لا بدّ من الحفاظ على التوازن بين الأجنحة المختلفة التي تشكل النواة الداخلية لنظامه، من أجل تسهيل تسليم السلطة بسلاسة إلى ابنه بشار. وهكذا، أصبحت إعادة الإعمار والمقاومة أجندات سورية كذلك، تتشبّث بكل واحدة منها شريحة من رجال النظام، وبالتالي ظهرت حتى في سورية تصدّعات في صرح حكم الأسد.

أصبحت الأمور أكثر وضوحاً في العام 1998، عندما سلّم الرئيس السوري عملياً الملف اللبناني لبشار. إذ بدأت لعبة توازنات السلطة التي انطلقت منذ عقدين بالتعثّر، بسبب جملة من العوامل،  أبرزها حقيقة أن ديناميكيات الخلافة في سورية كانت بحاجة لأن تستند بإحكامٍ أكثر على قاعدة المقاومة الخارجية والصمود. وكان أحد أسباب ذلك تصدّي بشار للحرس السنّي القديم الذي رافق والده بإخلاص في السلطة، حيث كان يتصوّر أنه يقاوم صعوده. وهذا ترافق مع كراهيته المتزايدة للحريري وأساليبه وماكان يمثّل. بالنسبة إلى بشار وحاشيته، أصبح الحريري غير ضروري باطّراد، فيما كان يبدو الوريث السوري أكثر ارتياحاً مع شخصيات مثل الأمين العام لحزب الله حسن نصر الله. أضِف إلى ذلك شكوك بشار القوية بأن الحريري اخترق نظام والده، بل وقام برشوة كبار المسؤولين السوريين؛ وهذا في إطار الافتراض الضمني بأن هذا حدث لوجود نية محدّدة معادية للعلويين من جانبه.16

على الساحة اللبنانية، جاءت الإشارة الواضحة عن حدوث تحوّل أساسي في سورية مع انتخاب قائد الجيش، العماد إميل لحود، رئيساً في العام 1998، وإبعاد الحريري سريعاً من منصب رئيس الوزراء. وهنا، قلّة قليلة فقط من المحلّلين، شكّت بأن يكون الأسد الشاب اتخذ هذين القرارين الحاسمين بدعم من حاشيته التي بدأت تصوّر الحريري والحريرية باعتبارهما رأس حربة محتملة لمؤامرة وهابية تهدف إلى إضعاف أو تفكيك النظام في دمشق.17

نهاية الغموض: أقلمة لبنان

تكمن المراحل الأولى للتوتر بين السنّة والشيعة في لبنان في نظام مرحلة مابعد الحرب في البلاد، فضلاً عن التطورات في سورية. مثل هذه التطوّرات لم تكن خفيّة دوماً، لكن كان يتم احتواؤها من خلال الوجود السوري في لبنان، وأيضاً بفعل منعكسات الثقافة التوافقية التي كانت تثبط السلوك الطائفي المكشوف. ومع ذلك، خرج التوتر عن نطاق السيطرة، وتحوّل إلى صدام مباشر عندما بدأ العديد من التغييرات التي تؤثر على البيئة السياسية في لبنان بالتراكم. فقد أسفرت الديناميكيات الإقليمية عن تقويض التوازن الطائفي، وما يتضمّنه من التباسات كثيرة منذ أيام اتفاق الطائف.

تكمن المراحل الأولى للتوتر بين السنّة والشيعة في لبنان في نظام مرحلة مابعد الحرب في البلاد، فضلاً عن التطورات في سورية. 

باختصار، بدأ الإجماع الدولي حول وصاية سورية الفعلية على لبنان بالتآكل بعد العام 2001، ثم أصبح موضع شك علناً. فقد كانت النقلة النوعية في واشنطن بعد هجمات 11 أيلول/سبتمبر وغزو العراق في العام 2003 نقطتي تحوّل حاسمتين. وعلى الصعيد الإقليمي، تسبّب انسحاب إسرائيل الأحادي من لبنان في أيار/مايو 2000، ثم وفاة حافظ الأسد في يونيو/حزيران من العام نفسه في نشوء مشهد لبناني جديد أصبحت فيه فكرة المقاومة مصدراً للخلاف. وفي الوقت نفسه، كانت سورية تشعر بقلق متزايد من التطورات في المنطقة، وتخشى من أن يكون بشار الأسد هو التالي بعد سقوط نظام صدام حسين في العام 2003. وتأكّد تصوّر الأسد بأن نظامه بات مطوّقاً ومحاصراً عندما تم، في أيلول/سبتمبر 2004، تمرير قرار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الرقم 1559 الذي دعمته فرنسا والولايات المتحدة، والذي دعا إلى انسحاب القوات السورية من لبنان، واستعادة الحياة السياسية الطبيعية في البلاد، ونزع سلاح حزب الله.18

الزمن وحده كفيل بإثبات ما إذا كان رفيق الحريري، كما أكّدت سورية وحلفاؤها في لبنان، مسؤولاً عن، أو على الأقل شريكاً فاعلاً في، تمرير هذا القرار، الذي تتمثّل أهدافه في فرض الانسحاب السوري من لبنان، وحتى التحريض على تغيير النظام في دمشق. وقد وصل الشعور المعادي للحريري، وهو أصلاً كان منتشراً في أوساط بشار الأسد، مع كل مدرجاته الطائفية، إلى ذروته. وبرأي الأسد وأنصاره، لم يتراجع الحريري عن العقد الأصلي مع القيادة السورية عندما جاء إلى السلطة وحسب، أي أن يكون راعياً للمصالح السورية في لبنان وأداة طيّعة بالنيابة عن الطائفة السنّية. بل باتوا ينظرون إليه الآن باعتباره تهديداً حيوياً لنظام الأسد نفسه، بالوكالة عن أسياده السعوديين، وربما، في عقل الأسد، بالوكالة أيضاً فرنسا والولايات المتحدة.

كان هذا حال المناخ السياسي الذي أحاط باغتيال الحريري في شباط/فبراير 2005. 19 ولا شك أن مقتل الحريري شكّل ضربة شبه قاتلة للتوازن القائم في لبنان بعد العام 1990. كان مقتله أول وأقوى زلزال في عملية التوازن بين السنّة والشيعة، والتي نجحت سورية في إدارتها حتى ذلك الحين. كما أن مصرعه أنهى الإشراف السوري على بنية الحكم الذي كان سائداً حتى ذلك الوقت في لبنان. وفي هذا السياق، أسفر اغتيال الحريري عن موت اتفاق الطائف سريرياً.

 كان اغتيال الحريري أول وأقوى زلزال في عملية التوازن بين السنّة والشيعة، والتي نجحت سورية في إدارتها حتى ذلك الحين.

هذا الانقلاب المفاجئ غيّر بالكامل تقريباً آليات التنافس الطائفي في لبنان، من خلال القضاء على واحدة من ركائزه المحلية الرئيسة، الحريري، ومن خلال إضعاف دور سورية باعتبارها الحَكَم الإقليمي الرئيس في البلاد. فقد ظهر فجأة إلى العلن التوتّر الكامن بين اثنتين من القوى الطائفية الرئيسة المتنافسة على السلطة، السنّة والشيعة. لقد انتهى عهد المهادنة وبدأ عهد التحدّي، وبرز العنف باعتباره احتمالاً دائم الحضور.

عندما نزلت أعدادٌ غفيرة من اللبنانيين إلى ساحة الشهداء في وسط بيروت، في الأسابيع التي تلت مقتل الحريري، احتجاجاً على الوجود السوري في بلادهم وطالبوا بمحاكمة من يقفون وراء الاغتيالات السياسية في لبنان، بدا واضحاً غياب الطائفة الشيعية، أحد المكونات الرئيسة في البلاد، وممثليها السياسيين. كان هذا الغياب مؤشراً على الانقسام الحادّ في لبنان في ذلك الوقت، والذي اتّسع منذ ذلك الحين. كان اغتيال الحريري يمثّل، بالنسبة إلى السنّة في لبنان، جريمة لاتُطاق، وهي الجريمة التي سيزداد تأثيرها الطائفي في خضم شكوك بأن حزب الله متورّط فيها. كما اعتُبرت لامبالاة الشيعة خرقاً لمبادئ التعايش السلمي الطائفي الذي ساد حتى ذلك الحين.

تميّزت السنوات التي تلت ذلك، بين اغتيال الحريري في العام 2005 وبداية الانتفاضة في سورية في العام 2011، بالريبة وسفك الدماء والعنف المتواصل. وفي تموز/يوليو 2006، أدت الحرب بين حزب الله وإسرائيل إلى تكريس الحزب والطائفة التي يدّعي أنه يتحدّث باسمها كقوة إقليمية بارزة. علاوةً على ذلك، استأثر بشار الأسد بالانتصار الذي أعلنه حزب الله. ومع ذلك، أشعلت الطريقة التي فعل بها ذلك، الحرائق الطائفية من جديد. ففي كلمة ألقاها أمام مؤتمر اتحاد الصحافيين السوريين في 15 آب/آب 2006، أعلن الأسد أنه يعتبر أن من بين الأطراف الخاسرة في الحرب الدول العربية التي لم تدعم حزب الله، والتي يتزعمها من أشار إليهم بأنهم "أنصاف رجال"،20 وتحالف 14 آذار في لبنان، الذي سبق له أن وصف زعماءه السنّة بأنهم عبيد المملكة العربية السعودية.

كل هذه التطوّرات فاقمت الوضع في لبنان. وبعد مرور أكثر من عام، في أيار/مايو 2008، وردّاً على قرار حكومي كان يعارضه، نشر حزب الله مسلّحين في مايُشبه الانقلاب في الأحياء ذات الأغلبية السنّية في بيروت الغربية.21 وقد حاصر الحزب وحلفاؤه منزل سعد الحريري، نجل رفيق الحريري، ما اضطره إلى طلب الحماية من الجيش اللبناني، ونهبوا محطته التلفزيونية. كان ذلك يمثّل، بالنسبة إلى سكان بيروت، عودة إلى لبنان الثمانينيات، يوم كانت الميليشيات تحكم الشوارع.22 أما السفير السعودي، فقد هرب من العاصمة في يخت خاص، بعد أن تنكّر لتجنّب إثارة غضب الميليشيات الموالية لسورية، خصوصاً الشيعية منها.

تكرّر هذا الأمر بعد سنوات قليلة عندما انسحب حزب الله، في أوائل العام 2011، من حكومة رئيس الوزراء آنذاك سعد الحريري بسبب التقدّم الذي أحرزته المحكمة الخاصة بلبنان واحتمال اتهام حزب الله، في ذلك الوقت، باغتيال رفيق الحريري. وأدّى ذلك إلى نسف الاتفاق السعودي- السوري وتفجير حكومة سعد الحريري. ولم يمضِ وقت طويل بعد ذلك حتى أطلق حزب الله مرة أخرى رسائل تهديد، عندما نشر رجالاً غير مسلحين يرتدون القمصان السود في مواقع عدّة في بيروت، كرسالة تذكير ضمني بما حدث في العام 2008. وعلاوةً على ذلك، وقعت سلسلة طويلة من الاغتيالات السياسية في السنوات التي تلت اغتيال رفيق الحريري، وشلّت الحياة السياسية اللبنانية، فتم استهداف السياسيين والصحافيين والمثقفين الذين ينتمون إلى المعسكر المعادي لدمشق وحلفائها في لبنان.

النار السورية والنيران الطائفية في لبنان

عندما اندلعت الثورات العربية في 2010-2011، واتخذت أبعاداً طائفية حادّة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، كانت الانقسامات الطائفية متجذّرة أصلاً في لبنان. فالمسرح كان جاهزاً، والممثلون مستعدّون للعمل، كما أدّى الانهيار في سورية إلى تفاقم الأمور. كانت سورية قد تصرّفت منذ أمد طويل بوصفها مُشعل الحرائق والإطفائي في آن، حيث كانت تثير الأزمات التي يُطلب إليها بعدئذ حلّها. وبحلول العام 2011، ربما كان مُشعل الحرائق قد خرج من لبنان، لكن النار التي ساهم إلى حدٍّ كبير في نشرها كانت تشتعل بقوة، ثم أن سورية كانت قد خرجت من لبنان بصورة ظاهرية مباشرةً، لكن نفوذها بقي كاسحاً. ويعود ذلك جزئياً إلى أنه كانت للصراع في سورية تداعيات واسعة في لبنان. بالنسبة إلى البنانيين، لم تعد حسابات الربح والخسارة الناجمة عن الحرب في سورية تقتصر على بلدهم، إذ فُرض عليهم الآن أن يكونوا في المجال السوري- اللبناني الأكبر، وكأن البلدين أصبحا مرة أخرى بلداً واحداً تقريباً.

أما بالنسبة إلى حزب الله، فإن سقوط نظام الأسد كان سيمثّل انتكاسة استراتيجية، لما كان يُسمّى محور المقاومة. كان يمكن لسقوطه أن يؤدي إلى تعطل خط الإمداد الإيراني للحزب، وربما يمثّل المرحلة الأولى في إمكانية توسيع السلطة السنّية من لبنان إلى سورية وإلى غرب العراق في نهاية المطاف. ومن المفارقات أن القوة العسكرية لحزب الله لم تخفف من التصوّر الشيعي لوجود تهديد، حتى عندما أظهر الحزب سلوكاً ينطوي على مزيج من الغطرسة والعجرفة. فقد صدح حزب الله بتدخّله العسكري في سورية، وأرفق ذلك بمواقف من عدم التسامح، وبميل إلى السيطرة بإحكام على فضائه الاجتماعي، ولجم أصوات المعارضة في صفوف الشيعة.

على الطرف المقابل، كان سقوط الأسد، بالنسبة إلى السنّة في لبنان وحلفائهم من غير السنّة، سيحقق العدالة بعد سلسلة طويلة من التظلّمات، ومن شأنه أيضاً دحر الهيمنة الإيرانية في المشرق العربي، وتفعيل الظروف اللازمة لبروز لبنان حر وقابل للحياة، كما كان متوقعاً في العام 2005. وقد اتّسمت السنوات الأخيرة، بالنسبة إلى السنّة، بالإذلال المستمر وتراكم الضغائن، جنباً إلى جنب مع الشعور باليأس والعجز في مواجهة القوة العسكرية المتفوّقة لحزب الله.

هنا برزت مفارقة مثيرة. إذ قطعت القوى السياسية السنّية شوطاً طويلاً منذ إنشاء لبنان في مسيرة قبول الدولة والاندماج فيها. لقد صالحها اتفاق الطائف مع وطنها، ومنحتها سنوات الحريرية الطويلة شعوراً بمُلكية المشروع، أو على الأقل مُلكية جزء كبير منه. وهذا التشبث بالنزعة اللبنانية هو الذي يبدو الآن مهيّأً للانهيار بفعل التناحر بين الطوائف الإسلامية الرئيسة، حيث يشك السنّة بأن الشيعة يسعون إلى إعادة تعريف الدولة من جانب واحد لصالحهم. وماعزّز هذا الانطباع الجبن والتآكل، وفيما بعد، الغياب الملموس للزعامة السنّية التقليدية، وحقيقة أن الفصائل السلفية المتطرفة، التي عزّزت مكانتها المعركة في سورية، ملأت بالتدريج الفراغ الذي نجم عن ذلك.

أما الطوائف الدينية الأخرى في لبنان، والتي شعرت أنها محشورة بين أكبر طائفتين إسلاميتين، واللتين اتسع صراعهما خارج حدود لبنان ليصل إلى سورية، فقد انتابها إحساس بأنها باتت عرضة إلى الخطر أكثر من أي وقت مضى، فحدّدت نفسها على نحو متزايد بوصفها أقليات.

أما الطوائف الدينية الأخرى في لبنان، والتي شعرت أنها محشورة بين أكبر طائفتين إسلاميتين، واللتين اتسع صراعهما خارج حدود لبنان ليصل إلى سورية، فقد انتابها إحساس بأنها باتت عرضة إلى الخطر أكثر من أي وقت مضى، فحدّدت نفسها على نحو متزايد بوصفها أقليات.23 كان المسيحيون، منذ نهاية الحرب في العام 1990، قد تقبّلوا شعوراً بالتهميش والهزيمة، لابل استحدثوا كلمة تعبّر عن ذلك: "إحباط"، والتي أصبحت شعاراً سياسياً في بعض الأحيان. وأدّى تطوّر الأحداث في العام 2005 إلى وضع سياسي جديد لايقل تهميشاً، وربما تدميراً ذاتيّاً. وبعد ذلك، عاين المسيحيون، الذين وجدوا أنفسهم مستقطبين بين طائفتين مسلمين تتقاتلان من أجل إرثهما في لبنان، الصور المرعبة لتدهور أحوال الطوائف المسيحية السورية والعراقية وطردهم من أراضيهم.24

هنا مجدّداً كانت المفارقة صارخة. فقبل أكثر من قرن كان المسيحيون العرب، ولاسيما سكان بلاد الشام، في طليعة الصحوة العربية التي أحدثت نهضة في مجال الأدب والفنون الكلاسيكية، فضلاً عن إدخال أفكار القومية والعلمانية والدولة، وغيرها من المفاهيم التي ساعدت في تشكيل المعنى العربي للحداثة.25 وبعد أن انتفض العرب ضد حكامهم المستبدين تحت راية ما اعتبره المسيحيون برامج وشعارات مُقلقة (على سبيل المثال الدور الرئيس للإسلام السياسي في الانتفاضات، وتطبيق الشريعة الإسلامية في دساتير وتشريعات دول عدّة)، كانت العقلية المسيحية تعود القهقرى إلى نزعة الحفاظ على الذات. وترافقت مخاوف عدد كبير من المسيحيين مع إغراء لايقاوم للهجرة، كما يتضح من التراجع الحاد في أعداد المسيحيين في أنحاء الشرق الأوسط كافة على مدى عقود.26

مع تواصل الحرب في سورية، بدأت الانقسامات الطائفية في لبنان بالتحوّل شيئاً فشيئاً من توجّه يقوم على المصلحة إلى آخر يقوم على الهوية.

انقسم المسيحيون في لبنان، في مواجهة مثل هذه الأسئلة الوجودية، حول كيفية الرد. فدعا قسم منهم إلى التحالف مع الأقليات المسلحة والمقاتلة الأخرى في المنطقة في حلف أقليات. وعزّز كلٌّ من نظام الأسد وحزب الله هذه الفكرة، وإن كان ذلك تم تحت شعار حماية المسيحيين، كثقل موازن لصعود الجماعات الإسلامية السنّية المتطرفة في المنطقة. وكان قسم آخر من الجماعة المسيحية، عبر تعهدهم بعدم الانفصال عن الأغلبية العربية، أي السنة ضمناً، يستلهم ماتبقى من القومية العربية الليبرالية والتقاليد الإسلامية المعتدلة، ويراهن على حدوث نهضة على غرار الصحوة العربية، أي مشروع ليبرالي وتعددي يحقق الأمن للمسيحيين في نهاية المطاف، تمشياً مع التطلعات التي حفزت الثورات العربية.

ولّد تفكّك المنطقة مشاعر القلق والخوف نفسها لدى الدروز. ومع ذلك، كان رد فعلهم مختلفاً بعض الشيء، نظراً إلى كون الجماعة أكثر هشاشة، وتواجه انحساراً ديموغرافياً، وتتركز في شريط مثلّث من الأرض يمتدّ بين لبنان وسورية وإسرائيل. لايساور الدروز أي شك في أن العقود المقبلة ستعجّ بالاقتتال الداخلي الشرس في المجتمع الإسلامي الأوسع، وأنهم سيضطرون إلى استغلال كل مواهبهم في البقاء كي يستمروا. وفي هذا الصدد، راودت طائفة الدروز على الدوام، من جبال لبنان إلى مناطق الدروز في سورية، أفكار وخيالات الانخراط في الأمن الذاتي والبقاء على الحياد في الوقت نفسه، أو تطلعوا إلى إنشاء مناطق عازلة فعلية تضمّنها القوى الإقليمية، سعياً إلى الحفاظ على الطائفة والبقاء على قيد الحياة.

مع تواصل الحرب في سورية، بدأت الانقسامات الطائفية في لبنان بالتحوّل شيئاً فشيئاً من توجّه يقوم على المصلحة إلى آخر يقوم على الهوية، ومن توجّه سياسي إلى آخر أكثر رمزية. بعبارة أخرى، اتخذت آليات تحديد الهوية السياسية بعداً وجودياً أكبر، وتميّزت بمقاربات الحصيلة صفر (غالب ومغلوب) تجاه السياسة، لاتتوافق مع الوسائل الأكثر تقليدية لتحقيق المصالح، مثل التنافس على السلطة والمفاوضات وسوى ذلك من أشكال التفاعلات. فقد اكتسح عامل الخوف كل العوامل الأخرى. صحيحٌ أن هذين المستويين من التوجهات لم يُقصيا أبداً بعضهما البعض، بل كانا يمتزجان ويعزّز أحدهما الآخر. لكن، بينما كانت المنافسة بين الطوائف موجّهة أصلاً نحو التظلّمات السياسية وتتمحور حول المسائل التي تتعلق بالامتيازات والتمثيل وتقاسم السلطة والحكم والحصول على دور في عملية اتخاذ القرارات، وبينما كانت عملية التعبئة تتم في سياق سياسي، مع أنها كانت طائفية جداً، إلا أن الصراع اتخذ صبغة دينية، حيث حدّد الأفراد والجماعات أنفسهم بأنهم مجتمعات معرّضة إلى خطر الانقراض.

أدّى العنف في سورية، بكل ماماج  فيه من صور وقصص الاعتداءات السياسية والطائفية التي لاتطاق، إلى حلقة مفرغة من الهجمات والأعمال الانتقامية. ونتيجة لذلك، تم اللجوء أكثر من أي وقت مضى إلى الحماس الديني والهوية، بتشجيع من المتطرفين الذين كانوا يوفّرون التمويل اللازم. وفي سياق جهودها الرامية إلى التعبئة والتجنيد، استغلت كل أطراف الانقسام الطائفي في سورية الرموز والخطاب الديني كأداة في الصراع، وجرى إحياء الأساطير المروّعة، ماولّد المزيد من التطرف.

لقد أصبحت الخطوط الفاصلة بين السياسة القائمة على المصلحة وسياسة الهوية مشوشة بصورة مُهلكة. ففي ظل السياسة القائمة على المصلحة، تظل جميع القضايا، صغيرة أو كبيرة، قابلة للتفاوض والتداول والتفاعل. أما في ظل سياسة الهوية، التي تسود الآن، لايمكن التفاوض على الأمور، لأن كل شيء يعتبر مرتبطاً بطريقة أو بأخرى بصراع البقاء الطائفي. وقد أبرز العنف الشديد الجانب الوجودي لهذه القضايا، حيث ينظر إلى التفاوض وتقديم التنازلات باعتباره خطوة أولى على طريق الهزيمة والخسارة والاستسلام والقتل، في نهاية المطاف.

خاتمة

أكّد انبعاث الطائفية في طول الشرق الأوسط وعرضه، والتفكك العنيف لعدد من دول المنطقة ومستقبلها الغامض، على الحاجة إلى صيغ جديدة لتقاسم السلطة والوفاق الطائفي. فهذه الصيغ يمكن أن تتيح للمجتمعات المحلية ذات الهويات الفرعية الفرصة للتعايش في كيانات أكبر، بينما تساهم، في الوقت نفسه، في الحفاظ عليها. ويرى العديد من المراقبين للدول المنهارة مثل البحرين والعراق وسورية وليبيا واليمن، أن النموذج اللبناني للطائفية السياسية قد يمثّل إطاراً لتسوية النزاعات في المجتمعات السياسية العربية الممزقة التي تواجه مشاكل الإدماج وتقاسم السلطة،  ونموذجاً لإعادة بنائها السياسي.

يرى العديد من المراقبين للدول المنهارة مثل البحرين والعراق وسورية وليبيا واليمن، أن النموذج اللبناني للطائفية السياسية قد يمثّل إطاراً لتسوية النزاعات.

لكن، وبقدر ماقد تبدو هذه الفكرة جذّابة، إلا أنها تنطوي على العديد من المحاذير. يشمل المحذور الأول خلفية تشكيل النظام اللبناني. فقد أسهم عامل الزمن والخبرة التاريخية في جعل الطائفية أمراً مألوفاً عموماً في الثقافة الاجتماعية والسياسية في لبنان، بحيث أصبحت الآن راسخة في الروح الجمعية والسلوك الوطني. وهذا الأمر مفقود تماماً في البلدان العربية الأخرى، حيث تُعتبر نماذج الدول اليعقوبية المركزية للغاية (التي تعتمد على تعريف موحّد للهوية الوطنية في عملية بناء الدولة)، على العكس من ذلك، هي القاعدة، وحيث كانت فكرة العروبة دائماً أكثر جاذبية من فكرة الدول التي تنشأ حول الهويات الفرعية. كان لبنان دائماً موضع إعجاب وحسد في الثقافة السياسية العربية بسبب ليبراليته الاجتماعية والثقافية وانفتاحه، بيد أنه كان أيضاً مذموماً ومشوّه السمعة كثيراً، بسبب نظام حكمه الذي أضعف الهوية الوطنية، وتسبّب في حدوث أزمات متلاحقة، تخلّلتها حروب متقطّعة.

كما تشوهت سمعة النزعة اللبنانية بسبب خطيئة أولية. إذ تأسّست الدولة على أنقاض حلم الوحدة العربية بعد العام 1920. وسعت الرواية الواردة في الميثاق الوطني إلى تمجيد النظام القائم على الطائفية في البلاد، وطعّمته بأحد العناصر العالمية، أي التعايش والحوار بين المسيحية والإسلام. فماذا يمكن أن تكون الرواية الكبرى للمجتمعات الأخرى في العالم العربي، والتي يمكن أن تُضفي الشرعية على الأنظمة السياسية الطائفية في الدول التي كانت تمجّد القومية العربية في السابق؟

ثمّة قيد آخر يحول دون اعتماد الصيغة اللبنانية في دول عربية أخرى، يتعلّق بحقيقة أن هذه المجتمعات مختلفة جدّاً من حيث تركيبتها السكانية وحجمها، وبالطريقة التي تنهار بها. فقد كان لبنان، وعلى الرغم من الأزمات والصراعات التي واجهها، يخرج دائماً مع الوقت من متاعبه بفضل الرغبة في الحفاظ على ماكان يمتلكه، بدلاً من السماح بحدوث انهيارات دائمة. ثم أن الطائفية في لبنان تكرّست عموماً بسبب صيغة مُستعادة للتغلّب على الأزمات، أي صيغة لاغالب ولا مغلوب. كانت وجهة النظر هذه راسخة في المجتمع والنخبة السياسية، وغالباً مافُرضت عن طريق التدخل الخارجي. وقد سوّغ ذلك تحسين قبول الهيمنة والتفوق، أو على الأقل ترجمتهما وفرضهما على نحو أكثر سلاسة،27 ومن خلال آليات الحكم التي استوعبت الطرف الخاسر أيضاً. كانت التركيبة الديموغرافية في لبنان، والتي تم تعريفها في الأصل بالتكافؤ بين المسلمين والمسيحيين، وفي وقت لاحق بتقسيمها بواقع الثلث بين السنّة والشيعة والمسيحيين، عاملاً مساعداً إضافياً في هذا الصدد، ماسهّل تطبيق الثقافة التوافقية من خلال تجاهل أو إخفاء الحجم الديموغرافي الصحيح لكل طائفة.

الأمر ليس كذلك بالتأكيد في البلدان العربية، حيث الثقافة التوافقية مفقودة. كما أنه ليس مرجّحاً في البلدان التي أدت الوحشية وسفك الدماء وتشريد السكان إلى جعل المصالحة فيها أمراً صعباً. إنه صعب على وجه الخصوص، في الأماكن التي تشعر فيها الأغلبية السكانية بالاستياء الشديد تجاه أقلية قمعية في السلطة، أو حيث التركيبة السكانية غير متوازنة، إلى درجة أن الغالبية العظمى لاترى سبباً يدعوها إلى تقديم تنازلات للطوائف الأصغر حجماً.

ثمّة عائق آخر يحول دون اعتماد حل طائفي على غرار لبنان، يتعلق بالرعاية الإقليمية لأي نظام من هذا القبيل. فقد كان واضحاً أن اتفاق الطائف أدّى وظيفته، لأنه كان هناك طرف خارجي ناظم، سورية، يمكنه فرض القرارات بفضل هيمنته. فمن هي القوة أو مجموعة القوى التي يمكن أن تظهر في نهاية المطاف لضمان السلام في سورية؟ أو العراق واليمن والبحرين؟ وإلى أي مدى ستحظى القوى الخارجية بالقبول والاحترام، وإلى متى؟ وبالتالي، فإن السبب في الأزمة التي يعاني منها لبنان يكمن، إلى حد كبير، في عدم وجود قوة ناظمة، وهو مايُعَدّ تذكرة بالقيود المفروضة على نظامه المرقّع طوال الوقت.

في مايتعلق بلبنان، فهو اليوم على مفترق طرق، ويواجه ثلاثة خيارات محتملة. بالنسبة إلى الخيار الأول، قد يتسنّى للبلاد، مرة أخرى، إصلاح نظام الطائفية السياسية بطريقة تعالج الاختلالات والتناقضات، خاصة تلك التي تؤثّر على العلاقة بين السنّة والشيعة. ومع ذلك، هذا الاحتمال ليس متوفّراً إلى ما لانهاية. ويجب أن تأخذ عملية إعادة النظر في النظام السياسي في الاعتبار موازين القوى وتعكس ذلك بأكبر قدر ممكن. وبما أن الأوضاع الإقليمية والمحلية في حالة تغيّر مستمر، يكاد يكون من المستحيل أن نتصوّر أن يتم الانخراط في مثل هذه العملية في ظل الظروف الحالية. علاوةً على ذلك، من المستبعد أن يكون النظام المعدّل مستداماً لفترة طويلة، قبل أن تتدخل متغيرات جديدة لتغيير طريقة عمله مرة أخرى. ولذلك من المحتمل أن مجرّد ترقيع النموذج التوافقي في لبنان، لن يوصل إلى حلّ دائم لمشكلة التوازن بين التنوع الاجتماعي وبين الوحدة السياسية.

الافتراض الرئيس للخيار الثاني، بالنسبة إلى أنصار التدرّج ومن ينادون بإلغاء جذري وصريح للطائفية السياسية، هو أن لبنان سيكون محكوماً دائماً بأن يتخبّط من أزمة إلى أخرى، طالما أنه مبتلى بنظام يُسبّب الاستياء في الداخل، ويستدعي التدخل الدائم من الخارج. ومن المثير للسخرية أن الفوضى في المنطقة هي التي تشوّه إنجاز مثل هذا المشروع اليوم. ففي الوقت الذي تتفكك فيه دول شديدة المركزية، سيكون التحدي هو إثبات أن لبنان، الأكثر تلوّناً من جميع المجتمعات المشرقية، يمكن أن ينتج دولة علمانية متسامحة. والحقيقة أن ثقافة لبنان السياسية واقتصاده السياسي وتركيبته الاجتماعية، تشكّله بطريقة تجعل تحويله إلى نظام يعاقبة مركزي أمراً بالغ الصعوبة.

الخيار الثالث هو وضع نظام سياسي أكثر توسّعاً يشمل كل أنواع الحوكمة المختلفة، من أشكال اللامركزية وصولاً إلى الفيدرالية وحتى التقسيم. ويعتقد دعاة هذه الجهود أن من الضروري مواجهة الواقع ومعها تاريخ لبنان من الصراعات المتكررة بجرأة وبتصوّر شيء جديد تماماً. سيكون الطلاق الودّي، بالنسبة إلى بعض المسيحيين، الضمانة الأخيرة للحيلولة دون اختفاء الطائفة. أما بالنسبة إلى السنّة، حيث بدأت هذه المقاربات تحظى بالاهتمام، فقد يُعتبر هذا الخيار الطريقة المثلى لوقف اندفاع التشيّع السياسي، إلى أن تتحسن الظروف. من جهتها، الطائفة الشيعية لمّا تحسم أمرها بعد. فأحياناً يعطي حزب الله، الممثّل الرئيس للطائفة، انطباعاً بأنه سيقبل بنظام أكثر لامركزية، ماسيتيح له قدراً أكبر من الاستقلالية للاحتفاظ بترسانة أسلحته؛ غير أنه يدّعي في خطابه بأنه يسعى إلى دولة مركزية قوية.

ما لايأخذه هذا الخيار الأخير في الاعتبار، هو ميزان القوى الذي سيحدّد أي نقاش حول إقامة نظام أكثر توسّعاً. فالمسألة الأهم هنا هي الكيفية التي قد يؤثّر هذا النظام من خلالها على القدرة التفاوضية لكل طائفة، ماسيسمح لها بالتمتّع بحصة مرضية في بقعة جغرافية صغيرة أصلاً. مثل هذا التوازن هو الذي سيحدد النتائج النهائية، ومايمكن أن يفرضه طرف على الأطراف الأخرى. قد يُدرك بعض ممثلي الطوائف، الذين يعتقدون أن الفيدرالية أو اللامركزية الواسعة ستحمي نصيبهم من السلطة، أنهم سيحصلون على أقل مما توقعوا في البداية إذا تم تغيير النظام الحالي. وفي هذا المعنى، ولذلك، نصح الكثيرون دعاة الحل الفيدرالي من المسيحيين بالتمسك باتفاق الطائف، لأنه يمنح طائفتهم المساواة، بدلاً من التطلّع إلى استبداله بنظام جديد قد يُضعف المسيحيين أكثر، لأن قدرتهم التفاوضية باتت محدودة اليوم.

منذ تشكيل النظام اللبناني، أعقبت أحداث عنف من نوع ما التغيرات التدريجية والعميقة كافة على حدٍّ سواء. 

على أي حال، وأيّاً تكون الإجابات، ينبغي أن توضع بعض النقاط في الاعتبار. فمنذ تشكيل النظام اللبناني، أعقبت أحداث عنف من نوع ما التغيرات التدريجية والعميقة كافة على حدٍّ سواء. والتحدي الذي يواجه اللبنانيين اليوم هو التفاوض على نظام جديد للحكم، من دون أن تدفع بيروت مرة أخرى ثمناً باهظاً. وفي الوقت نفسه، لايمكن لأي محاولة لإعادة النظر في النظام السياسي في لبنان إلا أن تتأثر بالأزمة السورية. والأمر الذي أبرزته المحنة في سورية هي العلاقة المتناقضة بين التعددية والاستبداد. فقد استوعب النموذج اللبناني، على الرغم من كل قصوره والانتقادات التي تعرّض إليها من جيرانه، التعددية قدر الإمكان، وبصورة استثنائية جيّدة بالمقارنة مع بيئة النظم السلطوية والأنظمة الديكتاتورية. وبما أن سورية الآن، وعلى الأخص الدولة السورية المركزية، تنفجر من الداخل، وينهار النظام في لبنان تحت وطأة تناقضاته الذاتية، فإن خيار اللجوء إلى أي من النموذجين - الدولة المركزية أو التوافقية - يجب أن يُطرح بحذر.

إن نظام الطائفية السياسية في لبنان يعاني من أزمة، بينما تنطوي جميع النماذج السياسية الأخرى على أكلاف مدمّرة ومخاطر محتملة. مايجب أن يأخذه اللبنانيون بعين الاعتبار هو أن الشرق الأوسط برمته اليوم في حالة من الفوضى، وبالتالي فإن حدوث تحولات من أي نوع، وفي أي مكان، أمر مستبعد. ويتعيّن عليهم، في الوقت الراهن، أن ينشدوا العزاء في حقيقة أن مجتمعهم أقوى وأكثر مرونة وابتكاراً من الدولة، على الرغم من أن لبنان دولة فاشلة وفق الكثير من المعايير.

الصيغة اللبنانية بعيدة عن كونها طريقاً يخلو من المطبّات. على العكس من ذلك: هي صيغة تشهد وقوع الحوادث مراراً وتقترب من نقطة اللاعودة الخطرة. وبالتالي، يجب على اللبنانيين أن يعترفوا بأن بلدهم يعاني من هشاشة دائمة وعدم استقرار متواصل، وأنه بلد يتأرجح على شفير الهاوية دوما.

هوامش

1 تم تخصيص المقاعد للموارنة والروم الأرثوذكس والروم الكاثوليك (أو البابويين الملكيين) في الجانب المسيحي، وللسنّة والشيعة والدروز في الجانب الإسلامي.

2 أنظر: Carol Hakim, The Origins of the Lebanese National Idea: 1840–1920 (Berkeley: University of California Press, 2013).

3"المارونية السياسية" هو المصطلح العربي الذي يمثّل العلاقة بين القومية اللبنانية والمارونية السياسية. وقد صاغه المفكّر اللبناني الراحل منح الصلح، للدلالة على مجموعة منتشرة من المواقف والسلوكيات السياسية التي يظهرها الموارنة تجاه السلطة والسياسة. مع مرور الوقت، أصبح المصطلح يدل على الهيمنة الناجمة التي حدت بهم إلى ممارستها على جهاز الدولة ومجموعة واسعة من الموارد الاجتماعية والسياسية الأخرى.

4 أنظر: Kamal Salibi, A House of Many Mansions: The History of Lebanon Reconsidered (Berkeley: University of California Press, 1989).

5 خلال جلسة للبرلمان في تشرين الثاني/نوفمبر 1943، قدّم خوري والصلح تعهدات بشأن الطريقة التي يتصوّران بها حكم البلاد إذا استقلّت. ويمكن الاطلاع على مبادئ "الميثاق الوطني" في محضر هذه الدورة التشريعية.

6 Salibi, A House of Many Mansions.

7 لم تكن الطائفية السياسية أمراً يدعو للفخر، حتى من جانب أولئك الذين ابتكروها وأشادوا بها. ولعل هذا هو السبب في أنها كانت تُعتبر على الدوام ترتيباً مؤقتاً، وكان يُنظر إلى ضرورة تجاوزها كهدف منشود. وتنظم المادة 95 من الدستور (المعدل في 8 تشرين الثاني/نوفمبر 1943) توزيع مقاعد مجلس الوزراء والمناصب في الخدمة المدنية بالإشارة إلى أنه: "كتدبير مؤقت، وتمشياً مع الرغبة في إقامة العدالة والوئام، وتمثل الطوائف الدينية تمثيلاً كافياً في الخدمة المدنية ومجلس الوزراء، شريطة ألا يضر ذلك بمصالح الدولة". (التوكيد مضاف). أنظر:Theodor Hanf, Coexistence in Wartime Lebanon: Decline of a State and Rise of a Nation (London: I. B. Tauris, 1993), 72.

8 إحدى الشخصيات الرئيسة من مدرسة الديمقراطيات التوافقية هي: Arend Lijphart, The Politics of Accommodation: Pluralism and Democracy in the Netherlands (Berkeley: University of California Press, 1968), “Consociational Democracy” in World Politics 21, no. 2 (1969), and Democracy in Plural Societies (New Haven: Yale University Press, 1977).

9 أحد الشروط الأخرى لكي تعمل الديمقراطيات التوافقية بصورة دائمة يتعلق بالمنافسة والسياسة داخل الطائفة الواحدة.

10 كانت رئاسة فؤاد شهاب (1958-1964)، على سبيل المثال، تغييرية نسبياً من حيث التوازن الطائفي والتفاعل وكذلك إعادة التكيف والتوزيع الاقتصاديين.

11 كانت الوثيقة الدستورية هي أول وثيقة تتناول التغييرات الدستورية في العام 1975. وقد أعقبتها مشاريع وثائق نشرت بعد مؤتمر للحوار الوطني عُقد في جنيف في العام 1983 ومؤتمر آخر عُقد في لوزان في العام التالي. وينطبق الأمر نفسه على مايُسمى الاتفاق الثلاثي الذي تم توقيعه بين الميليشيات المتحاربة في دمشق في العام 1985.

12 دعا أقوى اقتراح سياسي يسعى إلى إجراء تغيير أساسي، والذي طرحه تحالف القوى السياسية الإسلامية والأحزاب السياسية اليسارية، وشخصيات قريبة من الحركة الوطنية الفلسطينية، إلى إلغاء الطائفية السياسية، باستثناء منصب رئاسة الجمهورية، الذي كان من المقرّر أن يتولّاه مسيحي، على الرغم من أنه ليس بالضرورة أن يكون مارونياً، ويتولّى مسلم منصب رئيس الوزراء، على الرغم من أنه ليس بالضرورة أن يكون سنّياً.

13 أنظر: Theodor Hanf, Coexistence in Wartime Lebanon, 587.

14 كانت شبكة الفساد السورية-اللبنانية الأخطبوطية جزءاً هامّاً من الاقتصاد السياسي للبلدين بين العامَين 1992 و2005. أنظر: Reinoud Leenders, Spoils of Truce: Corruption and State-Building in Postwar Lebanon (Ithaca, NY: Cornell University Press, 2012).

15 In addition to “Hanoi and Hong Kong,” other metaphors were also used, such as Nadim Shehadi’s reference to the “citadel” and “the Riviera,” in “Riviera vs Citadel: The Battle for Lebanon,” Open Democracy (July 13, 2007).

16 أنظر: Joseph Bahout, Les entrepreneurs syriens: économie, affaires et politique (Syrian Entrepreneurs: Economics, Business, and Politics) (Beirut: CERMOC, 1994).

17 Nicholas Blanford, Killing Mr. Lebanon: The Assassination of Rafik Hariri and Its Impact on the Middle East (London: I. B. Tauris, 2006).

18 أنظر: Joseph Bahout, Liban-Syrie: une alliance objective franco-américaine? (“Lebanon/Syria: A Franco-American Alliance Objective?”) (تمّ عرض هذه الدراسة في مؤتمرٍ للمعهد الفرنسي للعلاقات الدولية، باريس، 5 أيلول/سبتمبر 2005).

19 أنظر: Nicholas Blanford, Killing Mr Lebanon. يعتبر معارضو سورية اغتيال رفيق الحريري مشروعاً مشتركاً بين سورية وحزب الله، مع كل مايستتبع ذلك من ارتدادات طائفية.

20 Seth Wikas, “The Damascus-Hizballah Axis: Bashar al-Asad’s Vision of a New Middle East,” Washington Institute, August 29, 2006, http://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/view/the-damascus-hizballah-axis-bashar-al-asads-vision-of-a-new-middle-east.

21 Nadim Ladki, “Clashes Bring Lebanon Death Toll to 81,” Mail & Guardian, May 12, 2008, http://mg.co.za/article/2008-05-12-clashes-bring-lebanon-death-toll-to-81.

22 Hilal Khashan, “The Rise and Growth of Hezbollah and the Militarization of the Sunni-Shiite Divide in Lebanon,” Middle East Institute, January 26, 2016, http://www.mei.edu/content/map/rise-and-growth-hezbollah-and-militarization-sunni-shi%E2%80%99-divide-lebanonوأيضاً: Michael Young, “The Consequences of a  Hezbollah-Led Opposition Victory in Lebanon’s Elections,” by Bernard Gwertzman, Council on Foreign Relations, May 28, 2009, http://www.cfr.org/lebanon/consequences-hezbollah-led-opposition-victory-lebanons-elections/p19512.

24 مصطلح الأقليات مزدهر الآن. وهو يدل على شعور بالانحسار الديموغرافي، وبالتالي السياسي، ويلمح إلى دعوة ضمنية لتوفير "الحماية" وهي الدعوة التي ردّدها ودعمها المجتمع الدولي، سواء في سورية أو في العراق.

24 تم استخدام المصطلحان اللبنانيان الساخران، "المسيحيون الشيعة" و"المسيحيون السنّة"، لوصف الاستقطاب والمواءمة بين مايفترض أنها لاتزال، في أحسن الأحوال، الجماعة التي تشكل "نصف" النظام السياسي، ولكنها ذابت، سياسياً على الأقل، في أجندات الطوائف الإسلامية الرئيسة.

25 تمثّلت الصحوة العربية في التقاليد الفكرية، وفي وقت لاحق السياسية، التي تطوّرت في جبل لبنان، ثم في جزء من بلاد الشام، وفي مصر في مطلع القرن التاسع عشر. وقد سعت الصحوة العربية إلى إحداث "نهضة عربية".

26 “And Then There Were None,” Economist, January 2, 2016, http://www.economist.com/news/middle-east-and-africa/21684795-fed-up-and-fearful-christians-are-leaving-middle-east-and-then-there-were.

27 أنظر: Perry Anderson, “The Antinomies of Antonio Gramsci,” New Left Review I, no. 100 (November-December 1976): 5–78.