على رغم انقضاء خمسين سنة على الحرب العربية الإسرائيلية العام 1967، يبدو أن الحركة الوطنية الفلسطينية تقف على مفترق طرق. فقد تعثرت الجهود المتكررة للتفاوض حول حل الدولتين، كما أن الوسائل التقليدية للحركة الوطنية الفلسطينية – وهي منظمة التحرير الفلسطيني، وفتح، والسلطة الفلسطينية منذ العام 1994– تواجه أزمات ثقة. وفيما يُرجّح أن يؤدي المسار الحالي إلى استمرار الاحتلال، والتوسع في الاستيطان، والانقسام الداخلي، إلا أن البدائل الاستراتيجية قد تقوّض إنجازات دبلوماسية ومؤسسية فلسطينية، من دون توافر ضمانات لنجاحها. والمطلوب استراتيجية متماسكة، وظهور جيل جديد من القادة القادرين على رأب الصدوع السياسية وضخ حياة جديدة في المؤسسات الفلسطينية.

أصوات فلسطينية

  • أجرت مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في الآونة الأخيرة مسحا شمل ثمانية وخمسين من القيادات الفلسطينية المختارة في مجالات متنوعة. وكما كان متوقعا، رأى المشاركون أن الاحتلال الإسرائيلي والأنشطة الاستيطانية عقبة كؤود تحول دون تحقيق السيادة الفلسطينية. غير أنهم قلقون بالقدر نفسه من الانقسامات الداخلية والاجتماعية. ورأى هؤلاء، بصورة خاصة، أن الصدع القائم بين الضفة الغربية وغزة يمثل عائقا هائلا يعترض تحقيق التطلعات الفلسطينية.
  • لقد أعرب أغلب المستجيبين عن تشاؤمهم تجاه المستقبل، وعن اعتقادهم بأن حل الدولتين لم يعد قابلا للحياة. وكان الشباب، بصورة خاصة، أميل إلى الاعتقاد بأن اتفاقيات أوسلو لم تخدم المصالح الفلسطينية. ورأى عدد مهم منهم أن المقاومة المسلحة هي الأسلوب الأكثر فعالية لتعزيز الروح الوطنية الفلسطينية. وقد اكتشفت مؤسسة كارنيغي تضاؤل الإيمان بالمؤسسات السياسية الفلسطينية. وبالإضافة إلى ذلك، تزايد التركيز على أهمية المجتمع المدني والمؤسسات التربوية.

البدائل السياسية

خلال العقود الأخيرة، بدأ تنظيم المؤسسات الوطنية الفلسطينية على افتراض أنها هي التي ستتولى في المستقبل زمام الأمور في دولة ذات سيادة. ومع تزايد شكوك الفلسطينيين بحل الدولتين، برزت بدائل أخرى كمسارات معقولة للمضي قدما إلى الأمام. وأبدت كل منها دلائل على تبلور هذا التيار في أوساط الأطراف الفاعلة في القواعد الشعبية، غير أن أيا منها لا يتمتع، ومن المرجح أن لا يتمتع، بالدعم من جانب القيادة السياسية التي تتخذ من رام الله مقراً لها.

  • ثنائية القومية. ما زالت نسبة تأييد الجمهور للمقترحات الخاصة بثنائية القومية، التي يتشارك فيها الفلسطينيون والإسرائيليون بدولة واحدة، متدنية نسبيا؛ وينبغي على المنادين بها أن يبينوا على نحو مفصل استراتيجية قابلة للحياة لبلورة هذه الرؤية. ومع ذلك، فبالنظر إلى الأغلبية الديمغرافية الفلسطينية الآخذة بالنمو بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، فإن خيارات ثنائية القومية قد تزداد جاذبية في السنوات المقبلة.
  • المقاربات القائمة على الحقوق. ثمة مؤشرات على أن المقاربات التي تستهدف تأمين قدر أكبر من الحماية القانونية للحقوق الإنسانية والمدنية الفلسطينية قد ازدادت قوة؛ وهي تشمل تدابير وتكتيكات متنوعة – تتراوح بين حركة ’المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات‘، والوثائق القانونية الدولية، والمقاومة غير العنيفة. غير أن تنظيم حملة مستدامة للعصيان المدني ستكون مهمة صعبة، وقد تخرج عن نطاق السيطرة إذا لم يتوفر لها إجماع وطني، وقيادة حية، وانضباط محكم.
  • المقاومة المسلحة. إن المقاومة المسلحة، التي تعتبرها إسرائيل مرادفا للإرهاب، هي المقاربة الأكثر راديكالية. وقد خلفت الانتفاضة الثانية آلافا من الضحايا وكانت كارثية بالنسبة للتطلعات الفلسطينية. وعلى الرغم من ذلك، فإن ثمة دلائل على أن الروح النضالية تزداد عنفوانا، وأن الخمود السياسي الفلسطيني قد خلق فراغا يملأه بالعنف أشخاص أو عناصر هامشية خابت آمالهم.

نحو تجديد مؤسَّسي

  • إن الهوية السياسية والثقافية الفلسطينية والمثال الأعلى المُدرَك للوحدة الفلسطينية ما زالت أصداؤهما على ما يبدو تتردد بقوة، غير أن الشعب الفلسطيني يعاني التشتت السياسي والجغرافي على حد سواء، الأمر الذي يزيد من تعقيد الجهود الرامية إلى التجديد المؤسسي.
  • ومع الإقرار بضعف المنظمة، فإن المشاركين الفلسطينيين في المسح يعتبرونها كيانا حيويا، بل إن كثيرين منهم يعتقدون أنها هي المفتاح لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني. فالسلطة الفلسطينية أخذت بالضمور خلال العقد الماضي، وهي تبذل جهدها اليوم لتقديم الخدمات العامة والمحافظة على سيولتها النقدية. وقد فشلت في رعاية جيل جديد من المواهب. وثمة دلائل واضحة كل الوضوح على هجرة الأدمغة.
  • وتواجه الفصائل الفلسطينية، كذلك، تحديات جسيمة. فقد فقدت فتح إحساسها التاريخي برسالتها بعد عقود من ممارسة السلطة، وهي تؤدي وظيفتها الآن كشبكة للرعاية لا كحزب سياسي. وتواجه حماس مشاكل أعمق من ذلك هي: غياب الاستراتيجية، وضعفها في الضفة الغربية وعجزها عن إدارة دفة الحكم في غزة، وفشلها في طرح خيار حقيقي للمقاومة، ووضعها الحالي بوصفها منبوذة على الصعيد الدولي.
  • لقد وافقت فتح وحماس كلتاهما، وبدعم من الغرب، على تقسيم فعلي لفلسطين، ما أدى إلى تَخنْدُق كل منهما في الأراضي التي يقيم فيها. وهناك تيار قوي في أوساط الفلسطينيين يرى أن هذه المنافسة تفرِّق الشعب الفلسطيني، كما أنها أسهمت في تداعي مؤسساته.
  • ومع فقدان الفصائل الفلسطينية لقدرتها على اجتذاب الأجيال الجديدة، فإن التيارات التحتية التي كانت قد أدت إلى ولادتها أصلا ما زال لها حضور مؤثر في المجتمع الفلسطيني. كما أن البنى النظامية التي تجسد الهُويّة الوطنية الفلسطينية آخذة بالتحلل، بيد أن الهوية نفسها ما زالت ثابتة الأركان.
  • يضاف إلى ذلك أن ثمة مؤشرات على العنفوان والروح الدينامية على المستويات الوطنية الفرعية. فالنقابات، والجماعات الطلابية، والأطراف الفاعلة الأخرى في المجتمع المدني، تمارس نشاطا سياسيا داخليا نابضا بالحياة وتتشابك مع القادة الأكثر شبابا ممن يستطيعون إعادة الروح إلى السياسات الفلسطينية فيما توشك السلطة على الانتقال من جيل إلى جيل.

تحميل النص الكامل

مقدّمة

بعد نصف قرن من الانتصار المذهل الذي مكّن إسرائيل من السيطرة على القدس الشرقية، والضفة الغربية، وقطاع غزة، ما زال المشروع الوطني الفلسطيني يواجه عوائق كأداء في مجال كينونة الدولة. فقد قسمت السلطة الفلسطينية - التي قامت العام 1994 كمحطة على الطريق باتجاه تحقيق السيادة الكاملة - إلى قسمين منذ سيطرة حماس على قطاع غزة عام 2007.‏1 وفي غضون السنين السبع والعشرين الأولى من الاحتلال الإسرائيلي، تزايدت حركة بناء المستوطنات الإسرائيلية خلال فترة الثلاثة والعشرين عاما التي تمثل عمر السلطة الفلسطينية، فارتفع عدد المستوطنين في الضفة الغربية من 116300 العام 1993 إلى 382900 العام 2015.‏2

منذ اتفاقيات أوسلو العام 1993، بدأت أغلب المؤسسات الفلسطينية بالتوسّع على أسس بديهية مفادها أن من الممكن إقامة دولة فلسطينية عبر المفاوضات لتسوية الصراع العربي الإسرائيلي. لكن منذ العام 2000، باءت الجهود المتتالية للتفاوض حول اتفاقية للوضع النهائي بالفشل. ومع تزايد الشكوك حول الطرق التي قد تؤدي إلى إقامة هذه الدولة، فإن الهدف النهائي لم يعد هو العنصر الموجّه للحسابات السياسية. ونتيجة لذلك، ما لازالت الشرعية السياسية الفلسطينية تتآكل مع تصاعد الرأي في أوساط الفلسطينيين بأن قيادتهم الوطنية عاجزة عن طرح رؤية استراتيجية تفصيلية متماسكة.

واضحة إلى الأمام. وسيؤدي المسار الحالي إلى استمرار الاحتلال، وتوسع المستوطنات، والانقسام الاجتماعي، والانحلال المؤسسي. وتفيد التسربات عن المفاوضات حول المقاربات الجديدة في القواعد الشعبية أنه لم يجرِ التوصل إلى إجماع حول هذه المسألة. فهذه المقاربات، التي تتضمن، أساساً، تعاظم المواجهة مع إسرائيل، قد تترتب عليها اضطرابات اقتصادية اجتماعية، ومن المحتمل أن تؤدي إلى تقويض بعض الإنجازات التنظيمية، والأخلاقية، والدبلوماسية التي حققتها الحركة الوطنية الفلسطينية حتى الآن – من دون ضمانات مؤكدة على النجاح. وبالاستناد جزئياً إلى مسح غير رسمي شمل ثمانية وخمسين شخصاً من القادة الفلسطينيين العاملين في مجالات عديدة، ومجموعة من المقالات حول مواضيع من بينها إشراك المجتمع المدني، والمشاركة السياسية للشباب، والمصالحة، والقانون الدولي، والحقوق الفلسطينية، يحاول هذا التقرير استشراف المستقبل حول قضية الإحياء والتجديد الوطني.

آراء ومواقف

في وقت سابق من هذه السنة، أجرت مؤسسة كارنيغي مسحاً شمل ثمانية وخمسين شخصية قيادية فلسطينية استُطلِعت آراؤهم حول الاتجاهات الاجتماعية والسياسية. وضمت المجموعة عدداً من الباحثين، والصحافيين، والمحامين المختصين بحقوق الإنسان، والناشطين، والقيادات الطلابية، وكبار الموظفين السابقين، والمبادرين وغيرهم من ممثلي الجماعات الفلسطينية في الضفة الغربية، وغزة، والقدس الشرقية، وإسرائيل، والشتات. ولم يكن اختيار هؤلاء عشوائياً. وينبغي، لذلك، ألا تعتبر آراؤهم ممثلة للمجتمع الفلسطيني بأكمله. غير أن إجاباتهم بمجموعها تلقي الضوء على شكل التوجهات المستقبلية للحركة الوطنية الفلسطينية. وتنعكس نتائج المسح في تضاعيف هذا التقرير، غير أن النقاط التالية تعرض بعض النتائج الأساسية. وقد طلب من المستجيبين أن يعربوا عن آرائهم بكلماتهم وأساليبهم، إلا إذا سئلوا عن غير ذلك؛ وقد صنفت الإجابات بعدها بوصفها جزءاً من التحليل.3

  • "ماهي في رأيك؛ التحديات الثلاثة الأهم التي تواجه المجتمع الفلسطيني؟" (إجابة مفتوحة). وقد عمدت أغلبية عريضة من المستجيبين من إجاباتهم الثلاث إلى دمج العناصر التالية: (1) شكل من أشكال الاحتلال و/أو النشاط الاستيطاني الإسرائيلي و(2) شكل من أشكال الانشقاق السياسي و/أو الاجتماعي الداخلي. وذكر نحو نصف أفراد العينة شكلا من أشكال عجز القيادات أو قصور الرؤى، بينما أشار عدد أقل من المستجيبين إلى أمور أخرى، مثل التحديات الاقتصادية، والديمقراطية، وحقوق الإنسان، والقضايا المتصلة بالوضع النهائي، مثل إقامة دولة فلسطينية أو حق العودة.
  • "ماهي في رأيك، التحديات الثلاثة الأهم التي تواجه الشباب الفلسطيني؟" (إجابة مفتوحة). وقد ذكرت أغلبية عريضة من المستجيبين هنا شكلاً من أشكال البطالة وقصور العمالة في واحد من إجاباتهم الثلاث. وأشار نحو نصفهم إلى الاحتلال أو القيود على الحركة، بينما ذكر عدد أقل منهم أموراً أخرى، بما فيها الاغتراب الاجتماعي، والتحديات المرتبطة بالفرص المتاحة للمشاركة الاجتماعية أو السياسية، أو الافتقار إلى الرؤية السياسية.
  • "ما هو، في اعتقادك، الوضع المتوقع أكثر من غيره في فلسطين في غضون السنوات العشر المقبلة؟" (إجابة مفتوحة). أعرب أكثر المستجيبين هنا عن تشاؤمهم في هذه الناحية. وكان نحو 20 بالمائة منهم متفائلين، بينما لم يكن أقل من 10 بالمائة متفائلين أو متشائمين.
  • "هل تعتقد أن من الممكن التوصّل إلى حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل؟" (خيارات متعددة). أجاب ثلاثون من أصل أربعة وخمسين مستجيبا بالنفي بينما كان الرد بالإيجاب من جانب أربعة وعشرين.
  • "ما هو الوضع السياسي المفضل لديك لفلسطين في غضون السنوات العشر القادمة؟" (إجابة مفتوحة). كان الرد على هذا السؤال تشكيلة واسعة من الإجابات، إذ أجاب أفراد العينة بالإشارة إلى شكل من أشكال حل الدولتين بأعداد أكبر ممن ذكروا حل الدولة الواحدة. (وشملت أكثر الإجابات المتصلة بأحد أشكال الدولة الواحدة دولة ثنائية الجنسية وديمقراطية، مع أن أحد القياديين في صفوف الطلاب من الضفة الغربية دعا بصورة مباشرة إلى إزالة الإسرائيليين.) غير أن أكثر من نصف المستجيبين رفضوا تحديد معالم سياسية محددة للدولة في آخر المطاف، وركزوا بدلاً من ذلك على تشكيلة من الأهداف، مثل إزالة المستوطنات، أو التحرير، أو حق العودة.
  • "ما هي، في رأيك، المؤسسة الفلسطينية الأكثر أهمية؟" (إجابة مفتوحة). ذكر المستجيبون الستة والخمسون عشرين كياناً مختلفاً، في مقدمتها منظمة التحرير الفلسطينية (تسع إجابات). وكان عدد الإجابات التي ذكرت المجتمع المدني أو مؤسسة تعليمية (ومجموعها ست إجابات) أكبر من تلك التي أشارت إلى السلطة الفلسطينية (أربع إجابات). وأكد سبعة مستجيبين بوضوح أنه لا توجد مؤسسات فلسطينية تتمتع بالكفاءة.
  • "من بين المكونات التالية، ما هو المكون الذي تعتبره العنصر الأهم في تكوين هويتك الشخصية؟" (خيارات متعددة). من أصل المستجيبين الستة والخمسين، رأى اثنان وثلاثون أن الهوية الوطنية هي العنصر الأهم، يليها الموطن الأصلي (تسعة)، والدين (خمسة)، والجنس (اثنان)، والأصل الإثني (واحد). وأورد سبعة من المستجيبين أكثر من إجابة واحدة، غير أن أحداً منهم لم يشر إلى العائلة أو العشيرة.
  • "من بين الزعامات الفلسطينية الحالية، من هي الشخصيات القيادية الثلاث الملهِمة الأدعى إلى الثقة من غيرها؟" (إجابة مفتوحة). ذكر أربعة وخمسون مستجيباً أسماء ثلاثين شخصية مختلفة. فبعد محمود عباس (اثنان وعشرون)، شملت قائمة الشخصيات الأبرز التي نوه بها المستجيبون كلاً من محمد دحلان (أربعة عشر)، وخالد مشعل (ثلاثة عشر)، وإسماعيل هنية (ثلاثة عشر)، ومروان البرغوثي (أحد عشر). وأفاد ثمانية من المستجيبين أنه ليس هناك شخصيات قيادية فلسطينية مُلهِمة.
  • "ماهي الدولة الأجنبية الأكثر أهمية بالنسبة لمستقبل فلسطين؟" (إجابة مفتوحة). اختار أربعة عشر من خمسين مستجيباً الولايات المتحدة، واحتلت مصر المرتبة الثانية (ثمانية) وإسرائيل (ستة)، والأردن (أربعة). وذكر اثنان من المستجيبين كلاً من مصر والأردن سويّاً، بينما أشار ستة إلى تشكيلة منوعة من الدول، وذكر أربعة أنه ليس هناك من دولة معينة تمارس النفوذ. وذكر مستجيب واحد بلداً آخر بمفرده إيران، أو النرويج، أو فلسطين، أو قطر، أو سوريا، أو تركيا.

قابلية الحياة لحل الدولتين

في السنوات الأولى بعد" النكسة" (التي يطلق عليها الإسرائيليون "حرب الأيام الستة" العام 1967)، كانت الصحوة الوطنية الفلسطينية أمرا بعيد المنال. وتولت إنشاء منظمة التحرير الفلسطينية العام 1964 جامعة الدول العربية التي كان يسيطر عليها آنذاك الرئيس المصري جمال عبد الناصر، لاحتواء الهوية الوطنية الفلسطينية، جزئياً على الأقل. وبعد جيل واحد استوعبت القومية العربية الحركة الوطنية الفلسطينية، وسيطرت فيه مصر على غزة والأردن على الضفة الغربية والقدس الشرقية، ثم وجد الفلسطينيون في هذه الأراضي أنفسهم، فجأة، في ظل الاحتلال الإسرائيلي العام 1967.

ولكن بعد ظهور ياسر عرفات وقيادة مستقلة لحركة فتح بعد عام 1967، حظي الفلسطينيون بمساندة دولية مهمة وحققوا بعض الخطوات باتجاه إقامة الدولة والتحرير. وأخذت أعمال حرب العصابات الجريئة التي قاموا بها- ولم تقتصر غالباً على أهداف مدنية إسرائيلية (بل غير إسرائيلية) - تستأثر باهتمام عالمي، وأدى ذلك بصورة لا مفر منها إلى إلصاق صفة الإرهاب بحركة التحرر الوطني. إلا أن ميل الفلسطينيين إلى استخدام هذا العنف لم يكن يستثني الدبلوماسية- التي استهدفت أول الأمر البعد الإقليمي ثم البعد العالمي- كما أنه لم يحل دون تطبيق البراغماتية السياسية، ولا سيما خلال ثمانينيات القرن الماضي ومن بعدها.4

وفيما كانت وجهات النظر الفلسطينية تتبلور باتجاه تكريس حل الدولتين في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، كان اللاعبون الدوليون يحددون، من خلال تجديدات تحديثات ومراجعات متتالية، الإطار الذي يمكن في إطاره تحقيق التطلعات الفلسطينية. وهناك ثلاثة أمثلة في هذه الناحية: قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 242 في تشرين الثاني/ نوفمبر 1967، واتفاقيات كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر العام 1978 ثم في العام 2003، خريطة الطريق الرباعية لتحقيق السلام- التي لم يكن للفلسطينيين دور في صياغة أيٍّ منها.5 وقد طرح قرار مجلس الأمن الدولي 242 أول الأمر مفهوم "الأرض مقابل السلام" الذي أصبح هو الأساس للاتفاقيات التي وقّعت بين إسرائيل ومصر (1979) والأردن (1994) واتفاقيات أوسلو. وتضمنت اتفاقيات كامب ديفيد الخطوط العريضة لسلطة تتمتع بالحكم الذاتي في الضفة الغربية وغزة. وقد رفضتها منظمة التحرير الفلسطينية ولم تنفّذ على الإطلاق، غير أنها غدت بمثابة نموذج لاتفاقيات أوسلو بعد خمسة عشر عاما. أما خارطة الطريق الرباعية، التي وُضعت مسوَّدتُها في عهد الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش وأطلقتها اللجنة الرباعية (الولايات المتحدة، وروسيا، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة) في نيسان/أبريل 2003، فقد كانت خطة تقوم على أساس الأداء لإنهاء الصراع، وقد غدت هي الأساس للجهود التفاوضية اللاحقة.

إن توسيع المستوطنات هو، بالفعل، جوهر الاحتلال. وما لم تتم معالجة هذه المسألة، فإن القضايا الأخرى لا معنى له".
—معين رباني، محلل وباحث

كان من الأهداف الأساسية لمنظمة التحرير الفلسطينية، وبخاصة في فترة الزعزعة التي سبقت أوسلو، "المحافظة على استقلالية القرار الفلسطيني".6 وفي حين حافظ الفلسطينيون دائما على حرية اتخاذ القرار، فإنهم حاولوا، عموما، تحاشي الانسلاخ عن الدول العربية. وقد تزامنت فترات التقدم في المشروع الفلسطيني على العموم مع فترات الاستقلال، بينما فتحت فترات الركود أو الانحسار المجال للتدخل الخارجي.

في هذه الأثناء، وقفت الولايات المتحدة واللاعبون الدوليون الآخرون ضد الجهود الأحادية الفلسطينية للعمل خارج إطار المفاوضات الثنائية، مثل الانضمام إلى المنظمات الدولية والسعي إلى تحقيق المصالحة بين فتح وحماس.7 وعلى الرغم من هذه المعارضة، فإن دولة فلسطين، على الرغم من افتقارها إلى الحدود أو السيادة، قد حظيت باعتراف دبلوماسي رمزي من جانب ما يزيد على 130 دولة تمثل نحو 80 بالمائة من سكان العالم؛ كما اكتسبت صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة ومنظمات دولية أخرى.8 غير أن الاعتراف الدبلوماسي، بحد ذاته، لم يحقق إلا أقل القليل من الفوائد الواقعية الملموسة.

مع أن القيادة الفلسطينية القائمة في رام الله ظلت تعمل وفق الخطوط العريضة لمنطلقات أوسلو الرامية إلى إقامة الدولتين، فقد تضاءلت الاحتمالات بتحقيق التسوية عن طريق المفاوضات. وكانت استطلاعات الرأي المكثفة في الضفة الغربية وغزة قد بينت على مدى عقدين من الزمان دعما ثابتا لحل الدولتين9 عبر المفاوضات – من الناحية النظرية على الأقل. غير أن أغلبية عريضة من القطاعات المستطلعة لم تعد تؤمن بإمكانية تحقيق هذه النتيجة؛ فقد أظهر أحد الاستطلاعات مؤخراً أن 65 بالمائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يعتبرون أن حل الدولتين لم يعد قابلاً للحياة؛ بل إن 3 بالمائة في الضفة الغربية وغزة رأوا أن على الرئيس محمود عباس أن يعيد ترتيب الأولويات في مفاوضات السلام؛ وأفاد 16 بالمائة فقط من الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و29 سنة أن اتفاقيات أوسلو قد خدمت مصالح الفلسطينيين.10 وأجاب معظم الأشخاص المُستطلعة آراؤهم في مسح كارنيغي بالنفي على سؤال ما إذا كان حلّ الدولتين لا يزال ممكناً (انظر الشكل 1).

استراتيجيات بديلة

مع وصول حلول الدولتين إلى طريق مسدود، يبرز السؤال: ماهي البدائل، وما هو مدى قابليتها للحياة؟ لقد ناقش الفلسطينيون طويلاً هذه القضية، وكان من بين البدائل المحتملة حل ثنائية القومية، والمقاربات المبنية على الحقوق، والمقاومة المسلحة. ويمثّل الأول مخرجاً بديلاً لا يتفق مع دبلوماسية حل الدولتين التقليدية، أما الحلّان الآخران فهما مقاربتان بديلتان لا تنسجمان بالضرورة مع خصائص دولة محددة في التحليل الأخير. غير أن كلاً منها ينطوي على استثناء قواعد اللاعبين الفلسطينيين الشعبية أو تهميشهم، ولا يتمتع أي منها الآن أو قد لا يتمتع في ما بعد، بدعم القيادة القائمة في رام الله.

ثنائية القومية

إن مقترحات اقتراح ثنائية القومية، التي يتشارك فيها الفلسطينيون والإسرائيليون في دولة واحدة، ليست أمراً جديداً. ففي عشرينيات القرن الماضي نادت منظمة "’بريت شالوم"‘ اليهودية – التي لم يكن عدد أعضائها نحو مائة شخص- بتعايش عربي- يهودي في دولة ثنائية القومية، في غمرة التوترات بين الجانبين في فلسطين الخاضعة للانتداب آنذاك.11 وفي أواخر الستينيات، وقبل الموافقة على مخرجات الدولتين والابتعاد عن العنف، اقترحت منظمة التحرير الفلسطينية إقامة "دولة علمانية ديمقراطية"، يتمتع بحمايتها الفلسطينيون واليهود على حد سواء.12 وخلال العقود الأخيرة أعربت شرائح معينة من المجتمع الفلسطيني مثل المثقفين ونشطاء المجتمع المدني، عن معارضتهم لإطار أوسلو لأنه أخفق في الحد من التوسع الاستيطاني وفرّط بمطالب الفلسطينيين، فبدأوا على هذا الأساس، المطالبة بحلول الدولة ثنائية القومية.

بيد أن الدعم الشعبي لمخرجات الدولة الواحدة، في الضفة الغربية وغزة على الأقل، ما زال ضئيلاً نسبيا. فقد بيّن استطلاع أجري في الآونة الأخيرة أن 18 بالمائة فقط من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يؤيدون قيام دولة ثنائية القومية، بينما وجد استطلاع آخر أن 43 بالمائة من الفلسطينيين يعارضون ذلك،13 إلا أن أعداداً عريضة من الشباب الفلسطينيين- الذين لم يكن تقديرهم عالياً للفوائد المترتبة على تقرير المصير للسلطة الفلسطينية- قد صرّحوا بصورة أقوى مما أعلنه الجيل الأكبر سناً بأن منطلقات أوسلو في حكم الميتة.14 والواقع أن بعضهم قد رأوا أن ثمة تأييداً عاماً مضمراً ومهماً لمخرجات الدولة الواحدة، ولكنه يفتقر إلى زعيم دينامي يدعو إليه ليصبح شرعياً وقابلاً للحياة.15

"إن تحقيق الدولة الفلسطينية أمر جوهري بالنسبة لحقوق الإنسان بأكملها، إلا إذا كان حل الدولة الواحدة ممكنا".
—حنان حمودة، محامية متخصصة بحقوق الإنسان

وبطبيعة الحال، يعتبر الكثير من الفلسطينيين أن التحرّك باتجاه مقاربات الدولة الواحدة أمرٌ كارثيٌّ بالنسبة للحركة الوطنية الفلسطينية، لأن إسرائيل ستحتفظ لنفسها بجميع المكاسب المؤسسية.16 ويخلص هؤلاء إلى القول بأن هذه المقاربة قد تفضي إلى شرعنة المستوطنات الإسرائيلية والمخاطرة بالاعتراف الدبلوماسي الذي حققته الحركة الوطنية الفلسطينية.

إن تحوّل الفلسطينيين البطيء باتجاه ثنائية القومية قد يترابط مع بروز الأغلبية الديمغرافية الفلسطينية بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط. لذلك يدرك الكثير من الفلسطينيين أن الزمن يعمل لصالحهم، على الرغم من النكسات السياسية. ووفقاً لتقدير استشرافي لاحتمالات المستقبل وضعه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في شهر كانون الأول/ ديسمبر 2015، فإن عدد الفلسطينيين واليهود المقيمين في الأراضي الفلسطينية ضمن الحدود التي كرّسها الانتداب البريطاني سيكون متعادلاً في العام 2017، أي نحو 6.4 ملايين لكل منهما.17 ويشير تقدير حسابي آخر إلى أن اليهود قد غدوا أقلية في "إسرائيل- فلسطين" منذ العام 2012.‏18 ومهما كانت دقة التوقيت، فإن الاتجاه واضح: فبما أن معدل المواليد الفلسطينية هي أعلى بصورة كبيرة–4.1 ولادة لكل امرأة في الضفة الغربية بالمقارنة مع 3.1 في إسرائيل–19 فإن الفلسطينيين سيؤلفون في المستقبل أغلبية جوهرية في المنطقة التي تضم إسرائيل وفلسطين كليهما. ولكن، إذا تبين أن هذا الاعتقاد بقوة الأغلبية الفلسطينية الديمغرافية مجانب للصواب، فإن هذا الوضع الخطر سيفضي إلى الخمود السلبي وبالتالي إلى الركود.

وحتى لو تم القبول بهدف الدولة الديمقراطية الواحدة باعتباره مطلبا حميدا، فإن على المنادين بثنائية القومية أن يبينوا السبيل المؤدي إلى بلورة هذه الرؤية. فعلى الرغم من مخاوف الأجيال السابقة من الزعماء القادة الإسرائيليين من ضياع الأغلبية اليهودية في إسرائيل،20 فإن الزخم الديمغرافي الفلسطيني لم يؤد حتى الآن إلى إدراك الإسرائيليين بالحاجة الماسة لتسوية النزاع. وقد خلص اليمين الإسرائيلي، على ما يبدو، إلى أنه من غير المحتمل أن يستلزم العنصر الديمغرافي التوصل إلى قرار بإنهاء الصراع. وقد أبلغ أحد المحللين الفلسطينيين مندوب مؤسسة كارنيغي أن تعزيز قدرة الأغلبية يتطلب إرغام إسرائيل أن تختار إما حل الدولة أو حل الدولتين—وبوسع إسرائيل أن تتحاشى هذا الخيار، طالما استمر الانقسام والفصل بين الضفة الغربية وغزة.21 وهكذا، فإن الثقل الديمغرافي قد يغيّر ملامح الصراع في العقود القادمة، وربما سيجعل حل الدولة الواحدة أكثر جاذبية، إلا أن من غير المحتمل أن يكون هذا العنصر السكاني من العوامل المحدّدة، وفي المستقبل القريب على الأقل.

المقاربات القائمة على أساس الحقوق

من الأمور المضمرة التي ينطوي عليها مَنْسَق أوسلو الفكرة التي مفادها أن الدولة السيادية هي الضمان الأفضل للحقوق الفلسطينية. غير أن كثيرا من الفلسطينيين ذكروا مرارا وتكرارا في المناقشات التي غطتها مؤسسة كارنيغي أن زعماءهم ينبغي ألا يقبلوا المفاهيم المطروحة للدولة. وبعبارة أخرى، فإن مضمون الدولة أهم في نظرهم من شكلها، وهم بالتالي يشككون في أن تكون قابلة للحياة أية اتفاقية تسفر عن خلق دولة تفتقر إلى خصائص معينة مثل الحدود المحددة، والاستقلال الأمني، والسيطرة على الحدود22. وثمة إشارات على حدوث تطور في تفكير الناشطين والمنظرين الفلسطينيين، بمن فيهم أولئك الموجودون داخل إسرائيل، في مقاربة تسعى إلى تحقيق حماية قانونية أفضل مستمدة من وثائق مثل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان واتفاقية الحقوق المدنية والسياسية.

"سواء كان الحديث عن دولة واحدة، دولتين، أو خمسين دولة، يجب أن يكون هناك عقد اجتماعي قائم على مبادئ الحرية والعدالة والكرامة للجميع، وهذا ما تسعى سياسات إسرائيل إلى منع تجسّده".
—فادي قرعان، قائد حملة وخبير في التنظيم المجتمعي

وقد تشتمل هذه المقاربة على تشكيلة واسعة من الإجراءات والخطوات التكتيكية على الصعيدين المحلي والدولي – تتضمن حركة ’المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات‘، والوثائق القانونية والشرعية العالمية والمقاومة غير العنيفة والعصيان المدني. وتتميز المقاربة التي تقوم على أساس الحقوق بالغموض بحيث يمكن أن تنسجم مع حل الدولتين أو ثنائية القومية على حد سواء- مع أنها لا تثير احتمال تقويض الولاء لحل الدولتين مع مرور الوقت. وإذا كانت الحقوق الإنسانية والمدنية الفلسطينية هي القيمة العليا والهدف الأسمى، فإن الدولة ستكون هي الوسيلة لتحقيق الغاية وليست الغاية نفسها. وبطبيعة الحال، فإن المقاربات القائمة على الحقوق قد تستخدم للمطالبة بالمزيد من الحقوق من جانب الهيئات الفلسطينية الحاكمة في الضفة الغربية وغزة. وربما يفسر ذلك إحجام هذه المؤسسات عن تبني مثل هذه المقاربات. وهناك تطبيقان محددان للمقاربات القائمة على الحقوق، وهما المقاومة غير العنيفة و’المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات‘.

المقاومة غير العنيفة

بيّن استطلاع أجري مؤخرا أن 62 بالمائة من سكان الضفة الغربية وقطاع غزة أنهم، في غياب مفاوضات الوضع النهائي،23 سيساندون المقاومة غير العنيفة. ومن الواضح أن لهذه المقاربة جاذبية نظرية لدى الفلسطينيين، ولا سيما إذا أخذنا بالاعتبار أن المفاوضات والعنف قد أخفقا في تأمين تحقيق الدولة، وكذلك السجل التاريخي لمسار حركات المقاومة غير العنيفة في سياقات أخرى. غير أن النجاح في الممارسة الواقعية يتطلب قيادة موحدة، وإجماعا وطنيا، وانضباطا تنظيميا – وهي متطلبات غائبة في هذه الآونة.24 وسيكون تنظيم حملة مستدامة للعصيان المدني مهمة صعبة وتستغرق وقتا طويلا. ومع أنها قد تعيد إلى الأذهان بعض الصور المثالية عن المسيرات السلمية، فإنها في واقع الممارسة العملية، قد تكون بشعة على نحو استثنائي – على الأقل في أعين الكثيرين الذين يعارضون أهدافها. فمن المحتمل أن تتضمن مواجهات متواترة بين الإسرائيليين والفلسطينيين في الشوارع، وعبر الوسائل الإعلامية، والمنتديات الوطنية، والمحاكم. وسيعتبر كثير من الإسرائيليين هذه الحملة محاولة لشَيْطَنة دولتهم وتجريدها من الشرعية، وربما يفضي ذلك، إلى مصاعب كبيرة اقتصادية واجتماعية للفلسطينيين. وما لم يتحقق الإجماع، والقيادة، والانضباط الوطني، فإن احتمال تسارع الأحداث وخروجها عن نطاق السيطرة سيكون عالياً جدا، الأمر الذي سيفسح المجال لأطراف فاعلة مثل حماس والجهاد الإسلامي، وفئات أخرى لتصعيد المواجهات إلى مستوى النزاع العنيف.

حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات
"حالياً، لا يوجد أي قائد سياسي فلسطيني ملهم. ولكن نموذج القيادة لحركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها يشكل مصدراَ للأمل والإلهام".
—علاء الترتير، باحث أكاديمي ومحلل سياسي

تمثل حركة" مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها"(Boycott, Divestment and Sanctions) التي انطلقت عام 2005 بدعم من المجتمع المدني الفلسطيني، على نحو ما، التمظهر العالمي للمقاومة غير العنيفة. وفي هذه الناحية، فإن إنجازات حركة مقاطعة إسرائيل، التي تسعى إلى ممارسة الضغط على إسرائيل من خلال الضغط الدولي والعقوبات الاقتصادية تبدو رمزية أكثر منها فعلية. ومع ذلك، فإن الزعماء الإسرائيليين يرون أن هذه الحركة تمثل تهديداً خطيراً في المدى البعيد، وهي تتمتع بقبول واسع في أوساط الفلسطينيين25 – مع أن كثيرين منهم يتساءلون عن الطريقة التي يمكنهم بها المشاركة فيها. فاعتماد الاقتصاد الفلسطيني العميق على إسرائيل من ناحية العمالة والتجارة الاستهلاكية تجعل من الصعب على الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة مقاطعة إسرائيل بدون إلحاق الأضرار الاقتصادية الضخمة بهم. ويعرب بعض المسؤولين الفلسطينيين عن مخاوفهم الخاصة بأنه إذا اتسعت الأضرار الاقتصادية المترتبة على إسرائيل جراء حركة مقاطعة إسرائيل، فإن الفلسطينيين سيعانون كذلك، نظرا إلى مواطن الضعف الاقتصادي لديهم.26 ومع أن هذه الحركة لا تأخذ في اعتبارها قضايا الوضع النهائي – لحرصها على المحافظة على الوحدة الداخلية – فإن دعوتها بفرض مقاطعة تامة على إسرائيل (بدلا من المستوطنات الإسرائيلية فقط) وموافقتها على حق العودة الشاملة للاجئين الفلسطينيين، تتجاوز مواقف منظمة التحرير الفلسطينية وتنأى بنفسها إلى درجة معينة عن القادة الفلسطينيين المقيمين في رام الله. وبصرف النظر عما يمكن أن تحققه حركة مقاطعة إسرائيل من نجاح في هذا الاتجاه، فإن من المحتمل أن تمثل تطوراً سياسياً مهماً لأنها مبادرة تعتمد على أصول شعبية عميقة الجذور لا على الأجنحة الهيكلية التقليدية.

المقاومة المسلحة

تمثل المقاومة المسلحة التي تعتبرها إسرائيل مصطلحاً مرادفاً للإرهاب، بطبيعة الحال، المقاربة الأكثر راديكالية وتطرفا. ولا يمكن استبعاد تجدد المقاومة المسلحة على الرغم من محافظة إسرائيل على تفوقها العسكري على أي خصم فلسطيني محتمل، والحروب التي دارت في غزة بين إسرائيل وحماس خلال العقد الماضي. وبعد أن عايشت النخبة الفلسطينية في رام الله الدمار الذي خلفته الانتفاضة الثانية التي أسفرت عن مصرع نحو 960 إسرائيليا واستشهاد 3250 فلسطينيا، وكانت كارثية بالنسبة للتطلعات الفلسطينية،27 فإن هذه النخبة لا تبدي أية رغبة في العودة إلى تجدد العنف.28 بل إن عباس نفسه لا يتهاون مع العنف، ويتعرض للنقد من جانب الفلسطينيين لأنه لا يدعم المقاومة الشعبية بشكل كافٍ.29 وفي المناقشات التي أجراها ممثلو كارنيغي في الضفة الغربية في كانون الأول/ديسمبر 2015 وفي شباط/ فبراير 2017 في عمان، لم يشر الفلسطينيون إطلاقا تقريبا للمقاومة المسلحة. كما لم ترد مثل هذه الإشارة إلا بصورة عابرة في المسح الذي أجرته كارنيغي- باستثناء طالبين يدعوان إلى ممارسة العنف – مع أن ذلك لا يعكس بالضرورة آراء الجمهور العريض.

"يقف المجتمع الفلسطيني على شفا جرفٍ هارٍ، والصراع الداخلي يختمر في إسرائيل، وتتعاظم وحشية الاحتلال فيما يواصل التهام الأرض والحقوق".
—رولا جبريل، أستاذة في العلاقات الدولية

غير أن ثمة دلائل على أن النزعة القتالية تكتسب المزيد من الجاذبية. فقد أظهرت عدة استطلاعات أجريت مؤخرا انقسام الفلسطينيين بالتساوي تقريبا بين من يؤيدون المفاوضات أو العنف.30 وواقع الأمر أن أجواء الركود السياسي العام قد ولّدت فراغاً يملأه الداعون إلى العنف من العناصر الهامشية والأشخاص المصابين بخيبة الأمل. ففي خريف عام 2015، انتشرت موجة من العنف لعدة أشهر، وكانت قد بدأت ببعض المصادمات بين الإسرائيليين والفلسطينيين في المسجد الأقصى، تلتها سلسلة من الهجمات الفردية. وهذه السلسلة من الأحداث التي أطلق عليها اسم "الهبّة"31 بين الفلسطينيين، تركزت أول الأمر في مدينة القدس القديمة. وامتدت الأحداث الدموية من هناك إلى الضفة الغربية وغزة، وأسفرت عن مقتل ما يقرب من أربعة وثلاثين إسرائيلياً واستشهاد 236 فلسطينياً خلال شهر حزيران/يونيو 2016. وشملت "الهبّة" هجمات فردية قام بها شباب فلسطينيون محبطون لا ينتسبون إلى أي طرف (يبلغون، على المعدل، الثالثة والعشرين من العمر)،32 بالإضافة إلى بعض النساء. وقد قتل رجال الأمن الإسرائيليون أعدادا كبيرة منهم. وقد أحجم الفصيلان الرئيسان – فتح وحماس – عن المشاركة المباشرة. ويبدو أن الانخفاض الحاد في عدد هذه الهجمات في ربيع 2016 قد أظهر أن مستوى التنظيم بين الفلسطينيين الذين يميلون إلى العنف كان من السوء بحيث حال بينهم وبين القيام بانتفاضة ثالثة.33

غير أن من الصعب التأكيد على أن الزعماء الفلسطينيون المستقبليون في رام الله سيحافظون على تمسك عباس بالمفاوضات. ذلك أن محمد العالول، نائب القائد الجديد لفتح، هو قائد عسكري ومحارب قديم صرح عام 2012 "إن أحدا لم يحذف كلمة الكفاح المسلح من القاموس".34 وفي مقابلة خاصة قبل ذلك بعام واحد، أعرب عن رأيه بأن الانتفاضات ليست قرارات يتخذها الزعماء، بل هي أحداث تتنامى من أسفل.35 وفي تلك الأثناء، فإن يحيى السنوار، الذي رُقّيَ في شباط/ فبراير 2017 قائداً جديداً لحماس في قطاع غزة، كان قد أسهم في تأسيس جهاز الاستخبارات المضادة التابع لحماس، وأمضى اثنتين وعشرين سنة في السجون الإسرائيلية لأنه قتل فلسطينيين متعاونين مع قوات الاحتلال.36 وفي الوقت الحاضر، يبدو أن حماس غير مهتمة بالدعوة إلى انتفاضة عامة ثالثة. وربما يعود ذلك، في جانب منه، إلى أن مثل هذه الانتفاضة قد تضعف من سيطرة حماس على مقاليد الأمور. ولكن قياسا على سلوك حماس خلال السنوات العشر الماضية، فليس من الصعب تصور بعض السيناريوهات التي تتغير فيها حساباتها، ولاسيما في رد فعلها على العزلة الإقليمية، أو الضغوط التي تمارسها حتى الجماعات الراديكالية، أو القيود الاقتصادية المفروضة على غزة.

"من دون انجاز الوحدة الوطنية، من المستحيل استغلال الإمكانات الكامنة للتحرر الوطني".
—رجا الخالدي، خبير اقتصادي في مجال التنمية

الوقائع المؤسسية

تُرى، هل تستطيع أية مؤسسة أن تتحدث بلسان الفلسطينيين، أو تخلق (أو تفرض) إجماعاً حول اتجاههم الاستراتيجي، أو تتولى تنسيق خطواتهم؟ في وسع الفلسطينيين استخدام الأجهزة العديدة التي أسست لتحقيق هذه الأهداف، غير أن هذه الأجهزة متعثرة في الوقت الحاضر. فهل يمكن إحياؤها؟

تحدي الجغرافيا

على الصعيد النظري، تتجلى، بقوة، الهوية السياسية والثقافية الفلسطينية والنموذج المثالي للوحدة الفلسطينية، غير أن الأولويات المختلفة لحركة تحرير وطنية تقف في منعطف طرق خطر، من شأنها أن تجعل جهود التجديد المؤسسي أكثر تعقيدا. فالضفة الغربية تواجه مخاطر التحول إلى كانتونات متأصلة، مع ارتفاع أعداد السكان المستوطنين إلى ما يعادل 600000 مستوطن في القدس الشرقية والضفة الغربية.37 وقد أسفرت التقييدات الإسرائيلية والمصرية على في النواحي الاقتصادية والإنسانية في غزة إلى فرض عزلة اقتصادية اجتماعية وجغرافية عميقة على المنطقة.38 كما أن القدس الشرقية، وهي مركز الهوية الوطنية الفلسطينية والحياة الثقافية على مدى الجانب الأكبر من القرن العشرين، تتعرض بصورة متزايدة إلى التهميش ثقافياً واقتصادياً، في ظل الضغوط الديمغرافية والفصل الماديّ الذي تفرضه عليها إسرائيل وتعزلها عن رام الله وبيت لحم، وكذلك في ظل الخمود والقصور الذاتي.39

إن الفلسطينيين في إسرائيل، الذين يبلغ عددهم 1.7 مليون نسمة، يشكّلون ما يقرب من 21 بالمائة من سكان إسرائيل.40 ومع أنهم يتمتعون بحقوق أكثر ديمقراطية من جماعات الشتات الفلسطينية في مناطق أخرى من الشرق الأوسط، فإنهم يعانون العزلة ثقافياً، واقتصادياً، وسياسيا. أما الفلسطينيون الذين يبلغ عددهم نحو 12 مليون نسمة في جميع أرجاء المعمورة، فإن نحو نصفهم يعيشون خارج فلسطين التاريخية ويعاني كثير منهم أوضاعا متفاقمة.41 ويمثّل مخيّم اليرموك للاجئين في ضواحي العاصمة السورية دمشق حالة مستفحلة. فقد كان في السابق مقراً لنحو مائة وستين ألف فلسطيني، ثم تعرّض على مدى سنتين إلى حصار وحشي يقال إنه أرغم ما يقارب أو يزيد على 85 بالمائة من سكانه على النزوح.42

لقد أسهم تنوّع هذه الجماعات وتعددها، بلا شك، في سهولة التكيف والمرونة الثقافية والاجتماعية الفلسطينية على مدى نصف القرن الماضي. وربما احتجبت الأولويات السياسية والاقتصادية الاجتماعية للفلسطينيين خلف أقنعة أخرى، مع أن النجاح لم يكن حليفهم على الدوام، للحفاظ على الوحدة في السبعينيات والثمانينيات من القرن المنصرم عندما كانت الحركة الوطنية الفلسطينية تحقق بعض التقدم، وكذلك بعد عام 1995 عندما بدت كينونة الدولة قريبة المنال. غير أن المؤسسات الفلسطينية فقدت منذئذ إلى حد بعيد القدرة على التواصل مع الجماهير الفلسطينية العريضة أو التوسط لحل خلافاتهم، ولم تكن هناك إلا فرص قليلة للتفاعل الشخصي بين الجماعات في ما بين القطاعات الجغرافية. وصحيح أن ثمة جهوداً تمهيدية عبر وسائل التواصل الاجتماعي لتجسير هذه الفجوات، غير أن هذه الجهود قد بُذلت كلها تقريبا خارج الهياكل الفلسطينية التقليدية.43 وحينما طُلب من الأشخاص الذين استُطلعت آراؤهم في مسح كارنيغي أن يحدّدوا المؤسسة الفلسطينية الأهم بالنسبة إليهم، كانت إجاباتهم مختلفة للغاية، كما أن ثمانية أشخاص نفوا وجود مؤسسة فلسطينية مهمة (انظر الشكل 2).

منظمة التحرير الفلسطينية، والسلطة الفلسطينية، وعملية الاستخلاف المقبلة

منظمة التحرير الفلسطينية

منذ تأسيسها العام 1964 وتكليفها بمهمة تحرير فلسطين، تمثّل منظمة التحرير الفلسطينية الواجهة الدبلوماسية للحركة الوطنية الفلسطينية. وبعد أن تولى ياسر عرفات قيادة المنظمة العام 1969، فإنه حقق الاعتراف بالمنظمة – في العالم العربي أول الأمر، ثم في الجمعية العامة للأمم المتحدة العام 1974‏44 ثم من جانب الولايات المتحدة وإسرائيل العام 1993،‏45 بوصفها الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني. غير أن المنظمة، حتى عندما كانت مؤسسة قوية، كانت بمثابة مظلة للفصائل وسياساتها، وتحت سيطرة فتح.

وفي السنوات الأخيرة، حلّت السلطة الفلسطينية، بما توفّره من رعاية ومساندة، محل منظمة التحرير الفلسطينية. ويرى الفلسطينيون أن منظمة التحرير الفلسطينية هي التي ولّدت السلطة الفلسطينية، غير أن المنظمة لم تكن لتبقى على قيد الحياة حتى الآن إلا لكونها ملحقا للهيئة التي خلقتها هي نفسها. فليس لها حضور مشهود في أوساط جماعات الشتات، ويبدو أنها فقدت القدرة على التحدث عن جميع الاهتمامات والهموم الفلسطينية.

"الفساد الحكومي هو أساس غياب الثقة بين الحكومة والمواطن".
—خليل تفكجي، مدير دائرة الخرائط

بيد أن المنظمة، على ما هي عليه من ضعف، لا تزال تحتفظ برأسمال رمزي مهم. ذلك أن المحللين الفلسطينيين يعتبرون هذا الكيان على الدوام مؤسسة حيوية، أو حتى مجرد وعاء يمكن إعادة تشكيله في وقت لاحق. ونظراً إلى نواحي العجز الذي تعانيه السلطة الفلسطينية، فإن بعض الفلسطينيين يعتقدون بأن منظمة التحرير هي المفتاح لإحياء المشروع الوطني الفلسطيني.46 وإذا انعقدت النية على إعادة النظر في بنية العلاقة بين الجماعات والمؤسسات الفلسطينية، فإن المنظمة هي الأداة المنطقية لهذا التغيير. إلا أن الصدع العميق الجذور بين فتح وحماس قد يكون في الوقت الحاضر عقبة لا يمكن تذليلها. ولا يمكن إحياء منظمة التحرير الفلسطينية إلا من خلال الفصائل القائمة الآن أو من خلال المواقع التي تترعرع فيها. وفي حالة الخيار الأول، فإن المنظمة ستخضع لمصالح هذه الفصائل؛ وفي الحالة الثانية، فإن إنعاشها سيكون من خلال حركة شعبية عميقة الجذور لم تتبلور حتى الآن.

السلطة الفلسطينية

أثناء رئاسته للحكومة بين عامي 2007 و2013، استثمر سلام فياض، رئيس الوزراء آنذاك، طاقة ضخمة لإسباغ الطابع المهني على السلطة الفلسطينية وتدريب كوادر موهوبة من التكنوقراط. وحظيت هذه الجهود باستحسان العواصم الغربية وعززت من قدرة السلطة الفلسطينية في مجال الحوكمة الصالحة. غير أن هذه الجهود أثارت السخط في أوساط النخبة في فتح – الذين لم يكونوا كلهم مقدّرين تماماً للمساعي الرامية إلى تعزيز الشفافية والمساءلة – وفي صفوف من كانوا يعتبرون تعزيز التعاون الأمني مع إسرائيل تعاوناً مع سلطات الاحتلال.47

في غياب أي تقدّم نحو إقامة دولة فلسطينية ذات سيادة، لم تتمتع الجهود التكنوقراطية إلا بأقل القليل من الدعم الجماهيري ولم تقدَّر لها الاستدامة. وخلال العقد الماضي، كانت السلطة الفلسطينية تعاني من الضمور، وهي تكافح اليوم لتزويد الخدمات العامة والمحافظة على قدرتها على الوفاء بالتزاماتها المالية. وقد بدأ بعض الفلسطينيين، حتى في رام الله، يتكهنون بنهاية السلطة الفلسطينية؛ فقد بيّن استطلاع جرى في الآونة الأخيرة أن 48 بالمائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يؤيدون حل السلطة الفلسطينية.48 وربما كان الأمر الأدعى إلى القلق أن السلطة قد أخفقت في إعداد جيل جديد من الموهوبين، كما أن ثمة دلائل واضحة على هجرة الأدمغة.49 وما لم يحدث تجديد في القيادة السياسية أو تقدم غير متوقع نحو بلورة كيان الدولة، فإن من المرجح استمرار الانحطاط البطيء في السلطة الفلسطينية.

"إن الإخفاقات الداخلية للسلطة الوطنية قد قوضت مصالح الشعب الفلسطيني ورفاهه، وهي السبب الذي جعل حماس تسيطر على غزة".
—أحمد فؤاد الخطيب، ناشط في المجالات الإنسانية

وبوصفه جزءاً من الجيل المسؤول عن تنمية مرافق السلطة الوطنية الفلسطينية، يشغل محمود عباس عدة مناصب عدة في آن معا؛ فهو رئيس السلطة الفلسطينية، ورئيس منظمة التحرير الفلسطينية، وقائد حركة فتح. غير أن استطلاعا جرى مؤخرا بين الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة بيّن أن 64 بالمائة منهم يطالبون باستقالة عباس من رئاسة السلطة الفلسطينية.50 ومن المحتمل ألا يتمتع خليفة عباس أو خلفاؤه بما كان له – وبالتأكيد ما كان لعرفات – من سلطة. قدّم الأشخاص المُستطلعة آراؤهم في مسح كارنيغي ثلاثين اسماً مختلفاً حين طُلب منهم أن يسمّوا ثلاثة قادة فلسطينيين يشكّلون مصدر إلهام لهم، باستثناء ثمانية أشخاص نفوا وجود قائد فلسطيني يشكّل مصدر إلهام لهم (انظر الشكل 3).

هناك شكوك حول قدرة الجيل المقبل من القادة الفلسطينيين على الاستقلال الصعب المنال عن الوصاية العربية. وهناك مؤشرات على محاولات عربية للتأثير على دينامية الاستخلاف الفلسطيني. ويتجلى ذلك، على سبيل المثال، في الدعم المصري والإماراتي لمحمد دحلان، وهو مدير سابق للأمن في غزة وربيب عباس الذي يعيش الآن منفيا في أبو ظبي بعد صدام حاد مع من كان معلمه ذات يوم. وإذا بقيت الحركة الفلسطينية على ما هي عليه من التصدّع والتخبط، فإن من المحتمل أن تجد العواصم العربية فرصا سانحة لممارسة نفوذها على السياسات الفلسطينية. وفي هذه الأثناء، فإن نفوذ الأطراف الخارجية على التحركات السياسية الفلسطينية سيتزايد جراء جهود الوساطة الرامية إلى أقلمة الصراع العربي الإسرائيلي – عن طريق الإفادة من تقارب المصالح الأمنية بين إسرائيل وعدد من الدول العربية.

فتح، وحماس، واحتمالات المصالحة

فتح

منذ أن ظهر ياسر عرفات بوصفه الزعيم الفلسطيني الفعلي بعد حرب عام 1967، سيطرت فتح، التي تأسست العام 1959، على السياسات الفلسطينية. وما ولا زالت فتح حتى اليوم هي الفصيل الداخلي الرئيسي الذي يتنافس فيه عباس ودحلان على الزعامة. وقد كان مؤتمر فتح العام السابع في أواخر العام 2016 في ظاهره محاولة لإحياء الحركة، غير أن الحصيلة النهائية كانت تعزيز سلطة الموالين لعباس والحيلولة دون إعادة دحلان إلى الساحة.51 ومع أن أحد الاستطلاعات الأخيرة قد بيّن أن 33 بالمائة فقط من الجماهير الفلسطينيين يؤيدون تجديد التفويض لعباس لقيادة فتح خمس سنوات أخرى،52 فإن تعيين محمد العالول، وهو من الموالين لعباس نائبا للرئيس للمرة الأولى قد فُسّر باعتباره دليلاً على أن عباس لن يتخلى عن الحكم في وقت قريب.53 غير مشاكل فتح عميقة الجذور وتتجاوز مناكفات الزعامة التي لا تنطوي بأي حال من الأحوال على توجهات آيديولوجية أو سياسية. ذلك أن فتح، التي درجت على العمل كشبكة للرعاية والوصاية أكثر منها كحزب سياسي، تفتقر إلى فهم واضح لرسالتها. وقد أخفقت، مثلما أخفقت منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية كلتاهما، إلا في مجالات محددة، في إنعاش أصوات كوادرها الشبابية. يُضاف إلى ذلك أنها تكاد تتحوّل إلى العمل السرّي في غزة، وقد فقدت جانباً كبيراً من تنظيمها في الشتات.

حماس

بصورة عامة، تمكّنت حماس، التي انطلقت خلال الانتفاضة الأولى في العام 1987، كفرع من جماعة ’الإخوان المسلمين‘ المصرية – وصُنفت بعدها كمنظمة إرهابية من جانب إسرائيل، والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، من فرض السيطرة على أجنحتها الداخلية. وقد حافظت حماس، على تحو ما، بصورة مؤثرة على صمودها وقدرتها على التكيّف، حتى مع تتابع الوافدين إليها أو المغادرين منها (أو مصرعهم) بيد أن حماس تواجه مشاكل أعمق مما تواجهه فتح، ومنها: افتقارها إلى استراتيجية، وضعفها في الضفة الغربية، وعجزها عن إدارة دفة الحكم في غزة، وفشلها في توفير خيار حقيقي للمقاومة، ووضعها بوصفها منبوذة دوليا. وقد تفاقم هذا الوضع جراء التدابير التي اتخذتها السعودية والإمارات ضد قطر في أوائل حزيران/ يونيو2017.‏54 وفي شهر أيار/ مايو 2017، أصدرت الحركة وثيقة مبادئ ترضي في ما يبدو جميع عناصرها. فقد أعلنت قبولها بدولة داخل حدود العام 1967 ولكنها رفضت الاعتراف بإسرائيل؛ وأكدت الجانبين الوطني والديني للنزاع.55 ويعتقد بعض النقاد أن الوثيقة صممت لتضليل المراقبين الأجانب، ولكن من الممكن أيضاً أنها قد وضعت للتستر على اختلافات داخلية، وذلك بالإشارة بقوة إلى تحول آيديولوجي برامجي، مع عدم الالتزام بأي منهما.56

وقد حدد المشاركون في مسح كارنيغي فصائل الضفة الغربية – غزة بوصفها التحدي الأهم الذي يواجهه المجتمع الفلسطيني. ولا يدعو ذلك إلى الاستغراب، لأن المنافسة بين فتح وحماس تقسم الشعب الفلسطيني وتسهم في اضمحلال الثقة بقدرة المؤسسات الفلسطينية. فهذان الفصيلان قد أقرّا، بدعم غربي، وفعليا، بتقسيم فلسطين، وذلك ما يسمح لكل منهما بالتموضع والترسخ العميق في المناطق التي تقع تحت سيطرتهما. وعلى الرغم من التشارك الواضح في أوساط الحركة الوطنية الفلسطينية، بما في ذلك احتمال إحياء كل من منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، فإن المحادثات المتكررة لإنعاش هذين الفصيلين الفلسطينيين قد منيت بالفشل، على الرغم من أن كلّا منهما يظهر رغبة حقيقية في إجراء المصالحة.

"لقد فقدت جميع المؤسسات شرعيتها في نظر أغلبية الفلسطينيين".
—محمد السمهوري، خبير اقتصادي

ومن غير المحتمل أن تُكلّل جهود المصالحة بين فتح وحماس ستكلل بالنجاح، وخصوصاً إذا ما تُرك هذان الفصيلان لاستخدام وسائلهما الخاصة. وحتى عندما تتصاعد الضغوط المحلية، مثل التظاهرة العامة العام 2011 في الضفة الغربية وغزة للمطالبة بإعادة توحيد السلطة الفلسطينية،57 فإن كلاً من هذين الفصيلين قد عمل على التعبير عن اعتراضاته من خلال عمليات سياسية تمكّنه من إعادة ترسيخ هيمنته على الوضع وتهدئة الرأي العام. غير أن هناك أوضاعا يمكن أن تتبلور خارج نطاق هذه الفصائل: ومنها، على سبيل المثال، الاحتجاج الوطني العام الدائم، أو نشوب أزمة داخلية، بالنسبة لأحد الفصائل. وقد يحدث ذلك نتيجة لضغوط إقليمية، أو تغيّر في المواقف الدولية، أو، في السياق الأكثر قتامة، في أعقاب حرب أخرى في غزة.

المجتمع المدني

على الرغم من هذا الضمور المؤسسي، تبرز الآن بعض المؤشرات على نشاط ديناميكيّ على مستوى المواقع الفرعية. فقد أظهرت النقابات، والجماعات الطلابية وأطراف أخرى فاعلة في المجتمع المدني نشاطاً سياسياً داخلياً نابضاً بالحياة، الأمر الذي خلق الروابط بين الفئات المختلفة وأتاح فرصة المشاركة للقيادات الشبابية التي كانت تتعرّض على العموم إلى الإقصاء من جانب منظمات مثل السلطة الفلسطينية، ومنظمة التحرير الفلسطينية، وفتح. أما المقاربات الوطنية البديلة التي يجري تبنيها، مثل حركة مقاطعة إسرائيل وحركات المقاومة غير العنيفة، فإنها تنبثق من المجتمع المدني الفلسطيني الناشط حتى في إسرائيل، وليس من مراكز القوى التقليدية، بل إن بعض الفلسطينيين يتوقعون أن يكون المجتمع المدني – لا أجهزة الأحزاب السياسية – هو المِهاد الذي سينطلق منه جيل القياديين في المستقبل.58 وتجدر الإشارة في هذا السياق إلى أن 20 بالمائة من المستجيبين في مسح كارنيغي قد ذكروا مؤسسة تعليمية أو إحدى مؤسسات المجتمع المدني بوصفها المؤسسة الفلسطينية الأكثر أهمية.

"في ما عدا الاحتلال نفسه، فإن غياب قيادة سياسية تمثيلية قادرة على اتخاذ قرارات استراتيجية هو التحدي الأكبر الذي يواجه الفلسطينيين".
—طارق باكوني، باحث

ومن جهة أخرى، فإن المجتمع المدني الفلسطيني قد عجز عن تجاوز الفجوات الجغرافية والسياسية بين الضفة الغربية وغزة، ناهيك عن القطاع العريض للسكان الفلسطينيين. وقد أسفر الاستقطاب الاجتماعي في كل من الضفة الغربية وغزة إلى تضييق النطاق الذي يتحرك فيه المجتمع المدني، بما في ذلك قطاعات الصحافيين والناشطين. وقد خلص تقرير صدر مؤخراً عن المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى) إلى أن الانشقاق الداخلي بين حماس وفتح "لما زال واحدًا من الأسباب المحورية للانتهاكات الفلسطينية للحريات الإعلامية" في كل من الضفة الغربية وغزة.59

ثمة فجوة أجيال بين زعماء قادة الضفة الغربية والجيل الصاعد من قيادات المجتمع المدني، غير أن الناشطين في العقد الثالث والرابع من العمر أعمارهم يدركون الموقف المتميز الذي يتبناه مواطنوهم الأصغر سنا، الذين يشكلون نصف المجتمع الفلسطيني ويمثلون ما يعرف بجيل أوسلو.60 تشير الاستطلاعات إلى أن الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و22 سنة، الذين لم يستوعبوا مباشرة ذكريات التطورات التي سبقت انتفاضة الأقصى، ولم ينضموا إلى حماس وفتح، هم الأكثر تأييداً لانتفاضة مسلحة وعمليات الطعن، والأقل مساندة لحل الدولتين، إذ يعتقد 70 بالمائة منهم أن المقاومة المسلحة هي التي ستعزز الحركة الوطنية الفلسطينية.61 ومع أن هناك قدراً من النزعة العدمية التي تثير القلق في أوساط الشباب الفلسطينيين الذين لم يتجاوزوا الخامسة والعشرين في الضفة الغربية والقدس الشرقية، وقد (تجلّى ذلك في هجمات "الهبّة" في 2015/ 2016)، فإن هناك كذلك مؤشرات في صفوف هذا الجيل على فعالية نشطة، ومعارضة عميقة الجذور في وسائل التواصل الاجتماعي لسياسات الوضع الراهن.62

"في غمرة التحديات التي يواجهها المجتمع الفلسطيني، فإن المؤسسات الأكاديمية مهمة بصورة حاسمة – فهي تعمل على تأمين الحرية الفكرية للشباب الفلسطينيين وتسهم في إنتاج جيل جديد من القادة المتعلمين ".
—هاني البسوس، محلل سياسي وأستاذ مشارك

لقد تصدّت هذه القيادات الصاعدة في المجتمع المدني للمصالح الراسخة في الضفة الغربية وغزة على السواء. وبالنظر إلى حالة الجمود السائدة في القمة، فإن الأيام القادمة المقبلة ستبين ما إذا كان بوسع هذه الأصوات أن تمارس أي نفوذ سياسي فعلي في المستقبل. ولكن لابد من حدوث تغير جيلي في السلطة ذات يوم؛ والعنصر الديناميكي المهم في الانتقال من جيل فلسطيني إلى آخر سيتمحور حول المدى الذي تستطيع فيه المؤسسات القائمة أن تجد الوسائل الكفيلة باستيعاب الطاقات، والمواقف والتجارب الخاصة بالجيل القادم.

ومن الخصائص المميزة للتعليقات التي أدلى بها كثير من الشباب الفلسطينيين تركيزهم على الاتجاهات الاجتماعية والديمغرافية في المدى البعيد أكثر من اهتمامهم بالبنى والأهداف، والتاريخ الوطني، وهي الأمور التي تُناقَش مرارا وتكرارا في أوساط الفلسطينيين الأكبر سنّاً. وقصة الحركة الوطنية الفلسطينية – التي يطلق عليها بعض الفلسطينيين اسم "الثورة"- خلال النصف الثاني من القرن العشرين لا تتردّد في مناقشات الشباب؛ ويشكك بعض قدامى الفلسطينيين (الذين يعتبرون بالكاد من الجيل الأكبر سنّاً) في أن الجيل الصاعد يعرف الكثير عن هذا التاريخ.63 ومع أن الشباب قد لا يوحّدون صفوفهم لمساندة أية سلطة أو أي موقف، إلا أنه فيبدو أن كثيراً من الطلاب والناشطين الشباب يؤمنون بغدٍ مختلف، ويستشهدون في هذا السياق بالآثار التي يخلفها معدل المواليد، والهوية الوطنية القوية (على غموضها)، وعدم استدامة الممارسات الأمنية الإسرائيلية. وبهذا المعنى، فإنهم يراهنون في ما يبدو على اتجاهات المدى البعيد وليس على عملية اتخاذ القرار المنظمة.

في هذه الأثناء، تبرز في أوساط الفلسطينيين في إسرائيل مؤشرات سياسية ديناميكية قد تؤثّر على وجهة الحركة الوطنية الفلسطينية في السنوات المقبلة. ففي المرحلة التي سبقت انتخابات الكنيست العام 2015، اتحدت الفصائل الفلسطينية في إسرائيل (وقد ضم بعضها أعضاء من اليهود) للمرة الأولى لتشكيل كتلة انتخابية واحدة بزعامة أيمن عودة.64 وقد فاز هذا الائتلاف، الذي سمي ’القائمة المشتركة‘ بثلاثة عشر مقعداً من مقاعد الكنيست المائة والعشرين، مما جعله الكتلة الثالثة في الكنيست. ولما زالت القائمة المشتركة تمثّل مصالح متباينة ومتقلبة، غير أن عودة أظهر قدراً من الفطنة السياسية. ومن المحتمل أن تتطور (الكتلة) إلى حركة أكثر تماسكاً مع أنها تواجه مهمة صعبة في بيئة عدائية. وقد ذكر أربعة من المشاركين في مسح كارنيغي أن عودة هو واحد من الثلاثة الأدعى إلى الثقة من الزعماء الفلسطينيين، بمن فيهم واحد في كل من الضفة الغربية وغزة. إلا أن تزايد النضج السياسي قد يجلب معه كذلك مأزقا عميق الجذور: – هل سيسعى الفلسطينيون في إسرائيل، كهدف أساسي، إلى توحيد أنفسهم في حركة فلسطينية أعرض أو إلى تعزيز حقوقهم داخل إسرائيل؟ ومن المرجح أن تظل الضفة الغربية بمثابة مركز الثقل للنشاط السياسي الفلسطيني في المستقبل المنظور. غير أن العلاقة بين الفلسطينيين في إسرائيل والفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة تستحق المتابعة.

خاتمة

يبدو أن أوضاع النشاط السياسي الفلسطيني قد دخلت مرحلة السكون منذ وقت غير قصير: فقد أغفل الربيع العربي وما تبعه من جيشان كلا من الضفة الغربية وغزة؛ ويواصل عباس منذ ثلاث عشرة سنة مهماته الرئاسية التي كانت ستستمر في الأصل أربع سنوات فحسب؛ وقد انقضت عشر سنوات منذ أن بدت التسوية الإسرائيلية – الفلسطينية الشاملة قاب قوسين أو أدنى. وفي ظل عجز الحركة الوطنية الفلسطينية على ما يبدو عن بلوغ هدفها في تحقيق السيادة – جراء العناد الإسرائيلي كما يرى أغلب الفلسطينيين-، فإن كثيرا من الفلسطينيين يعتقدون أن أولى الأولويات لحركتهم الوطنية هي ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل.65 وقد أظهر أحد الاستطلاعات مؤخرا أن 3 بالمائة فقط من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة يرون أن على عباس أن يركّز على عملية السلام، وذلك مقابل 40 بالمائة يطالبون بالانتخابات و24 بالمائة يريدون المصالحة.66

وقد سئل المشاركون في مسح كارنيغي أن ينظروا إلى ما هو أبعد من الطريق المسدود الحالي ويصفوا ما سيكون عليه الوضع في فلسطين بعد عشر سنوات. وفي ما يلي عيّنة من بعض الإجابات الأصلية غير المحرَّرة:

  • "إن لإسرائيل مشروعها السياسي حيال الأرض الفلسطينية والشعب الفلسطيني. وطالما استمرت حالة التجزئة والضعف بين الفلسطينيين، فإنهم لن يتمكنوا من التصدي لها. والعالم مشغول ومنشغل كل الانشغال بمشكلات كبيرة عن أداء أي دور فعال – وقد يبقى كذلك في المستقبل المنظور."
  • "يتمثّل الحل الأمثل في إيجاد دولة فلسطينية، غير أن هذا الحل لا يمكن تحقيقه في المستقبل المنظور، وأعتقد أنه سيتلاشى مع مرور الزمن. وفي المدى البعيد، فإن دولة ديمقراطية واحدة يعيش فيها الإسرائيليون والفلسطينيون ستكون هي الخيار الحتمي."
  • "سيشهد المستقبل نهاية السلطة الفلسطينية وبروز حركات وبُنى جديدة ذات رؤية تختلف بصورة جذرية راديكالية عما تحمله القيادة والأحزاب السياسية الحالية. وستُضم الضفة الغربية وسيتوسع النظام الكولونيالي. وستظهر أشكال جديدة من النضال."
  • "انحلال السلطة الفلسطينية (كما آمل). ونهاية حل الدولتين، وانتعاش النزعة الدينية المتطرفة – إلا إذا اتخذت خطوات رئيسية لكبح هذه التيارات وردّها عكسيا إلى الوراء ولا سيما في غزة."
  • "لا حل سياسي. استمرار الاحتلال. مزيد من المستوطنات في الضفة الغربية. استمرار حصار غزة. استمرار الانشقاقات الداخلية الفلسطينية. تكرار حوادث العنف والحروب. ردود إسرائيلية عدوانية."

إن أية محاولة للتكهن بما ستكون عليه الاتجاهات الحالية في المستقبل قد تفضي إلى التشاؤم واليأس. غير أن هذه الاتجاهات قد لا تتخذ المسار نفسه الذي سلكته خلال العقد الماضي. وصحيحٌ أن الهياكل النظامية التي تحتضن الهوية الوطنية الفلسطينية آخذة بالانهيار، غير أن الهوية نفسها لما زالت قوية بين الفلسطينيين. وقد فقدت الفصائل الفلسطينية معنى الرسالة التي تحملها مثلما فقدت القدرة على اجتذاب الأجيال الشابة. بيد أن التيارات التحتية التي أدت إلى نشوئها لما زالت تمارس حضوراً قوياً في المجتمع الفلسطيني. وفيما يستعد الجيل القادم المقبل في الحركة الوطنية الفلسطينية لتولي زمام الأمور، هل ستقوم القيادة الجديدة بضخ جرعة جديدة من العنفوان والحيوية في المؤسسات التي أصابها الضمور؟ أليس من الممكن أن تؤدي صحوة الإرادة الشعبية لتحقيق الوحدة الفلسطينية إلى إرغام الفصائل على معالجة ما يفصل بينها من فجوات جغرافية وسياسية؟ أليس من الممكن أن تسفر أزمة سياسية – أو تجدد أخطر من ذلك للنزاع مع إسرائيل – عن احتمال التجديد المؤسسي الذي لم تظهر بوادره حتى الآن؟ ألن تستطيع مقاربة "من الخارج" للنزاع تكون الدول العربية فيها مشاركة في المفاوضات، أن تنفح نسمة حياة في عملية السلام التي دخلت مرحلة الاحتضار؟ هل يستطيع جيل جديد من القيادات الطلابية وناشطي المجتمع المدني وآخرين أن يعيد العنفوان إلى الحركة الوطنية الفلسطينية؟

إن الإجابات – التي لا يعرفها المراقبون ولا الأشخاص الذين سيحددونها – هي التي تشكل المفتاح إلى مستقبل الحركة الوطنية الفلسطينية.


لا تتَخذ مؤسسة كارنيغي مواقف مؤسسية بشأن قضايا السياسة العامة؛ تعبَر وجهات النظر المذكورة في هذه الدراسة عن آراء كاتبها ولاتعكس بالضرورة وجهات نظر المؤسسة، أو فريق عملها، أو مجلس الأمناء فيها.

مقالالاغتراب السياسي في أوساط الشباب الفلسطيني

نور عرفة

تعاني القيادة الفلسطينية اليوم من الانقسام والشلل في آن واحد. ومن هنا، فإن الكثير من الشباب الفلسطينيين نأوا بأنفسهم عن النشاط السياسي النظامي.1 غير أن الاغتراب السياسي لا يعني العزوف السياسي٬ حيث أن بعض الشباب الفلسطينيين يبحثون عن فضاءات سياسية جديدة يعبرون من خلالها عن مواقفهم وعن قيادة جديدة وحقيقية أكثر قدرة على تمثيلهم.

جذور الاغتراب السياسي

مشاركة الشباب الفلسطينيين في النشاط السياسي النظامي آخذة بالتدني في الأراضي الفلسطينية المحتلة. فبحسب مسح أجراه الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني في العام 2015، فإن 1.4 بالمائة فقط من الشباب الفلسطينيين (من الفئة العمرية 15-29 سنة) ينتمون إلى حزب أو حركة سياسية (2.6 من الذكور و0.3 من الإناث).2 ومع أن على المرء أن يتوخى الحذر في ما يتعلق بنتائج المسح، فإن هذه الأرقام تعطي صورة تقريبية عن مستوى الجفاء بين الشباب الفلسطينيين وبين السياسة.

أدّت إلى حالة الاغتراب تلك عوامل عدّة. فقد اعترى الحركة الوطنية الفلسطينية الضعف والعجز خلال الاحتلال الإسرائيلي الطويل والتوسّع في إقامة المستوطنات، ما أدّى إلى التفسّخ في الساحة السياسية الفلسطينية. وقد تفاقمت الأزمة جراء الانشقاق الذي حدث بين السلطة الفلسطينية التي تتزعمها حركة فتح في الضفة الغربية والحكومة التي تتزعمها حماس في قطاع غزة من جهة أخرى، ما أدّى إلى حرمان الفلسطينيين من قيادة موحدة.

ويعاني المسؤولون الفلسطينيون كذلك من الافتقار إلى الشرعية. فقد انتهى تفويض الرئيس محمود عباس قبل ثماني سنوات، وما فتئت شعبيته تتضاءل منذئذ بصورة حادّة، خصوصا في ظل المأزق السياسي الراهن وغياب رؤية وطنية وسبل واضحة تؤدي إلى التحرير. أما المجلس الوطني الفلسطيني، وهو الهيئة التشريعية لمنظمة التحرير الفلسطينية، فإنه لم يمثّل الفلسطينيين تمثيلاً كاملاً منذ عقود. كما أن الانتخابات الرئاسية والنيابية في السلطة الفلسطينية لم تجرِ إلا مرتين منذ العام 1993. ومن غير المحتمل إجراء انتخابات وطنية ذات دلالة في المستقبل المنظور. وقد أجريت انتخابات البلدية، التي كان مقرراً إجراؤها في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2016 في أيار/مايو 2017، ولكن في الضفة الغربية وحسب، وأدى ذلك إلى استشراء الاستقطاب السياسي.

في كثير من الحالات، لم يعد الفلسطينيون يمثلون طرفاً ناشطاً بصورة مؤثرة سياسيا. فقد أدى التعاون الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل إلى إجهاض أعمال المقاومة الفلسطينية ضد سياسات إسرائيل الكولونيالية. بالإضافة إلى ذلك، فإن المسؤولين الفلسطينيين لا يتشاورون مع الدوائر الانتخابية التي يمثلونها ولا يخضعون إلى المساءلة والمحاسبة أمامها.

في العام 2015، كانت نسبة 4.5 بالمائة من سكان الأراضي المحتلة تتجاوز الخامسة والستين من العمر.3 غير أن هذه الفئة العمرية تضمّ جانباً كبيراً من النخبة السياسية والاقتصادية الفلسطينية، بينما يغيب الشباب (من الفئة العمرية 15-29 سنة) الذين يمثلون 30 بالمائة من السكان إلى حد كبير عن عملية صنع القرار السياسي. وعلى هذا الأساس، فإن حل الدولتين، الذي يتفاوض بشأنه جيل المسؤولين الفلسطينيين الأكبر سنا، يظل هو الاستراتيجية الوحيدة التي تروجها منظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية، مع أنها لم تعد تعتبر قابلة للحياة أو على جانب من الأهمية لكثير من الشباب الفلسطينيين.4

تضافرت هذه العوامل التي تعززها مشاعر الغضب إزاء الفساد السائد في السلطة الفلسطينية والسياسات التي تشجّع التطبيع مع إسرائيل،5 فخلقت وضعاً لا تعتبر فيه أعداد متزايدة من الفلسطينيين، ولاسيما الشباب، مسؤولي السلطة الفلسطينية، ممثلين شرعيين لتطلعاتهم السياسية. ويرى المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية أن نحو ثلثي الفلسطينيين طالبوا باستقالة محمود عباس في أعقاب مؤتمر حركة فتح السابع في أواخر العام 2016، وأن الثلث فقط قد أعربوا عن ثقتهم بقيادة فتح التي انتخبت في الآونة الأخيرة.6

إن العجز التنظيمي الذي تعاني منه الأحزاب السياسية الفلسطينية، وفشلها في توفير إطار للزعامات الوطنية، سواء داخل منظمة التحرير الفلسطينية أو خارجها، لعبا أيضًا دورًا في تعزيز الاغتراب السياسي لدى الشباب الفلسطيني.7 فليس لدى فتح ولا حماس اليوم استراتيجية واضحة للتحرير، كما أن الأحزاب السياسية الأخرى أخفقت في ملء الفراغ.

إن ضعف الفصائل السياسية وعدم ثقة الشباب الفلسطينيين بها يفسران لماذا كانت هبّة الشباب الأخيرة التي اندلعت في تشرين الأول/أكتوبر 2015 حركة تفتقر إلى القيادة والتنظيم على حد سواء. فهؤلاء الشباب الفلسطينيون (الذين تراوحت أعمارهم بين الخامسة عشرة وأواسط العشرين) كانوا هم القوة الدافعة وراء الهبّة. غير أنهم تزعموا هذه الاحتجاجات من دون الانتماء إلى أي فصيل سياسي ومن دون أن يتلقوا الدعم من أي منظمة أو حزب سياسي.8

إن تدهور الأوضاع الاقتصادية الاجتماعية وفقدان الثقة بقدرة القيادة الحالية على تحسين هذه الأوضاع، تمثّل عامل آخر وراء العزوف السياسي في أوساط الشباب الفلسطيني. فمعدلات البطالة عالية بصورة خاصة بين الشباب، ولاسيما في قطاع غزة حيث قدّرت نسبة البطالة بين الشباب بنحو 58 بالمائة لعام 2016.‏9 كما أن نسبة الفقر بين الفلسطينيين المقيمين في القدس الشرقية قاربت 82 بالمائة لعام 2014.‏10 ومع أن خيبة الأمل جراء هذه الأوضاع قد تنأى بالشباب الفلسطيني عن المشاركة السياسية، فإنها قد تدفع بعضهم إلى المزيد من المشاركة، وخاصةً في الأجنحة المسلحة للأحزاب السياسية.

نوع جديد من المشاركة السياسية

خلال انتفاضة الشباب الأخيرة، أعرب الفلسطينيون عن معارضتهم ﻟِ "عملية السلام" التي ما فتئت تتواصل منذ اتفاقيات أوسلو عام 1993.‏11 وقد قرر ما يسمى "جيل أوسلو" أن يتحدى احتكار السلطة الفلسطينية السياسي بإعادة تعريف المشاركة السياسية بحيث لا تقتصر على المشاركة في الانتخابات أو العضوية في الأحزاب السياسية. وكان ردّ الفعل من جانب الشباب شكلاً جديداً من أشكال الانخراط السياسي الذي ينطوي، في جوهره، على مقاومة جماعية للاحتلال الإسرائيلي، وهو عمل سياسي فُرضت عليه القيود بعد أوسلو وبعد التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وبين إسرائيل.

وفي الوقت نفسه، فإن تطلع الفلسطينيين إلى قيادة جديدة ذات تفكير ثوري واستراتيجية للتحرر تجسّد بصورة أساسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بعد مصرع المناضل الفلسطيني باسل الأعرج في إحدى الغارات الإسرائيلية في الضفة الغربية في السادس من آذار/مارس 2017.‏12

إن الغضب الذي أعرب عنه الشباب الفلسطينيون يدلّ على أن إيديولوجية الأعرج الشعبية الأصيلة، وهويته كمثقف ملتزم أو ”مشتبك“، والتزامه طريق المقاومة لتحرير فلسطين، قد ألهمت واستنهضت الكثير منهم. فقد انطلقت الاحتجاجات رداً على مقتله في الأراضي المحتلة، وفي أوساط الجاليات العربية داخل إسرائيل. وحمل المحتجون بصورة خاصة على التنسيق الأمني بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل الذي أدى إلى اغتيال الأعرج.13

بالرغم من أن كثيراً من الشباب الفلسطينيين يعكفون على إعادة تعريف الكفاح الفلسطيني، إلا أنه لم تتبلور لديهم حتى الآن رؤية واستراتيجية عملية واضحة.

ومع أن وسائل التواصل الاجتماعي وفّرت فضاءًا بديلاً استطاع الشباب الفلسطينيون التعبير من خلاله عن مشاعرهم تجاه اغتيال الأعرج، فإن السؤال الواجب طرحه هو: هل يمكن استخدام هذه الوسائل لتعبئة الفلسطينيين في مشاركة سياسية فعّالة؟

لقد تمخّض البحث عن تفكير جديد واستراتيجية جديدة عن مبادرات عدّة قام بها الفلسطينيون الشباب في الأراضي المحتلة.14 تضمنت هذه المبادرات دراسة المشروع الصهيوني وتجارب المقاومة التاريخية المحلية والدولية، كما تتضمن رفع مستوى الوعي النقدي حول اتفاقيات أوسلو وأوضاع التجزئة التي يعيشها الفلسطينيون في هذه الأيام. وبالرغم من أن كثيراً من الشباب الفلسطينيين يعكفون على إعادة تعريف الكفاح الفلسطيني بوصفه نضالاً ضد الاحتلال الكولونيالي الذي لا ينبغي أن يقتصر على مشروع دولة –أمة، إلا أنه لم تتبلور لديهم حتى الآن رؤية واستراتيجية عملية واضحة.

وثمة حاجة ماسة على العموم إلى نسق سياسي جديد تحدد مساره قيادة جديدة تمثّل جميع الفلسطينيين ولا يقتصر تركيزها على الضفة الغربية أو قطاع غزة. وسيتطلب ذلك الابتعاد عن إطار أوسلو وإعادة التفكير بالرؤية السياسية والاستراتيجية الفلسطينيتين وكذلك بدور المؤسسات الوطنية، ليتسنى للفلسطينيين أن يتحوّلوا إلى لاعبين سياسيين مُنظمين وأكفاء يتصدرون المقاومة ضد المشروع الكولونيالي.

تعمل نور عرفة كباحثة وزميلة سياساتية في مؤسسة "الشبكة": شبكة السياسات الفلسطينية، وستبدأ في شهر تشرين الأول/ أكتوبر2017 دراستها للحصول على الدكتوراه بدعم من منحة رودس في جامعة أكسفورد.

هوامش

1 يركز هذا التعليق على قطاع الشباب في الضفة الغربية وقطاع غزة فقط، ولا يتطرق للشباب الفلسطيني في إسرائيل أو في الشتات. ويجب ملاحظة أن "الشباب" ليسوا كياناً متجانسا، بل إن الشباب الفلسطينيين يمثلون فئات سياسية، واقتصادية، واجتماعية وثقافية مختلفة نتيجة للتفتت الذي يعانيه الشعب الفلسطيني.  

2 "النتائج الرئيسية لمسح الشباب الفلسطيني،2015 "، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، http://www.pcbs.gov.ps/portals/_pcbs/PressRelease/Press_Ar_YouthSurvPal2015A.pdf.

3 "عشية اليوم العالمي للشباب"، 11 آب/أغسطس 2016، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، http://www.pcbs.gov.ps/portals/_pcbs/PressRelease/Press_Ar_InterYouthDy2016A.pdf.

4 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رقم (58)، 14 كانون الأول / ديسمبر 2015، http://www.pcpsr.org/sites/default/files/poll%2058%20full%20English.pdf.

5 طارق دعنا، "الفساد في فلسطين: نظامٌ متجدد"، الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، 18 آب/أغسطس 2015، https://al-shabaka.org/briefs/الفساد-في-فلسطين-نظامٌ-متجدد/.

6 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رقم (62)، 28 كانون الأول/ديسمبر2016، http://www.pcpsr.org/ar/node/677.

7 علاء الترتير ومؤلفون آخرون، "الشباب الفلسطيني يثور، فهل من دورٍ للأحزاب السياسية؟"، الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، 23 كانون الأول/نوفمبر 2015، https://al-shabaka.org/roundtables/الشباب-الفلسطيني-يثور،-فهل-من-دورٍ-للأ/.

8 المصدر السابق.

9 "الضفة الغربية وقطاع غزة - عرض عام"، البنك الدولي، نيسان/آبريل 2017، http://www.albankaldawli.org/ar/country/westbankandgaza/overview.

10 Jerusalem Institute for Israel Studies, “Table VI/1- Extent of Poverty in Israel, Jerusalem and Districts, 2013, 2014,” 2016, http://jerusaleminstitute.org.il/.upload/yearbook/2016/shnaton_F0116.pdf.

11 علاء العزة، "بواكير انتفاضة جديدة في فلسطين؟" السفير، تموز 2014، http://palestine.assafir.com/Article.aspx?ArticleID=2972.

12 Shatha Hammad and Zena Tahhan, “‘Basil al-Araj Was a Beacon for Palestinian Youth,’” Al Jazeera, March 7, 2017, http://www.aljazeera.com/indepth/features/2017/03/al-araj-beacon-palestinian-youth-170307103833988.html.

13 Hisham Abdallah, “Palestinians Protest Over PA-Israel Security Ties,” Al Jazeera, March 14, 2017, http://www.aljazeera.com/indepth/features/2017/03/palestinians-denounce-pa-israel-security-coordination-170313103710942.html.

14 من الأمثلة على هذه المبادرات "ملتقى النبض الشبابي" و"شبكة سليمان الحلبي للدراسات الكولونيالية".

مقالما يقول ماضي المجتمع المدني عن مستقبله

طارق دعنا وعلي الجرباوي

نشأ المجتمع المدني الفلسطيني في ظل الاحتلال الإسرائيلي- وقد ساهمت خصوصية هذا الوضع في تحدّيد هوية هذا المجتمع ووظائفه. وعلى الرغم مما اتّسم به المجتمع المدني من تنوّع، سرعان ماغلب عليه التسيّس، وأصبح بذلك امتداداً مؤسسياً للحركة الوطنية. وقد تأثر نموه كذلك بعملية أوسلو وتأسيس السلطة الفلسطينية العام 1994. وفي هذا السياق، أرغم المجتمع المدني على أن يتكفّل بمهمة مزدوجة: أن يقاوم الاحتلال الإسرائيلي وأن يمارس الضغط على السلطة الفلسطينية لتحقيق المطالب السياسية والاقتصادية الاجتماعية. غير أنه لم يكن فعالاً في كلتا المهمتين حتى الآن.

أنشئ المجتمع المدني الفلسطيني، من الناحية الفعلية، جراء تدخلات مهمة من القمة إلى القاعدة. وقد ساهمت الفصائل الفلسطينية في تحديد اتجاهات المنظمات المحلية المختلفة من أجل تحقيق برامجها السياسية والإيديولوجية. وخلال عملية أوسلو، غداً المجتمع المدني منسقاً لتوزيع الموارد على قطاعات عريضة من المجتمع الفلسطيني ووسيطاً للمنظمات غير الحكومية أجنبية التمويل.1 نتيجةً لذلك، بقي المجتمع المدني في حالة من الركود الدائم، وفشل في تحدي الوضع السياسي القائم أو إحداث تغيير اجتماعي مهم.

النمو عبر التدخلات من الأعلى إلى الأسفل

قبل اتفاقيات أوسلو، كانت جهود المجتمع المدني الرامية إلى حشد الأنصار وديناميكيات النفوذ السياسي غالباً ما تخضع إلى توجيهات وإرشادات منظمة التحرير الفلسطينية. وبعد احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة العام 1967، كانت الجمعيات التقليدية، الموالية للمملكة الأردنية الهاشمية، ناشطة في الضفة الغربية والقدس. وشهدت سبعينيات القرن الماضي تشكيل الروابط الشعبية الحداثية مثل المنظمات، والنقابات، واللجان الطوعية، والحركات الطلابية والنسائية. ورافقت هذه العملية، بل تمخضت، عن مولد استراتيجية "صمود"، وهي استراتيجية تدلّ على التمسُّك بالهوية الوطنية الفلسطينية بوصفها مصدراً للصمود الجماعي على الأرض.

بحلول الثمانينيات، كانت الدعوة لتطوير المجتمع المدني دليلاً على اتّساع شقة الخلاف بين مجموعتين متنافستين داخل الحركة الوطنية. فقد ركّزت فتح، من جهة، على مسألة قيام الدولة وأنشأت مختلف المنظمات واللجان المهنية لتكون أساساً للدولة الفلسطينية المقبلة. ومن جهة أخرى، كانت القوى اليسارية تركّز على التحرير، ووضع الأساس لمنظمات المجتمع المدني لكي تلعب دوراً حيوياً في الحشد السياسي الذي يستهدف تشجيع المشاركة الشعبية في النضال.2

كانت الانتفاضة الأولى (1987- 1993) تمثّل فترة الانعطاف الأهم في تطور المجتمع المدني. فقد ظهرت بُنى تمثيلية ترمي إلى حشد المشاركة الشعبية في الانتفاضة، وأبرزها اللجان المنبثقة عن القواعد الشعبية التي قامت في جميع المواقع والأحياء تقريبا. وفي هذه الأثناء، أدّى حشد المنظمات الجماهيرية، والجمعيات النسائية، والحركات الطلابية، والنقابات، واللجان المهنية بصورة حاسمة إلى تحويل الانتفاضة التلقائية إلى ديناميكية منظّمة.

لقد أفضت عملية أوسلو إلى تراكم الضغوط السياسية، والاقتصادية، والإيديولوجية، والمالية التي تركت آثارها العميقة على بنى ووظائف المجتمع المدني المحلي. وانعكس استقطاب أنصار إطار أوسلو ومعارضيه بصورة قوية داخل المجتمع المدني. وفيما سعت هيئات فتح لوضع الأسس للسلطة الفلسطينية الوليدة، فإن المنظمات اليسارية والإسلامية سعت إلى التعبير عن معارضتها لعملية أوسلو من خلال حشد الموالين في المجتمع المدني.

بعد أوسلو، تعزّزت تنمية المجتمع المدني عن طريق التوجيهات من الأعلى إلى الأسفل بدخول المانحين الدوليين إلى الساحة. فاليسار، الذي كان يعاني أزمة إيديولوجية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، لجأ إلى المجتمع المدني ليوازن مشروع السلطة الفلسطينية الذي تهيمن عليه فتح. وقد أخذت أغلب المنظمات اليسارية تتلقى المعونات الدولية المشروطة برغبة المانحين في تأسيس مجتمع مدني نابض بالحياة يعزّز بناء الدولة في مرحلة "ما بعد النزاع". أسفر ذلك عن قيام قطاع نخبوي من المنظمات غير الحكومية يتميّز باللاتسَيُّس المطرد، والعزوف عن الانتماء السياسي، والروابط مع القواعد الشعبية.3 وبينما تبدو المنظمات غير الحكومية الفلسطينية مهتمة كل الاهتمام بالإعلاء من شأن الديمقراطية، والحوكمة الرشيدة، وحقوق الإنسان، فإن الدلائل تشير إلى أن هذه المشاريع رمزية أكثر مما هي جوهرية، لأن أغلب المنظمات غير الحكومية تفتقد كما يبدو إلى البنية الديمقراطية الداخلية. وقد أدّى ذلك إلى شيوع صورة سلبية لدى جمهور المنظمات غير الحكومية، التي تتهم في أغلب الأحيان بمتابعة مصالحها الذاتية وتطبيق أجندات أجنبية.

وعلى العكس من ذلك، استمر الفاعلون الإسلاميون في المجتمع الأهلي بتلقي الدعم المالي من مصادر إسلامية. ومثّلت شبكة حماس المتقدمة من جمعيات القواعد الشعبية الخيرية، والتعليمية، والطبية، والاجتماعية أداة مؤثرة لترويج نفسها بوصفها بديلاً جديراً بالثقة لمنظمة التحرير الفلسطينية والسلطة الفلسطينية.4 وساعد ذلك على تعزيز شرعية الحركة، الأمر الذي قد يفسّر جزئياً تصاعد شعبية الحركة في العقد الأخير من القرن الماضي والأول من القرن العشرين. غير أن هذا النفوذ تضاءل في الضفة الغربية عندما انقضّت السلطة الفلسطينية على المنظمات المرتبطة بحماس في أعقاب الانشقاق في أوساط الفلسطينيين العام 2007.

خلال سنوات أوسلو، ظهرت حركات غير منظّمة قليلة لم تعمّر طويلا، وأحدثت بعض التموجات في المياه الراكدة ومنها: حركة شباب 15 آذار التي طالبت بوضع حد للنزاع السياسي بين فتح وحماس، وحركات قطاعية متنوعة للمطالبة بحقوق اقتصادية واجتماعية أفضل، وحركات مقاومة شعبية عابرة في مناطق هامشية، لم تترك أي منها آثاراً تستحق الذكر. وربما كان الإنجاز الأبرز لأي من شرائح المجتمع المدني هو تنامي شبكات التضامن الدولية، بما فيها تلك التي تزعمتها حركة مقاطعة إسرائيل وجماعات حقوق الإنسان الفلسطينية.

الركود أم الانبعاث؟

إن الاعتقاد المتزايد بأن حل الدولتين الوارد في إطار أوسلو لم يعد قابلاً للتطبيق، قد يدفع كثيراً من الجماعات الفلسطينية إلى إعادة تنظيم نفسها وفق خطوط سياسية جديدة. وسيكون الإجماع الوطني هو العامل الحاسم في المساعي الرامية إلى تحقيق صيغة الدولة الواحدة، أو الدولة الثنائية، الفدرالية، أو صيغة مختلفة لدولتين. وإذا أعادت الحركة الوطنية الفلسطينية بناء نفسها في ظل قيادة تنظيمية موحّدة ولأهداف سياسية واضحة، فإن ذلك سيفضي بالتأكيد إلى إعادة الحيوية إلى المجتمع المدني وتمكينه من أداء مهماته بوصفه مركز التوجيه والحشد السياسي. وبما أن الضعف والانقسام في الحركة الوطنية سيواصلان استقطاب المجتمع المدني، فمن المحتمل أن يدخل لاعبون فاعلون جدد إلى الساحة برؤى بديلة عن الكفاح الوطني، فيتجاوزون بذلك سياسات المنظمات غير الحكومية في التيارات الرئيسية والأجنحة المنشقة على حد سواء.

يظل الاحتلال الاسرائيلي هو القوة الدافعة، والعقبة الأساسية، في تنمية المجتمع المدني الفلسطيني.

إن الاستقطاب الثنائي المتمثّل ببروز جناحين سياسيين في الضفة الغربية وغزة لم يقتصر على إلحاق الضرر بالجسم السياسي الفلسطيني وحسب، بل كرّس سياسات فتح وحماس الإقصائية واحتكار المؤسسات، وقمع الانشقاقات. وقد يسفر الإخفاق الدائم من جانب لاعبي المجتمع المدني في تحدي الوضع القائم إلى تمهيد الطريق أمام بروز لاعبين جدد يطرحون مطالب متعاظمة، بما فيها تحقيق الوحدة الوطنية والتغيرات الديمقراطية في هياكل الحركة الوطنية.

لقد تناقص الدعم الدولي المقدّم للفلسطينيين بصورة كبيرة خلال السنوات الماضية.5 ويعود ذلك، في جانب منه، إلى أن بعض المانحين يفضلون الاستثمار في الأزمات الإقليمية، كما يعود، جزئيا، إلى خيبات الأمل بأوسلو ولاعتبارات سياسية أخرى. ذلك أن الشكوك التي تكتنف التيارات الإقليمية والعالمية، بالإضافة إلى عدم القدرة على التنبؤ بالأزمات الاقتصادية والسياسية، قد تقلل من مصادر منظمات المجتمع المدني المحلية المالية، وقدراتها ووظائفها. وينبغي على منظمات المجتمع المدني أن تخلق نماذج مالية بديلة لتجنّب الآثار المحتملة.

ويظل الاحتلال الاسرائيلي هو القوة الدافعة، والعقبة الأساسية، في تنمية المجتمع المدني الفلسطيني. فقد برز وانتعش مجتمع مدني نشط في الأراضي المحتلة عندما كان الهدف الواضح هو مقاومة الاحتلال. غير أن سلطات الاحتلال الإسرائيلية ستواصل استخدام الأساليب الجماعية القسرية للتغلغل في نسيج المجتمع المدني واستمالة مشاعره الوطنية. وقد شهدنا مثالاً حياً على ذلك في سياسة الاحتلال التي أعلنت مؤخرا، والتي تهدف إلى بدء الاتصالات مع شخصيات في المجتمع المدني الفلسطيني من دون وساطة السلطة الفلسطينية.6 وربما التمهيد لإقامة بديل لها إذا ما تم حلها.

وعلى الرغم من الركود الحالي، فإن للمجتمع المدني الفلسطيني الأسس الكفيلة بتحويله إلى قوة مقاومة ضد السياسات الإسرائيلية. وعلى العموم، فإن قدرة المجتمع المدني ورغبته في تحرير نفسه من قيود نزعة المانحين الريعية وسياساتهم ستحدد وظائفه وأجنداته في المستقبل. والأهم من ذلك كله أن عليه أن يفعّل الروابط بين القواعد الشعبية لكي تتمكن من أن تواجه، بنجاح، سلطة الهيمنة والوضع الراهن.

يعمل طارق دعنا مدير مركز دراسات التنمية في جامعة بيرزيت. علي الجرباوي أستاذ في العلوم السياسية في جامعة بيرزيت.

هوامش

1 Ali Jarbawi, “‘Civil Society in Palestine’: The Need to Reconsider the Concept and Reality,” in Civil Society and Democratic Transition in Palestine, ed. Ziad Abu Amro (Ramallah: Muwatin Center, 1995), 117–32.

2 Salim Tamari, “The Palestinian Movement in Transition: Historical Reversals and the Uprising,”" Journal of Palestine Studies 20, no. 2 (1991): 57–70.

3 Tariq Dana, “The Structural Transformation of Palestinian Civil Society: Key Paradigm Shifts,” Middle East Critique 24, no. 2 (2015): 191–210.

4 Sara Roy, “The Transformation of Islamist NGOs in Palestine,” Middle East Report 214 (2000).

5 “Report on UNCTAD Assistance to the Palestinian People: Developments in the Economy of the Occupied Palestinian Territory,” United Nations Conference on Trade and Development, September 28, 2016, http://unctad.org/meetings/en/SessionalDocuments/tdb63d3_en.pdf.

6 Yossi Melman, “Liberman Unveils New ‘Carrot and Stick’ Policy for West Bank Palestinians,” Jerusalem Post, August 17, 2016.

مقابلةالمقاربات التكاملية للصراع الإسرائيلي الفلسطيني

مقابلة أجراها بيري كاماك مع بشير بشير في 16 آذار/مارس 2017

يعمل بشير بشير محاضراً أول في قسم علم الاجتماع والعلوم السياسية والاتصالات في جامعة إسرائيل المفتوحة. تناولت كتاباته موضوع الاستراتيجيات البديلة لمقاربة الدولتين التقليدية إزاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، والتي يدعوها "المقاربات التكاملية."1

ما هي "المقاربات التكاملية"؟

بشير بشير: أدّت مقاربة الدولتين الكلاسيكية المعهودة إزاء الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، التي تقوم على التقسيم الجغرافي والفصل والعزل إلى حلول وسط وتسويات غير مقبولة في ما يتعلق ببعض المطالب والحقوق الفلسطينية التاريخية المركزية. فالمقاربات التكاملية ترى أن النتائج الأكثر إنصافاً يمكن تحقيقها عن طريق ترتيبات مؤسسية عادلة شاملة للفلسطينيين والإسرائيليين، مثل الفدرالية والكونفدرالية. وعند تجاوز المفاهيم التقليدية للحدود السيادية المرتكزة على منظومة التقسيم، تفتح المقاربات التكاملية الباب أمام مفاهيم جديدة تدعو إلى سيادة جزئية متداخلة وتشاركية في فلسطين من النهر إلى البحر.

لماذا تعتقد أن ما يجري الآن هو تركيز متزايد على المقاربات التكاملية؟

بشير: تاريخيا، طُرحت مثل هذه المقاربات خلال الانتداب البريطاني وكذلك خلال ستينيات وسبعينيات القرن الماضي. بيد أنها تعرّضت مع الوقت إلى التهميش التام تقريباً لأسباب شتّى، مع تفضيل ما أصبح يُعرف بحلّ الدولتين. وعندما بدأ المفكّرون الفلسطينيون بالإفصاح عن موقفهم من مخرجات الدولتين، لم يكن هناك وجود ملموس للاستيطان الكولونيالي الإسرائيلي في الضفة الغربية والقدس، ولذا كان بالإمكان معالجة القضايا المتصلة بالموارد وبالقدس بصورة ثنائية.

بيد أن توسّع المستوطنات والاستيطان في الضفة الغربية والقدس الشرقية أسفر عن العودة إلى مايمكن أن نسميه الأنموذج الكولونيالي الاستيطاني. فمع تغيّر الوقائع على الأرض من حال إلى حال، تتزايد الدلائل على أنه يصعب الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين. ومع ارتباط عملية السلام بالخداع الأميركي وانهيار الخط الأخضر بوصفه علامة على الحدود السيادية والحلول السياسية، خَلُص بعض الناشطين، والمثقفين، وحتى المسؤولين السابقين إلى أن قضية فلسطين/إسرائيل لا تتعلق بحدود 1967، بل ﺒِ"النكبة" وتداعياتها المستمرة.2 باختصار، إنها تتعلّق بالأرض الممتدة بين البحر الأبيض المتوسط ونهر الأردن باعتبارها كياناً واحدا.

ما هي، بصورة عامة، الأنواع المختلفة للمقاربات التكاملية؟

بشير: يمكن عموماً الحديث عن ثلاث مقاربات تكاملية هي: الليبرالية، وثنائية القومية، والسيادة المشتركة. ومن المهم أن نلحظ أن هذا التصنيف تحليلي محض، لأن ثمة تقاطعاً بين هذه المسارات الثلاثة، وينطوي كل مسار على تشكيلة واسعة من الاحتمالات.

العنصر المركزي في المقاربة الليبرالية هو فكرة الصوت الواحد للشخص الواحد. وتكون نتيجة ذلك دولة يتحدد فيها الانتماء على أساس المواطنة، ولا أهمية سياسية هنا للهويات الجماعية أو المجموعات الوطنية، لأن النشاط السياسي يوجّه على مستوى الأفراد. ومن الصعب، بطبيعة الحال، إقناع الفلسطينيين والإسرائيليين بالتخلي عن هوياتهم الوطنية أو تجاوزها، بل إن بعضهم قد يرون أن الجهود التي ستبذل في هذا السبيل ستكون وصفةً لخلق واقع أسوأ بكثير مما نشهد الآن.

قد تبدو المقاربة الخاصة بثنائية القومية واعدة أكثر من الليبرالية التي تدّعي الحياد، إذ هي تؤكد بجلاء أن ثمة هُويتين وطنيتين متمايزتين، إسرائيلية وفلسطينية، تستحق كل منهما حق تقرير المصير الوطني. وبصرف النظر عن موقفك من الصهيونية، فقد غدت النزعة القومية اليهودية الإسرائيلية حقيقة راسخة. والنشاط السياسي لا يتوقف عند الحقوق الفردية، فلا بد من وجود حقوق جماعية، وهذا يعني وجود إطار إثنيّ لسياسات ثنائية القومية. ويمكن أن تتراوح المؤسسات ثنائية القومية بين نظام من الفدرالية الصارمة والاستقلال الذاتي الإقليمي وترتيبات المشاركة في السلطة، كما هي الحال في الديمقراطيات التوافقية، ومنها بلجيكا أو البوسنة. كما أن ثنائية القومية تتطلّب إنهاء الاستعمار الكولونيالي، ويعني ذلك تفكيك منظومة التفوّق العنصري اليهودي والامتيازات الرمزية والمادية التي يتمتع بها اليهود.

أحد أهم الأمور التي ينبغي عدم التفريط بها يتمثّل في المكاسب الهائلة التي حققها الفلسطينيون وحركتهم الوطنية خلال العقود الخمسة الماضية.

أما مقاربة السيادة المشتركة فتتصوّر بنية مؤسسية هجينة متعددة الطبقات، حيث لا تُفهم السيادة بمعناها المطلق الذي لا يمكن تجزئته، بل بكونها جزئية، ومتشاطرة ومترابطة العناصر. ويمكنك أن تتخيّل شكلاً من أشكال الكونفدرالية المكوّنة من بنى دولتية متوازية، تقسم فيها الأرض بين دولتين، ويمارس الفلسطينيون السيادة على أنفسهم في إحداها مثلما يفعل الإسرائيليون في الأخرى. وقد تحدث آخرون عن دولتين في وطن واحد، من دون تحديد حدود داخلية ثابتة. وهناك إمكانية أخرى لقيام دولتين مع مؤسسات منفصلة ولكن متداخلة بدرجات متفاوتة.

هل هناك ثمن سيدفعه الفلسطينيون خلال تبنيهم للمقاربات التكاملية في ما يتعلق بالهوية الوطنية والمؤسسات الفلسطينية؟

بشير: من دون شك، لكن أحد أهم الأمور التي ينبغي عدم التفريط بها يتمثّل في المكاسب الهائلة التي حققها الفلسطينيون وحركتهم الوطنية خلال العقود الخمسة الماضية- أي المنجزات السياسية والدبلوماسية التي تعترف بهم كشعب له حق تقرير المصير على شكل دولة فلسطينية مستقلة. التفريط بهذه المكاسب والمنجزات يعد خطوة انتحارية.

على أرض الواقع، تتطلّب المقاربات التكاملية من الفلسطينيين القيام بتحوّلات عميقة من خطاب تقليدي يتركّز على إنجاز الدولة الوطنية المستقلة إلى خطاب جديد يتمحور حول البناء الوطني الذي يصون حقوقهم التاريخية غير القابلة للتصرّف. بالطبع، سيواصل القادة الفلسطينيون الحديث، وعن حق، حول إقامة الدولة لأن الدولة الوطنية لا تزال اللاعب الرئيس في الحلبة الدولية. غير أن التركيز قد يتحوّل في مرحلة ما من الحديث عن إنجاز الدولة المستقلة إلى تعزيز وتثبيت البناء الوطني. وهذا قد يحدث على الأرجح إذا لم يتطلّب هذا التحوّل تنازل الفلسطينيين عن إنجازاتهم الوطنية، بحيث يتحقق حقهم بتقرير مصيرهم في نطاق دولة ثنائية القومية، أو الكونفدرالية، أو أية ترتيبات مؤسسية أخرى.

من المحال أن تتبنى إسرائيل مثل هذا المخرج. أليس من المرجّح أن تكون هذه الحلول التكاملية أقل حظاً في النجاح من خيار حل الدولتين؟

بشير: من يقول إن هذه الخيارات الأنموذجية ينبغي أن تتحقق كلها بكل ما تحمله هذه الكلمة من معانٍ؟ إن الجانب المفيد في هذه المسارات هو أنها وجهات ومقاصد، حتى وإن لم يكن من المحتمل بلوغها، وهي تقوم على مفاهيم عميقة للمصالحة التاريخية. لقد وقع الإجحاف التاريخي، ولازالت أغلبية الفلسطينيين تشعر باستمرار بالنكبة وتداعياتها. ويستلزم ذلك سيرورة سياسية تختلف اختلافاً جوهرياً عن عملية أوسلو. ويتوجب على هذه السيرورة السياسية أن تتعامل مع الوقائع والأوضاع التي يعانيها ويتحملها أغلب الفلسطينيين من حرمان، واحتلال، وقمع. وستترتب نتائج عديدة على قرار إرجاء البت في هذه المسائل في سياق مفاوضات الدولتين إلى وقت لاحق آخر. إن أحد الأسباب التي أدت إلى إخفاق عملية أوسلو- مع أن الفلسطينيين اعترفوا بإسرائيل مثلما اعترفت إسرائيل بمنظمة التحرير الفلسطينية- هو أن المظالم التاريخية المستمرة التي انطوت عليها النكبة لم يُعترف بها منذ البداية. أما في جنوب أفريقيا، من جهة أخرى، فقد كان هذا الإطار واضحا، وهو شمل قانون الحقوق وميثاق الحرية، وسجلاً تاريخياً موثقاً للأبرتهايد/ التمييز العنصري.

إلى أي مدى يحاول دعاة حل الدولة الواحدة أو الحلول التكاملية بالفعل إيجاد الزخم اللازم لمتابعة مسار الدولتين إذا أُخذت بالاعتبار، على سبيل المثال، الاتجاهات الديموغرافية؟

بشير: رأى البعض أن علينا أن نستخدم لغة الدولة الواحدة، لأن ذلك سيدفع الإسرائيليين أو أصدقاءهم الدوليين باتجاه مسار الدولتين. إن استخدام لغة الدولة الواحدة من دون الإيمان بها بالفعل، لن يمثّل بالتأكيد تحدياً ذا مصداقية. ويفهم الإسرائيليون الآن تماماً أن حل الدولتين قد دخل طور الاحتضار مع توسّع المستوطنات.

إنك تجد بين الفلسطينيين من يرون أن الدولة في حد ذاتها هي هدفهم النهائي، غير أن الدولة في واقع الأمر، هي، ببساطة، مجرد أداة واحدة من مجموعة ادوات يمكن للفلسطينيين أن يحققوا حقوقهم فيها. العرض المطروح على الفلسطينيين في مفاوضات أوسلو، يمكن أن نطلق عليه اسميّاً، لقب دولة، لكنها مجردة من جميع مظاهر الدولة كاملة السيادة. ولهذا السبب، عندما يتحدث بنيامين نتنياهو أو أفيغدور ليبرمان عن حل الدولتين، فإن ذلك لن يكون إلا ستاراً دخانياً لاستمرار الهيمنة والسيطرة الإسرائيلية.

هوامش

1 Bashir Bashir, “The Strengths and Weaknesses of Integrative Solutions for the Israeli-Palestinian Conflict,” Middle East Journal 70, no. 4 (Autumn 2016): 560–78.

2 ملاحظة من المحرر: يشير الخط الأخضر، الذي أطلق عليه هذا الاسم بسبب لون الرابط المحدد له على الخارطة، إلى خط الهدنة العام 1949 بين إسرائيل وجيرانها العرب في أعقاب الحرب العربية الإسرائيلية العام 1948، وكانت تمثل حدوداً بالفعل حتى شهر حزيران/يونيو 1967. أما "النكبة"، فتشير إلى اقتلاع مئات الآلاف من العرب الفلسطينيين خلال حرب 1948. ولازال من المطالب الفلسطينية الجوهرية إنصاف هؤلاء اللاجئين، الذين يقدّر عددهم الآن بنحو 7 ملايين نسمة.

مقالالدور الرمزي، ولكن الحيوي، لمنظمة التحرير الفلسطينية

ناديا حجاب

بعد تاريخ مشهود تمتّعت فيه القضية الفلسطينية بمرتبة عالية في الأجندة الدولية، بدعم قوي داخل العالم العربي والأقطار النامية، مُنيت منظمة التحرير الفلسطينية بسلسلة من الانتكاسات الرئيسية. ففي العام 1979، وقعت مصر وإسرائيل على اتفاقيات كامب ديفيد، وأدى ذلك إلى تحييد مصر، فعليا، في الصراع العربي الإسرائيلي. وفي العام 1982، أرغمت إسرائيل منظمة التحرير الفلسطينية والجماعات الفلسطينية الأخرى على الخروج من لبنان. وفي 1987، عجزت منظمة التحرير عن استغلال الانتفاضة الأولى وبدأت، بدلاً من ذلك، بعملية أوسلو مع إسرائيل العام 1993 في محاولة يائسة للوصول إلى خلق دولة.

منظمة التحرير الفلسطينية لا غنى عنها بالنسبة إلى الشعب الفلسطيني.

ومع فشل عملية أوسلو في تأمين الدولة، والسيادة، والحقوق، عانت منظمة التحرير سنوات من الركود. فلم تجدّد العضوية للأجهزة والهيئات الرئيسية فيها، كما أنها لم تسعَ إلى المساءلة والمحاسبة أمام الشعب الفلسطيني. يضاف إلى ذلك أن المنظمة تعمل في هذه الآونة في منطقة رمادية بين دولة فلسطين التي أعلنتها العام 1988، وبصفة مراقب لا يتمتع بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة منذ العام 2012 من جهة، والسلطة الفلسطينية التي تحتفظ بالموارد المالية.

ومع فشل عملية أوسلو في تأمين الدولة، والسيادة، والحقوق، عانت منظمة التحرير سنوات من الركود. فلم تجدّد العضوية للأجهزة والهيئات الرئيسية فيها، كما أنها لم تسعَ إلى المساءلة والمحاسبة أمام الشعب الفلسطيني. يضاف إلى ذلك أن المنظمة تعمل في هذه الآونة في منطقة رمادية بين دولة فلسطين التي أعلنتها العام 1988، وبصفة مراقب لا يتمتع بالعضوية الكاملة في الأمم المتحدة منذ العام 2012 من جهة، والسلطة الفلسطينية التي تحتفظ بالموارد المالية.

وفي معرض الحديث عن الاتجاه الذي قد يسلكه تطوّر منظمة التحرير الفلسطينية، من المفيد أن نتفحّص محاولات إصلاح المؤسسات في الأحزاب السياسية وفي المجتمع المدني على حد سواء. كما أن من المفيد كذلك دراسة الجماعات التي استخدمت استراتيجيات أخرى لبلورة التطلعات الفلسطينية.

على الصعيد السياسي، عقدت اجتماعات مهّدت لها مصر، وقطر، والجماعة الفكرية "مسارات" – لرأب الصدع الذي طال أمده بين فتح، التي تسيطر على منظمة التحرير من جهة، وحماس التي أقصيت حتى الآن من هذه الهيئة.1 غير أن الاتفاقيات التي تمّ التوصل إليها حول الانتخابات، وتقاسم السلطة، والموضوعات الأساسية الأخرى ظلت بعيدة المنال.

وقد ساد التفاؤل في كانون الأول/ديسمبر 2016 وكانون الثاني/يناير2017. ففي أعقاب ورشة عمل في سويسرا ضمت شخصيات من المجتمع المدني- والأهم من ذلك، ممثلين عن فتح وحماس- ونددت بها وسائل الإعلام الإسرائيلية،2 عقد الطرفان اجتماعاً في لبنان لبحث قضايا المجلس الوطني الفلسطيني، وهو بمثابة برلمان الفلسطينيين في المنفى.3 وتواصلت في موسكو محادثات فتح وحماس التي ترعاها روسيا، وأعلن الجانبان بعدها أنه سيصار إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية، وإجراء انتخابات للمجلس الوطني الفلسطينيين الذي سيضم فلسطينيي الشتات.4 غير أنه لم تتخذ أية خطوة بعدها، واستعاضت السلطة الفلسطينية عن ذلك بالإعلان بأن شهر أيار/مايو سيكون موعداً لإجراء الانتخابات البلدية، وهذا ما رفضته حماس لأن من الواجب أن تسبقها انتخابات للمجلس الوطني الفلسطيني.5 باختصار، من غير المحتمل أن تنشط الجهود الرامية إلى الإصلاح داخل منظمة التحرير الفلسطينية في المدى القريب.

وقد جرّبت جماعات من المجتمع المدني مقاربات شتّى لإحياء الطابع التمثيلي للمجلس الوطني الفلسطيني- ومنها، على سبيل المثال، مبادرة من جانب المجتمع المدني لتنظيم انتخابات لاختيار أعضاء المجلس الوطني حيثما تقيم الجاليات الفلسطينية في جميع أنحاء العالم. حظيت هذه المبادرة بدعم شخصيات فلسطينية مرموقة، وقيادة منظمة التحرير الفلسطينية، وجاليات فلسطينية أخرى عدّة في الشتات. غير أن الدعم لم يكن كافيا لبناء الزخم اللازم لتنظيم تلك الانتخابات، وهو مالبث أن تضاءل نتيجة الحرب الأهلية في سوريا.

وفي وقت سابق من هذه السنة، برزت محاولة أخرى تتحدّى حالة الركود السائدة، عن طريق تأسيس "المؤتمر الشعبي لفلسطينيي الخارج".6 وكان المبادرون إلى تنظيم هذا المؤتمر في إسطنبول في 25 شباط/فبراير 2017، من المقرّبين من الحركات الإسلاموية الفلسطينية أو جزءاً منها. إلا أن العديد من الشخصيات غير الإسلاموية والعلمانية وقعت على الوثيقة التأسيسية للمؤتمر، وشاركت في هذا التجمع الذي حضره أكثر من 4000 شخص.

كانت النية المعلنة للمؤتمر إعادة تفعيل دور الفلسطينيين في الخارج في عملية اتخاذ القرار والمؤسسات الوطنية- بما فيها منظمة التحرير الفلسطينية- وإعادة بناء هذه المؤسسات. وأصرّ منظمو المؤتمر على أن جهودهم لم تستهدف تحدي منظمة التحرير الفلسطينية. بَيْد أن دائرة شؤون المغتربين في اللجنة التنفيذية للمنظمة أصدرت بياناً كانت لهجته أكثر ميلاً إلى الأسف منها إلى الغضب، يحذّر من تحدّي المبادئ التأسيسية والصفة التمثيلية لمنظمة التحرير الفلسطينية. ولم يشر البيان إلى حماس بالاسم، إلا أنه اتّهم منظمي المؤتمر بالخلط بين خلافاتهم مع منظمة التحرير الفلسطينية وموقفهم من المنظمة نفسها.7

بالإضافة إلى الجهود المتنوّعة التي وصفناها أعلاه، تقوم مجموعتان من الفلسطينيين بمتابعة مصالح الفلسطينيين الوطنية بمشاركة الفلسطينيين أنفسهم. تتألف المجموعة الأولى من مواطنين فلسطينيين في إسرائيل، وتطرح نموذجاً مهماً للفلسطينيين الآخرين نظراً إلى نضجها السياسي والتنظيمي. لكن واقع أنهم مواطنون فلسطينيون في إسرائيل يحرمهم من أن يلعبوا دوراً قيادياً في الحركة الوطنية الفلسطينية، ذلك أن إسرائيل ستسارع إلى استغلال هذه المحاولة والانقضاض على الجالية نفسها.

أما المجموعة الثانية فتشمل الفلسطينيين الذين أسسّوا وتزعموا حركة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها(Boycott, Divestment and Sanctions) التي تمثّلت أهدافها في تحقيق التحرر من الاحتلال، والعدالة للاجئين، والمساواة بجميع المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل إنما تشمل قطاعات الشعب الفلسطيني بأجمعها. غير أن حركة مقاطعة إسرائيل تركز بصورة مقصودة على الحقوق الفلسطينية، ولا تطالب بتغليب التمثيل أو النفوذ على النتائج السياسة. مع ذلك، فهي تقدّم قيادة فعّالة لكثير من الفلسطينيين ولحركة التضامن الفلسطينية.

ومن المرجح أن يستمر واقع الركود في منظمة التحرير الفلسطيني. ذلك أن روافع السلطة الفلسطينية الرسمية إنما يسيطر عليها شخص واحد، هو الرئيس محمود عباس الذي أكّد هيمنته على فتح بعد اختتام مؤتمرها الذي انعقد في تشرين الأول/أكتوبر 2016.‏8 وكانت حجته في الدفاع عن مركزه القيادي مدى الحياة هي حماية استقلال عملية صنع القرار الفلسطينية من التدخّل العربي؛ وهو الاستقلال الذي حرصت القيادة الفلسطينية كل الحرص على المحافظة عليه منذ ستينيات القرن المنصرم. ولامجال للشك في أن السعودية، ودولة الإمارات العربية، ومصر، والأردن قد حاولت إدارة القضية الفلسطينية ونقل السلطة إلى محمد دحلان، وهو مسؤول سابق في فتح.9

قد تتسارع التطورات على الجبهة الفلسطينية إذا رغب عباس وأنصاره، أو أُرغموا، على المشاركة في عملية للسلام يتزعمها أو يديرها رئيس الولايات المتحدة دونالد ترامب. ويمكننا أن نستشف وضعاً يزداد فيه ضعف منظمة التحرير الفلسطينية في مطالبتها بدولة فلسطينية، مهما كانت هزيلة أو عاجزة. ومن المفارقات أن القوة الأقدر على الحيلولة دون ذلك هي اليمين الإسرائيلي، الذي لا يريد أن يرى دولة فلسطينية مهما كان نوعها أو شكلها.

إن من الصعوبة بمكان أن نتصوّر تطوراً إيجابياً لمنظمة التحرير الفلسطينية في المستقبل القريب، أي تطور يمثّل، بحق، تطلّعات الفلسطينيين. ومن جهة أخرى، مافتئ الفلسطينيون يظهرون العزيمة والقدرة الإبداعية على ترويج تطلعاتهم واغتنام الفرص كلما كان ذلك ممكنا. ونشهد مثالين على ذلك في تجارب المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل وحركة مقاطعة إسرائيل، وكذلك في الاستخدام الإبداعي الفعّال للفنّ، والثقافة، ووسائل الإعلام في إبراز وحماية السردية الفلسطينية. ويمكن للمرء أن يتوقّع استمرار هذه الروح وتعزيزها على الرغم من البلبلة السياسية. ومع أن هذه الروح قد لا تعيد إنعاش منظمة التحرير الفلسطينية وإعادتها إلى ما كانت عليه في السبعينيات والثمانينيات من القرن الماضي، إلا أنها ستستمر في تعزيز الهوية الفلسطينية إلى أن يولد شكل جديد من التمثيل السياسي المقبول على نطاق واسع.

تشغل ناديا حجاب منصب المدير العام ﻟِ"الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية"، وهي كثيراً ما تقدم المحاضرات في الندوات والمؤتمرات المتخصصة والتعليقات في وسائل الإعلام.

هوامش

1 أحمد ملحم، "لجنة المتابعة العربيّة العليا داخل الخطّ الأخضر تدخل على خطّ المصالحة بمبادرة جديدة... فهل تنجح؟"، المونيتور، 25 آب/أغسطس 2016، http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/08/committee-initiative-palestinian-reconciliation-hamas-fatah.html#ixzz4nwqFd56C.

2 Benjamin Weinthal, “Swiss Government Hosts $85,000 Event Aiming to Unify Hamas and Fatah,” Jerusalem Post, January 16, 2017, http://www.jpost.com/Arab-Israeli-Conflict/Swiss-government-hosts-85000-event-aiming-to-unify-Hamas-and-Fatah-478616.

3 “Fatah: No Choice But to Reconcile with Hamas,” Middle East Monitor, January 12, 2017, https://www.middleeastmonitor.com/20170112-fatah-no-choice-but-to-reconcile-with-hamas/.

4 Ali Younes, “Fatah and Hamas to Form Unity Government,” Al Jazeera, January 18, 2017, http://www.aljazeera.com/news/2017/01/fatah-hamas-form-unity-government-170118031339203.html.

5 “PA Announces New Date of Local Elections, Hamas Rejects Decision,” Ma’an, January 31, 2017, https://www.maannews.com/Content.aspx?id=775226.

6 Daud Abdullah, “A Challenge from the Palestinian Diaspora,” Middle East Monitor, February 26, 2017, https://www.middleeastmonitor.com/20170226-a-challenge-from-the-palestinian-diaspora/.

7 منظمة التحرير الفلسطينية، "دائرة شؤون المغتربين تحذر من الاستخدام الفئوي لثوابتنا الوطنية والعبث بالصفة التمثيلية لمنظومة التحرير الفلسطينية" http://www.plo.ps/article/45618/-التحرير-الفلسطينية.

8 Omran Shroufi, “Fatah’s Seventh Party Congress: A Masterstroke by Abbas?,” Open Democracy, January 17, 2017, https://www.opendemocracy.net/arab-awakening/omran-shroufi/fatah-s-seventh-party-congress-masterstroke-by-abbas.

9 Peter Baker, “In Muhammad Dahlan’s Ascent, A Proxy Battle for Legitimacy,” New York Times, November 2, 2016, https://www.nytimes.com/2016/11/03/world/middleeast/muhammad-dahlan-palestinian-mahmoud-abbas.html.

مقالآفاق المصالحة بين فتح وحماس

عدنان أبو عامر

مع دخول الانقسام الفلسطيني بين فتح وحماس عامه العاشر، وتراجع الفرص الجدية لتحقيق المصالحة، تظهر بين حين وآخر مبادرة محلية أو إقليمية، لطي صفحة هذا الانقسام، والمضي قدماً في توحيد الضفة الغربية وقطاع غزة، كما كان عليه الحال قبل العام 2007.

لكن هذه المبادرات المحلية والإقليمية غالباً ما تصطدم بجملة من المتغيرات والعقبات التي تجعل من المصالحة حلماً غير قابل للتحقق، وتفرض واقع الانقسام بين فتح وحماس كابوساً يكاد يكون أبدياً على الفلسطينيين. ستحدّد عوامل عدّة آفاق المصالحة، من ضمنها الأزمات الإنسانية التي تشهدها غزة، وسيطرة حماس على القطاع، وسلاح كتائب عز الدين القسّام، جناح حماس العسكري، وصعود التيار العسكري في حماس.

الأزمات الإنسانية المتواصلة في غزة

يعيش قطاع غزّة في الأشهر الأخيرة أزمات إنسانية متلاحقة، تشمل أزمة الكهرباء المتواصلة؛ والقيود الصارمة على حركة العبور من وإلى غزة، من ضمنها السفر خارج القطاع لتلقّي العلاج الطبي؛ وتدهور قطاعَي التعليم والرعاية الصحية؛ والمشاكل البيئية، بما في ذلك تلك المتعلقة بمياه الشرب وإجراءات معالجة الصرف الصحي.1 وشهد القطاع تبادل اتّهامات بين حماس وحكومة التوافق حول الطرف المسؤول عن هذه الأزمات المتجددة.

لكنّ الجديد في تبعات أزمات غزّة الإنسانية المتفاقمة هو مطالبة السلطة الفلسطينية حماس بتسليم القطاعات الحكوميّة الحياتيّة والإداريّة في غزّة إلى حكومة التوافق. وقد حال الخلاف الذي نشب بين الطرفين حول هذه المسألة دون التركيز على الأزمات الإنسانية. وترافق ذلك مع إعلان حماس عن تشكيل اللجنة الإدارية لتسيير الوزارات الحكومية في غزة، لأنها تتهم السلطة الفلسطينية بأنها غير جديّة في مساعيها لإنهاء مشاكل غزّة، عن جهوزيّتها الكاملة لتسليم القطاعات الحكوميّة والوزارات في غزّة للحكومة، شرط أن تلتزم الأخيرة بمسؤوليّاتها تجاه القطاع– بما في ذلك تلبية الحاجات الإنسانية الملحّة.2

بدل الدخول في تفاصيل حل الأزمات الإنسانية المتلاحقة في غزة، ظهرت حالة من الخلاف بين حماس والسلطة الفلسطينيّة حول تسلّم القطاع.

ثمة عدد من الأسئلة الشائكة التي ينبغي حلّها قبل أن تسلّم حماس الوزارات الحكوميّة في غزّة، وتقوم بحل اللجنة الإدارية الحكومية. وتتمحور هذه الأسئلة تحديداً حول كيفية تسليم المرافق الحكوميّة قبل إنجاز المصالحة المجتمعيّة الحقيقية بين الفلسطينيين، الخاصّة بتسوية حوادث القتل بين فتح وحماس خلال أحداث الانقسام في العام 2007، والتي أسفرت آنذاك عن سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى.3 وعلى المصالحة أن تتطرق أيضاً إلى طبيعة العلاقة بين مقاومة حماس وسلاحها وبين الحكومة الفلسطينية، وإلى مستقبل موظّفي القطاع العام في غزّة، الذين اتخذت السلطة الفلسطينية قراراً بخفيض رواتبهم في نيسان/أبريل 2017.‏4

على الرغم من المفاوضات التي جرت بين السلطة الفلسطينية وحماس للتوصّل إلى اتفاق مصالحة في العام 2014، لا تزال غزّة تحت سيطرة حماس، سياسيّاً وإداريّاً وأمنيّاً. صحيح أن حكومة حماس استقالت ضمن اتّفاق مصالحة في العام 2014، لكن لديها حكومة ظلّ، مكوّنة من وكلاء الوزارات، وفي آذار/مارس 2017 أعلنت حماس تشكيل ما عرف باللجنة الإدارية لتسيير عمل الوزارات في غزة، ما يعني أن الحكومة الشرعيّة القائمة في رام الله ليس لها وجود فعلي في غزة.

وهكذا بدل الدخول في تفاصيل حل الأزمات الإنسانية المتلاحقة في غزة، ظهرت حالة من الخلاف بين حماس والسلطة الفلسطينيّة حول تسلّم القطاع، بل إن بعض أوساط صنع القرار في فتح تعلن بدون مواربة أنه لا مصالحة مع حماس قبل أن تسلّم قطاع غزّة إلى السلطة الفلسطينيّة، وقبل إلغاء تشكيل اللجنة الإدارية. في المقابل، تدافع حماس عن نفسها بالقول إنها تنازلت في العام 2014 عن حقّها الدستوريّ بقيادة الحكومة لإنهاء الانقسام، ولديها خشية من أنّ الحكومة تطلب ذلك لإخراج حماس من النظام السياسيّ الذي دخلته بشرعيّة صندوق الانتخابات وشرعيّة المقاومة.

سيطرة حماس المستمرة على غزة

واجهت حماس، منذ أن سيطرت على غزّة في 2007، مسائل ترتبط بمدى صوابية وشرعيّة حكمها المستمر هناك. مثلاً، هل تتحمّل الحركة مسؤوليّاتها الإنسانية على الرغم من الكلفة الماليّة الباهظة لحكمها، والحصار المفروض على أراضيها، وأوضاعها الماليّة الصعبة؟

بالنسبة إلى حماس، لا تبعث هذه الأسئلة الراحة في نفسها، إذ إنها تخشى من أن تسليم غزّة إلى السلطة الفلسطينية سيكون خطوة على طريق نزع سلاحها. بيد أن هذا الأمر يبدو مستبعداً، فالسلطة الفلسطينية لا تملك الوسائل لنزع سلاح الحركة، التي تمتلك ترسانة عسكريّة ضخمة في غزّة. ولا يزال لدى حماس تخوّف حقيقيّ من أنها لن تحصل على شيء يُذكر مقابل ما تراه تنازلاً ضخماً، شارحةً بذلك سبب تردّدها في إبرام اتفاق مع السلطة الفلسطينية. ووسط السجال الدائر بين الطرفين، منعت الأزمة السياسية إحداث أي تحسُّن في الأزمة الإنسانية في غزّة.

مستقبل سلاح القسام

خلت جميع اتفاقات المصالحة بين فتح وحماس من الحديث عن القضيّة الخلافيّة الأكبر وهي مستقبل سلاح كتائب عز الدين القسّام، جناح حماس العسكري، انطلاقاً من رغبة الطرفَين بعدم جعلها عائقاً في طريق إنجاز المصالحة.

مع ذلك، شدّد الرئيس محمود عباس على أنه يتعيّن على حماس أن تضع سلاحها بيد السلطة، إذ لا بدّ من أن تملك الحكومة وحدها الحق في استخدام السلاح.5 في المقابل، تعتبر الحركة أن طلب التنازل عن هذا السلاح من المحرّمات، مؤكدةً أن المصالحة لن تؤدّي لخضوع مسلحي القسّام لسلطة عباس. فالمصالحة لن تكون على حساب جناحها العسكريّ الذي تعتبره "الجيش الوطني لدولة فلسطين".6 وفي حال أُجبرت الحركة على الاختيار بين المصالحة وبين الاحتفاظ بترسانتها، ستُفضّل على الأرجح الخيار الثاني.

صعود الجناح العسكري المتشدّد في انتخابات حماس الأخيرة

في هذا الإطار، لم يؤدِ صعود الجناح العسكري لحماس في الانتخابات الداخلية الأخيرة سوى إلى ازدياد حدّة الانقسامات في ما يتعلق بالسلاح. ويعود السبب في ذلك إلى منح العسكريين في حماس حق الفيتو ضدّ أيّ تقدّم في مفاوضات المصالحة، من شأنه السعي إلى نزع سلاح الحركة. علاوةً على ذلك، يتذكّر العديد من عناصر حماس تجربة كتائب القسام القاسية مع السلطة الفلسطينية في تسعينيات القرن الماضي، حين تمّ اعتقال المئات منهم.7

نتيجةً لذلك، سعت الحركتان، فتح وحماس، إلى إيجاد حلول بديلة، وبحثتا في صيغ يمكن التوافق عليها، تتمثل بإمكانيّة استنساخ نموذج تأقلم حزب الله والجيش الوطني في لبنان ليعتمد كحلّ في غزّة، من دون أن تتضمّن إشارة لنزع سلاح حماس أو دمجه في الأجهزة الأمنيّة. بالفعل، تبذل قيادة حماس جهوداً حثيثة لطمأنة قيادات القسام بأن الحفاظ على سلاحهم سيشكّل أولوية قصوى.

هذه أبرز الملفات العالقة في المصالحة التي طال انتظارها بين فتح وحماس، والتي مازالت، إلى جانب متغيرات أخرى، تشكّل عقبات كأداء. وهذا يعني أنه بدلاً من تجاوز خلافاتهما، سيضطر الطرفان إلى الاستمرار بكل بساطة في إدارتها حتى إشعار آخر.

عدنان أبو عامر عميد كلية الفنون وأستاذ العلوم السياسية في جامعة الأمة في غزّة.

هوامش

1 Mersiha Gadzo, “Gaza Electricity Crisis: ‘People Are Dying Daily,’” Al Jazeera, January 7, 2016, http://www.aljazeera.com/news/2016/01/gaza-electricity-crisis-people-dying-daily-160106071146327.html.

2 عدنان أبو عامر، "بدائل "حماس" بعد تمديد حكومة التّوافق"، المونيتور، 4 كانون الأول/ديسمبر 2014، http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2014/12/palestinian-consensus-government-end-hamas-extend.html.

3 Isabel Kershner, “Hamas Attacks Against Fatah Kill 14 and Add to Gaza Chaos,” New York Times, May 16, 2007, http://www.nytimes.com/2007/05/16/world/middleeast/16gaza.html.

4 Rob Reynolds, “Gaza’s Public Workers Face Salary Cuts,” Al Jazeera, April 12, 2017, http://www.aljazeera.com/video/news/2017/04/gazas-public-workers-face-salary-cuts-170412064916127.html.

5 عدنان أبو عامر، "تسلي مغزّة... سجال جديد بين حماس والسلطة الفلسطينيّة!"، المونيتور، 26 كانون الثاني/يناير 2017، http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2017/01/hamas-handover-gaza-government-ramallah-pa.html.

6 عدنان أبو عامر،"سلاح القسّام والمصالحة.. ممنوع الاقتراب!"، المونيتور، 2 أيار/مايو 2014، http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2014/05/qassam-weapons-hamas-fatah-reconciliation.html.

7 "مسيرة حركة "حماس" خلال 29 عامًا"، وكالة قدس برس إنترنشيونال للأنباء، 14 كانون الأول/ديسمبر 2016، http://www.qudspress.com/index.php?page=show&id=26235.

مقالالاقتصاد الفلسطيني منذ مؤتمر باريس العام 2007: ما الذي تعلمناه حتى اليوم؟

أسامة كنعان

في خريف العام 2007، أطلق رئيس الوزراء سلام فياض "خطة الإصلاح والتنمية الفلسطينية" التي تمثل الرؤية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للسلطة الفلسطينية على الأجل الطويل. وحظيت الخطة بالتأييد السياسي والمالي من الجهات المشاركة في مؤتمر المانحين الدولي الذي عقد في باريس في كانون الثاني/ ديسمبر من تلك السنة بحضور أكثر من تسعين وفداً دولياً، وتم التعهد بتقديم معونة خلال الأعوام 2008 و2009 و2010 تصل إلى نحو 2.6 مليار دولار أميركي سنوياً (أي نحو 50% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2007).1

وصُممت هذه الخطة بحيث تكفل في جوهرها تفعيل حلقة من التفاعلات السياسية والاقتصادية الإيجابية التي تُفضي إلى الارتقاء بمستوى المعيشة وخفض معدلات البطالة وعدم المساواة في حال قيام السلطة الفلسطينية بالإصلاحات المزمعة، وإزالة إسرائيل جميع القيود التي وضعتها، وتوافر المعونة السخية من المانحين. وكان من المفترض أن يؤدي خفض معدلات البطالة وعدم المساواة إلى تخفيف حدة التوتر الاجتماعي والسياسي، وهو ما كان من شأنه أن يرفع من مستوى الثقة لدى مستثمري القطاع الخاص ويزيد من حجم استثماراتهم، ويعزّز بالتالي من النمو. وكان من المتوقع أن يوفر الإلغاء التدريجي للقيود الإسرائيلية حيزاً اقتصاديا تحتاج السلطة الفلسطينية إليه كي تتمكن من إجراء الإصلاحات الهيكلية الأساسية، وكان ذلك ليتيح للسلطة خلق سجل قوي لأدائها في مجال الحوكمة الرشيدة وبناء المؤسسات وبما يكفل لها أن تبرهن على قدراتها في مجال إدارة دولة مستقلة.

وبدا أن الحلقة الإيجابية التي سعى المجتمع الدولي إلى تفعيلها قد آتت أُكلها نوعاً ما خلال سنواتها الأولى، لا سيما خلال الفترة بين عامي 2008 و2010. وقد ارتفع سقف توقعات الناس في تلك الفترة جراء حصول تعافٍ في النمو الاقتصادي، والآفاق المتعلقة بتقرير المصير، وتخفيف القيود الإسرائيلية. كما أن التحسُّن في الأوضاع المعيشية والأمنية ساهم بصورة مؤقتة في تنشيط النمو في المراكز الحضرية في الضفة الغربية. وانتعشت الآمال كذلك جرّاء التحسُّن في أساليب الحوكمة لدى السلطة الفلسطينية، الأمر الذي تجلى في بناء مؤسسات اقتصادية أكثر قوة، واتباع تدابير احترازية في مجال المالية العامة.

ولكن أخفقت السياسات في خلق تنمية شاملة ذات قاعدة عريضة بعد عام 2010، نظراً لبقاء مستويات البطالة والتفاوت في الدخل مرتفعة (وخصوصاً بين قطاع غزة والضفة الغربية). ومع أن إجمالي الناتج المحلي الحقيقي قد حقق معدل نمو سنوي بلغ 7 في المئة خلال الفترة بين العامين 2008 و2010، إلا إنه سرعان ما تراجع إلى نحو 2 إلى 3 في المئة منذ ذلك الحين، بما يوحي بحصول ركود في نصيب الفرد من الدخل الحقيقي.2 وبالإضافة إلى ذلك، ظلت معدلات البطالة مرتفعة جداً حيث طالت البطالة خُمس القوى العاملة في الضفة الغربية، وما يربو على ثلثها في قطاع غزة.3 وقد انخفض عجز الموازنة من 21% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2008 إلى 14% من إجمالي الناتج المحلي في عام 2010، ولكن ظلت نسبة العجز تتراوح ما بين 10 و12 في المئة من إجمالي الناتج المحلي خلال الفترة ما بين عامي 2011 و2015. ويظل عجز الموازنة أحد أهم مؤشرات الأداء الاقتصادي الكلي للسلطة الفلسطينية لا سيما في ضوء عدم وجود عملة وطنية، وعليه فيظل عجز الموازنة معتمداً على التمويل الخارجي بشكل كبير.4 وعلاوة على ذلك، لم يطرأ تغيرٌ يُذكر على هيكل الإنفاق الجاري أو تكوينه بما يكفل المزيد من التركيز على الإنفاق على قطاعيّ الصحة والتعليم مقارنةً بالإنفاق على الأجور والأمن.

ظل الأداء الكلي لنمو الاقتصاد الفلسطيني خلال العقد الماضي مدفوعاً بحجم الحيز الاقتصادي الذي يتركه الجيش الإسرائيلي للسلطة الفلسطينية والقطاع الخاص الفلسطيني. وألغى الجيش الإسرائيلي خلال الفترة ما بين عامي 2008 و2010 معظم القيود المفروضة على حركة السلع والأشخاص داخل الضفة الغربية، وخفف القيود على الواردات من إسرائيل، وأدّى ذلك إلى صعود كبير في حجم الناتج جراء استغلال الطاقة الإنتاجية بشكل أفضل، وانخفاض تكاليف النقل، وإتاحة المدخلات الرأسمالية بشكل أكبر، وتوافر المواد الخام ذات الأهمية البالغة والحيوية. ولكن توقفت أواخر عام 2010 عملية القيام بالمزيد من إجراءات تخفيف القيود المفروضة، حيث أبقى الجيش على الضوابط المفروضة على الصادرات وعلى الدخول إلى أراضي المنطقة (ج).5 وظل الحظر بالمقابل مفروضاً على قطاع غزة باستثناء فئات محددة من الواردات، وأكثرها من السلع الاستهلاكية.

وانطوى أحد الأهداف الأساسية للخطة على تخفيض العجز في موازنة السلطة الفلسطينية، فإن حجم ما صُرف من المعونات ظل قاصراً على نحو مضطرد عن تلبية المبالغ المطلوبة لتمويل أوجه الإنفاق الأساسية في موازنة السلطة الفلسطينية. وعانى الإنفاق على الاستثمارات الرأسمالية العامة على وجه التحديد من عجز تمويلي شديد تجلى في تراجع نصيب الاستثمار الرأسمالي في إجمالي الإنفاق العام من 12 في المئة عام 2008 إلى 5 في المئة عام 2015 (أي ما يعادل 2% فقط من إجمالي الناتج المحلي)، الأمر الذي قوّض على نحو خطير من آفاق النمو على الأجل الطويل.6 وأدت استمرارية فرض القيود الإسرائيلية عن طريق الحد من توسع القطاع الخاص إلى حصول نمو اقتصادي هزيل يعتمد بشكل كبير على إنفاق السلطة الفلسطينية على الإعانات الاجتماعية والأجور، وتقليص حجم إيرادات الموازنة المحلية على نحو خطير.

ينبغي أن تحرص أجندات الإصلاح وشرطية المعونة مستقبلاً على إدراج سياسات الاحتلال الإسرائيلي ضمن العوامل الرئيسية التي تحدد ملامح التحول الاقتصادي في فلسطين.

وحمل نجاح السلطة الفلسطينية خلال الفترة ما بين عامي 2008 و2010 في تعزيز قدراتها في مجال إدارة التمويل العام، وتوخي شفافية المالية العامة وتحقيق المساءلة كلاً من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي على الإقرار في عام 2011 بأن السلطة قادرة كحكومة على تنفيذ السياسات الاقتصادية السليمة المتوخاة التي تصلح للدولة الفلسطينية مستقبلاً. ولكن أخذت الإصلاحات الاقتصادية للسلطة الفلسطينية بالانحسار منذ ذلك الحين، نظراً لتنامي مصاعب تشكيل قاعدة محلية توفر الدعم اللازم لإصلاح جهاز الخدمة المدنية، وتعزيز الإدارة الضريبية، وتطوير الإطار التشريعي والقضائي لاجتذاب الاستثمارات الخاصة، وأضف إلى ذلك عملية السلام المتوقفة والميؤوس منها.

وبدا أثناء مؤتمر السلام في الشرق الأوسط 2017 الذي عُقد في باريس أن الاقتصاد الفلسطيني قد أتم دورة كاملة منذ انعقاد مؤتمر باريس للمانحين في عام 2007. وأعقب الفترة التي شهدت حتى عام 2011 حصول النمو الاقتصادي على دفعة أولية، والأشواط التي تم قطعها الفلسطينيون على صعيد بناء مؤسسات الدولة، سنواتٌ من الانتكاس تآكلت فيها مستويات معيشة الفلسطينيين، وخيبت الآمال المتعلقة بحق تقرير المصير. ولقد آن الأوان لإعادة إحياء الجهود الدولية من خلال خطة تنموية معززة بضمانات الدول المانحة من قبيل الخطة التي أُعلن عنها في مؤتمر باريس عام 2007، التي لم تتم متابعتها بصورة فعالة من خلال خطة أخرى منذ انتهائها في عام 2011. ولا بد لمثل هذه الخطة المقترحة أن تحيط بالدروس بالغة الأهمية المستوحاة من تجارب العقد المنصرم.

أولا، من الأهمية بمكان عند وضع تلك الخطة أن يُصار إلى تحديد تطلعات واقعية بشأن حجم ما يُصرف من المعونة وإمكانية حصول ذلك أصلا، ناهيك عن إنشاء آليات ملائمة لمراقبة المعونات وتنسيق الجهود المتعلقة بها. ويظهر أن آفاق الحصول على المعونة تبدو قاتمة لا سيما في ظل تباطؤ الاقتصاد الإقليمي جراء اشتداد وطأة النزاعات، وانخفاض أسعار النفط. ومن المرجح أيضاً أن نشهد المزيد من تحويل المعونة التي يقدمها مجلس التعاون الخليجي وتوجيهها إلى بلدان أخرى أكثر ضعفاً، أو خرجت لتوها من نزاعات. وأما المعونة التي تقدمها الولايات المتحدة فهي قد تصبح مقيدة بشروط أكثر تصلبا ترتبط بتصورها الخاص لمعنى التقدم في عملية السلام، وبموازنتها التي باتت تفرض قيوداً أكبر على المعونات الأجنبية عموماً. وسوف تتطلب هذه العوامل متابعة مستمرة وحثيثة لما تعهد به المانحون من معونة، مقرونةً بإجراء تقييم متأنٍ لمدى ارتباط الترتيبات الخاصة بصرف المعونة بالقيود التي تطرأ في مجتمع المانحين. وغالباً ما كان النقص الحاصل في استلام المعونة منذ مؤتمر باريس عام 2007 نتاجاً للطابع الارتجالي لعملية صرف المعونة بما في ذلك عقلية المعاوضة، أو وضع شروط وافتراض توقعات بالمقابل وفق مبدأ "واحدة بواحدة"، وهو ما لم تستطع السلطة الفلسطينية أن تلبيه.

وثانيا، ينبغي أن تحرص أجندات الإصلاح وشرطية المعونة مستقبلاً على إدراج سياسات الاحتلال الإسرائيلي ضمن العوامل الرئيسية التي تحدد ملامح التحول الاقتصادي في فلسطين، هذا بالإضافة إلى تحديد أهداف واضحة المعالم على صعيد الإصلاح. والواقع أن مسيرة الاقتصاد الفلسطيني على مدى العقد الماضي تبيّن بوضوح أن فعالية السياسات الاقتصادية التي انتهجتها السلطة الفلسطينية تعتمد على الخطوات الإسرائيلية التكميلية في هذا السياق، وخصوصاً قيامها بإلغاء الضوابط والقيود التي تفرضها على تدفق السلع والأشخاص عبر الحدود، وفتح المنطقة (ج) أمام الاستثمارات الفلسطينية، وإتاحة إمكانية تشغيل مطار وميناء بحري. وهذه الإجراءات جوهرية كي تكفل استمرارية نمو القطاع الخاص في فلسطين، لا سيما في ضوء صغر حجم هذا القطاع واعتماده على الأسواق الإسرائيلية منذ أمد.

وأخيرا، سوف تفقد الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي تقوم بها السلطة الفلسطينية زخمها إذا لم تتوفر للفلسطينيين آفاق واقعية بشأن ممارسة حقوق الإنسان الأساسية الخاصة بهم. وتظل هذه الآفاق ضرورية من أجل تمكين السلطة الفلسطينية من حشد المساندة الهامة على مستوى القواعد الشعبية لخطة تنموية تحظى بدعم دولي تقود في نهاية المطاف إلى إقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة اقتصاديا.

أسامة كنعان مدير مركز صندوق النقد الدولي للاقتصاد والتمويل في الشرق الأوسط. تعبّر وجهات النظر الواردة هنا عن آراء كاتبها فقط، ولا تعكس بالضرورة مواقف صندوق النقد الدولي أو سياساته.

هوامش

1 صندوق النقد الدولي، " إطار الاقتصاد الكلي والمالية العامة في الضفة الغربية وغزة - الاستعراض الأول للتقدم المحرز"، 2 أيار/مايو 2008، http://www.imf.org/~/media/external/arabic/np/wbg/2008/050208a.ashx.

2 “Macroeconomic and Fiscal Framework for the West Bank and Gaza: Seventh Review of Progress,” International Monetary Fund, April 13, 2011, www.imf.org/external/country/wbg/rr/2011/041311.pdf.

3 المصدر السابق.

4 صندوق النقد الدولي، "الوضع الراهن وآفاق التطورات الإقتصادية لكل من الضفة الغربية وقطاع غزة"، 18 أيلول/سبتمبر 2011، http://www.imf.org/~/media/external/country/wbg/rr/2011/091411a.ash; International Monetary Fund, “West Bank and Gaza: Report to the Ad Hoc Liaison Committee,” August 26, 2016, http://www.imf.org/~/media/files/countries/resrep/wbg/2016wbgrr.ashx.

5 كان من نتائج اتفاقيات أوسلو تقسيم الضفة الغربية إدارياً إلى ثلاث مناطق: أ، و ب، و ج. وتخضع المنطقة ج، التي تغطي 60 بالمائة من المساحة الكلية للضفة الغربية، إلى السيطرة المدنية والعسكرية الإسرائيلية التامة، وتشمل المستوطنات الإسرائيلية. وتفرض إسرائيل قيوداً مشددة على عمليات البناء والاستثمارات الفلسطينية الأخرى في المنطقة ج.

6 “West Bank and Gaza: Report to the Ad Hoc Liaison Committee,” International Monetary Fund, August 26, 2016, http://www.imf.org/~/media/files/countries/resrep/wbg/2016wbgrr.ashx.

مقالالقانون الدولي كوسيلة للمقاومة

هالة الشعيبي

خلال السنوات القليلة الماضية، أخذت السلطة الفلسطينية، بصورة متزايدة بالعمل على تدويل الصراع واستراتيجيات المقاومة لديها. ففي العام 2012، لجأت السلطة إلى القانون الدولي وسعت لكسب الدعم من المنظمات الدولية، فعززت مكانتها في الجمعية العامة للأمم المتحدة وصادقت على اتفاقيات عدّة، بما فيها نظام روما الأساسي الخاص بالمحكمة الجنائية الدولية. أن القانون الدولي، شأنه شأن أية وسيلة أخرى قد يستخدم كأداة للمقاومة او لدعمها، ولكن قد يتعارض مع وسائل أخرى، مما يستلزم بالتالي تقييم فوائد ومضار كل منها لأخذ القرار حول أي آداة سيتم تبنيها. وفي هذا السياق، ثمة آليات مختلفة ضمن القانون الدولي التي ينبغي على الفلسطينيين النظر فيها وأخذها بالاعتبار.

لكي يكون القانون الدولي فعالاً، ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية عريضة للمقاومة، تتولاها زعامة وطنية حقيقية تساعد في عملية صنع القرار.

لكي يكون القانون الدولي فعالاً، ينبغي أن يكون جزءاً من استراتيجية عريضة للمقاومة، تتولاها زعامة وطنية حقيقية تساعد في عملية صنع القرار، بما يلبي الإجابة عن تساؤلات حول أفضل السبل للمضي قدماً لكسب الحقوق الفلسطينية. وتكشف بعض الأحداث التي وقعت مؤخراً كيف يمكن أن تتضارب بعض وسائل او آليات المقاومة المختلفة. فعلى سبيل المثال، عندما أعلنت بضع فرق موسيقية أردنية تحمل تأشيرات زيارة إسرائيلية عن زياراتها المقبلة لبعض المراكز الثقافية الفلسطينية في حيفا والناصرة (في مناسبات عدة خلال الأعوام 2012 و2014 و2015)، أثيرت الناقشات حول مدى موائمة هذه الزيارة لمطالب وحقوق الفلسطينيين . فقد رأى البعض، من جهة، أن على الفرقة أن تلتزم بتعليمات حملة مقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها (BDS) ضد تطبيع العلاقات بين الدول العربية وإسرائيل كوسيلة مقاومة، والتي تشمل عدم العزف في محال يملكها فلسطينيون في أراضي فلسطين المحتلة عام 1948.‏1 من جهة أخرى، رأى آخرون أن هذا النوع من التبادل الثقافي قد يجسّر الفجوات الثقافية والسياسية القائمة بين فلسطيني الداخل المحتل والعرب، بالتالي، قد يصبح هذا النوع من التشبيك الثقافي وسيلة من وسائل المقاومة. وفي هذه الحالة مثلاً، يستلزم الأمر أن تتغلّب إحدى الوسيلتين على الأخرى؛ غير أن الأوساط الفلسطينية، في غياب استراتيجية فلسطينية مقاومة واضحة وفهم كامل لأهمية كل من الوسيلتين، ظلت منقسمة على نفسها بصورة تشوبها المرارة، وتم عقد الحفل خرقاً لمعايير حملة المقاطعة. وبالمثل، فإن القانون الدولي، باعتباره وسيلة تستخدم من قبل الفلسطينيين، سيصطدم أحياناً بوسائل مقاومة فلسطينية مما يرتب في بعض الأحيان ضرورة عدم الإمتثال للقانون الدولي. إلا أن تفضيل وسيلة على أخرى قد لا يكون ضرورياً في بعض الحالات؛ إذ يمكن استخدام القانون الدولي لتعزيز وسائل مقاومة أخرى وليس لقمعها.2 ويمكن لجوانب من القانون الدولي أن تساعد بصفة خاصة في إقرار الحقوق الفلسطينية أو ضمانها على النحو التالي:

  1. المصطلحات: في وسع الفلسطينيين أن يعيدوا استخدام المصطلاحات الأكثر دقة لوصف السياق الفلسطيني لكي "يعكس التجربة التاريخية للشعب الفلسطيني بأكمله" بما هو أبعد ممن يعيشون في الضفة الغربية وغزة فقط وأبعد من حدود عام 1967.‏3 وبما أن اصطلاح "الاحتلال" لا يشير إلى عمل غير شرعي في القانون الدولي، فإن اصطلاحات أخرى أكثر دقة وشمولاً مثل الاستعمار الكولونيالي والفصل العنصري/ الأبَرْتهايد والنقل القسري للسكان، تشير إلى أعمال غير مشروعة. وكما ويعتبر التمييز العنصري والنقل القسري للسكان أعمالاً جرمية بموجب ميثاق روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية.4
  2. حملات المقاطعة: تدعو الفقرة الخامسة من قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2334 "جميع الدول، بعد أن تؤخذ بالاعتبار الفقرة الأولى من هذا القرار، إلى التمييز، في معاملاتها ذات العلاقة بين أراضي دولة إسرائيل والأراضي التي احتُلَّت منذ العام 1967".‏5 يمكن استخدام هذه الفقرة في قرارات مستقبلية للمطالبة بمقاطعة المنتجات والخدمات المنتجة في المستوطنات الإسرائيلية، وحتى فرق كرة القدم الإسرائيلية المتواجدة في المستوطنات. ويقوم الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) في الوقت الحاضر بمناقشة مستقبل فرق كرة القدم الإسرائيلية في المستوطنات، وفي وسع الفلسطينيين كذلك أن يمارسوا الضغط على الدول للتصويت لصالح تعليق عضوية رابطة كرة القدم الإسرائيلية في الفيفا.6 ويمكن استخدام هذا الأسلوب في المستقبل مع منظمات دولية أخرى، كما يمكن في القرارات المقبلة استخدام الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية، حول نتائج بناء الجدار في الأراضي الفلسطينية المحتلة، لتعزيز مطالب الفلسطينيين في الأمم المتحدة.7 
  3. حماية الأرض: في العامين 2012 و2014 على التوالي، نجح الفلسطينيون في وضع كنيسة المهد ومسار الحجاج في بيت لحم وقرية بتّير القريبة بالقرب القدس على قائمة اليونسكو التي تضمّ مواقع التراث العالمي المُهددة بالخطر.8 وتشمل هذه القائمة مواقع ثقافية وطبيعية تهدّدها مخاطر جدية، بما فيها ما يتعلق بالزحف الحضري والتغيّر في استخدام أو ملكية الأرض، أو النزاع المسلح.9

    وثمة أربعة عشر موقعاً فلسطينياً على قائمة مؤقتة سينظر في أمر ترشيحها لإضافتها إلى قائمة التراث العالمي.10 ويتعيّن على السلطة الفلسطينية أن تعطي الأولوية إلى المواقع التي تتعرّض للتهديدات الإسرائيلية ولمخاطر المصادرة أو بناء/ توسيع المستوطنات. ومن الجدير بالذكر أن الأردن رشّح في عام 1982 البلدة القديمة في القدس وتم وضعها على قائمة التراث العالمي المُهددة بالخطر، ويتوجّب على الفلسطينيين أن يدرسوا إمكانية توسيع المنطقة المحمية في القدس لتشمل مناطق أخرى في القدس واقعة تحت تهديد الخطر الإستيطاني.11
  4. الولاية القضائية العالمية: يستطيع الفلسطينيون استغلال المحاكم الوطنية في البلدان الأجنبية لمصلحتهم بطريقتين: فمن الممكن، أولا، استغلال مبدأ الولاية العالمية في الدول التي تجيزه. وتعني الولاية العالمية "ولاية وقدرة المحاكم المحلية والدولية على مقاضاة مرتكبي جرائم محددة، بصرف النظر عن المكان الذي وقعت فيه، وجنسية الفاعل أو جنسية الضحية".12 ان المحاولات سابقة لإستغلال مبدأ الولاية العالمية ضد مجرمين اسرائيلين لم تحقق الكثير، ربما لقدرة بعض الدول على منح الحصانة الدبلوماسية.13 ولكن على الأقل هذا النوع من التحرك القانوني ضد مسوؤلين اسرائيلين يصعب عملية تنقلهم في بلدان العالم المختلفة. ومن جهة ثانية، في وسع الفلسطينيين الذين يحملون جنسية اخرى أن يرفعوا دعاوى ضد إسرائيلين في المحاكم الوطنية في الدول الأخرى التي يحملون جنسيتها (مثلاُ في ما يتعلق بجرائم مصادرة الأراضي والقتل بدون محاكمة والتعذيب).

لكن، قبل الإقدام على أي من الخطوات التي أوردناها آنفا، ينبغي النظر مليّاً في التضارب المحتمل ما بين وسائل القانون الدولي المذكورة ووسائل المقاومة الأخرى. ومع أن الحالات سالفة الذكر قد لا تنطوي على مخاطر تستحق الذكر، فإن بعض التنازع مثلاً قد ينشأ بين القرارات الدولية الرامية الى مقاطعة خدمات المستوطنات الإسرائيلية ومنتجاتها من جهة، وحملة مقاطعة إسرائيل التي تدعو إلى مقاطعة جميع الخدمات والمنتجات الإسرائيلية من جهة أخرى. فالقرارات التي تركّز على المستوطنات قد تؤدي إلى إضعاف الدعوة إلى مقاطعة الكيان الأسرائيلي الصهيوني ككل وتخفف الضغط على إسرائيل للعمل على، 1) إنهاء احتلالها واستعمارها الكولونيالي لجميع الأراضي العربية، 2) والاعتراف بالحقوق الأساسية للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل للتمتع بالمساواة الكاملة، 3) واحترام وحماية حقوق اللاجئين الفلسطينيين بالعودة إلى ديارهم وممتلكاتهم.14 حيث ان أغلب قرارات الأمم المتحدة لا تتعلق مباشرة بدعم هذه الحقوق، بل تركز على المطالبة بإنهاء احتلال الأراضي التي احتلت عام 1967 فقط. ومع ذلك، فإن بوسع الفلسطينيين تخفيف الآثار السلبية لهذه القرارات بالإشارة إلى أن أي قرار ضد المستوطنات لا ولن يضر او يتنازل عن جميع الحقوق الفلسطينية والدعوة العامة إلى تبني حملة المقاطعة بشكلها الواسع. وبالتالي عندما يتم أي تنازع بين آليات مستخدمة من قبل الفلسطينيين، يتعيّن أول الأمر محاولة تعزيز الوسائل لبعضها البعض، ولكن إذا تعذر ذلك، يجب تبني الآلية التي تُثبت حقوق الشعب الفلسطيني بكافة اطيافه.

هالة الشعيبي أستاذة مساعدة في القانون الدولي في جامعة بيرزيت.

هوامش

1 انظر: "لا لعرض فرقة أوتوستراد في رام الله!"، الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، 27 كانون الثاني/يناير 2012. http://pacbi.org/atemplate.php?id=422; "؛ "فرقة حرقة كرت حرقت كل كروتها مع دولة الاحتلال بذريعة التواصل مع فلسطينية الداخل"، الحملة الفلسطينية للمقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل، كانون الثاني 2014 http://www.pacbi.org/atemplate.php?id=536; انظر كذلك "مناظرة عروض الفرق الفنية من الدول العربية في الداخل الفلسطيني"، YouTube Video, posted by "Ilam Media Center," 2:01:06, June 25, 2013, accessed May 21, 2017, https://www.youtube.com/watch?v=GajTtxq-2_w&feature=share.

2 حول الثغرات في القانون الدولي، انظر: إنغريد جرادات غاسنر، "تسخير القانون الدولي لمصلحة الفلسطينيين"، الشبكة: شبكة السياسات الفلسطينية، 17 تموز/يوليو 2013، https://al-shabaka.org/commentaries/تسخير-القانون-الدولي-لمصلحة-الفلسطين/.

3 Civic Coalition for Palestinian Rights in Jerusalem and Birzeit University Institute of Law, “Advocating for Palestinian Rights in Conformity with International Law: Guideline” (document prepared at “Law and Politics: Options and Strategies in International Law for the Palestinian People, Birzeit University Institute of Law, May 8–9, 2013), http://lawcenter.birzeit.edu/userfiles/Public_Report_BZU_Conference_FINAL.pdf.

4 انظر: Article 7(1) (j)، Article 7(1) (d)، Article 8(2)(a)(vii) , 8(2)(b)(viii)، UN General Assembly, Rome Statute of the International Criminal Court (last amended 2010) , 17 July 1998, ISBN No. 92-9227-227-6, في الموقع التالي: http://www.refworld.org/docid/3ae6b3a84.html.

5 مجلس الأمن في الأمم المتحدة، قرار 2334 (2016) حول وقف الأنشطة الاستيطانية الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية، 23 كـانون الأول/ديسمبر 2016، http://www.refworld.org/cgi-bin/texis/vtx/rwmain/opendocpdf.pdf?reldoc=y&docid=587f34844.

6 انظر: Nigel Wilson, "FIFA Delay on Israeli Settlement Decision Fuels Concern, “Al Jazeera, March 19, 2017, http://www.aljazeera.com/indepth/features/2017/03/fifa-delay-israeli-settlement-decision-fuels-concern-170317080253187.html.

7 International Court of Justice, “Advisory Opinion Concerning Legal Consequences of the Construction of a Wall in the Occupied Palestinian Territory,” July 9, 2004, في الموقع التالي: http://www.refworld.org/cases,ICJ,414ad9a719.html.

8 “ Palestine,” United Nations Educational, Scientific and Cultural Organization (UNESCO), http://whc.unesco.org/en/statesparties/ps.

9 UNESCO, "Convention Concerning the Protection of the World Cultural and Natural Heritage”, November 16, 1972, (Article 11[4]) في الموقع التالي: http://www.refworld.org/docid/4042287a4.html.

10 “Palestine’s Properties Submitted on the Tentative List,” UNESCO, http://whc.unesco.org/en/statesparties/ps.

11 انظر:‏ “Silwan‏ as‏ Historic‏ Site”،‏ Zeina‏ Ayyed، مخطوطة غير منشورة، كانون الثاني 2017.

12 “Experts Suggest Invoking Universal Jurisdiction among Legal Options to Address Israeli Settlements, as International Meeting on Palestine Question Continues,” United Nations, September 9, 2015,https://www.un.org/press/en/2015/gapal1346.doc.htm.

13 انظر، على سبيل المثال: Tzipi Livni visiting Britain: Harriet Sherwood, "Israeli Minister Tzipi Livni Given Diplomatic Immunity for UK Visit," The Guardian, May 13, 2014, https://www.theguardian.com/world/2014/may/13/israel-tzipi-livni-diplomatic-immunity-uk; Ben White, "Immunity and Impunity: Britain Protects Tzipi Livni Once Again," Middle East Monitor, July 7,2016 https://www.middleeastmonitor.com/20160707-immunity-and-impunity-britain-protects-tzipi-livni-once-again/.

14 حركة مقاطعة إسرائيل، "مؤسســـات المجتمــع المدنــي الفلسطينــي تنــادي بمقاطعــة إسرائيــل وسحــب الاستثمــارات منــها وفــرض العقوبــات عليــها حتــى تنصــاع للقانــون الدولــي والمبـــادئ الدوليـــة لحقــوق الإنســــان"، 9 تموز/يوليو 2015، https://bdsmovement.net/call.

مقالتأثير التغيرات في العالم العربي على القضية الفلسطينية

غسان الخطيب

ارتبط الشعب الفلسطيني منذ نشوء القضية الفلسطينية في أوائل القرن الماضي بعمقه العربي. وكان لعلاقاته العربية تأثيراً كبيراً على وضعه السياسي الداخلي، وكذلك على قدرته على مواجهة المخطط الصهيوني.

لقد كانت الشعوب العربية، وفي أحيان كثيرة الحكومات العربية، حاضنة داعمة للنضال الفلسطيني في محطاته الأساسية. فالموضوع الفلسطيني كان حاضراً بقوة في الاتصالات التي جرت بين الحكومات العربية والغربية بين الحربين العالميتين. وساهمت دول عربية عدّة في الحرب الفلسطينية- الإسرائيلية في العام 1948، وتفاوض مندوبو الدول العربية حول قرار التقسيم في العام نفسه. كما أن منظمة التحرير الفلسطينية نشأت بدعم من الأنظمة الثورية العربية المعادية لإسرائيل، علاوةً على أن العمل الفدائي الفلسطيني انطلق في سنواته الأولى بعد حرب 1967 من بلدان عربية مجاورة.

كما حظيت الإنجازات الدبلوماسية الفلسطينية بدعم عربي. فقد قدّمت الدول العربية منظمة التحرير لبعض الدول العظمى، كالاتحاد السوفياتي والصين في سبعينيات القرن الماضي. وتمكّنت المنظمة من تعيين مندوبين لها في العواصم الأوروبية والغربية الأخرى عن طريق مكاتب جامعة الدول العربية، إضافةً إلى القرارات الأممية الهامة التي لعبت الدول العربية دوراً كبيراً في نجاحها، وأخيراً دخول عملية السلام مع إسرائيل بقرار عربي وبوفد أردني- فلسطيني مشترك إلى مؤتمر مدريد للسلام في العام 1991.

ولذلك فإن الانتفاضات المستمرة في منطقة الشرق الأوسط منذ 2011 تؤثر على القضية الفلسطينية سلبياً على مستويين: الأول، تهميش الفلسطينيين وتراجع القدرة العربية على دعمهم؛ والثاني، تعزيز مكانة إسرائيل الأمنية وفي المنطقة وتراجع مكانة الجانب الفلسطيني والعربي في المشهد الدولي.

لا شك أن جسامة الأحداث الجارية في المنطقة العربية، سواء لجهة ضراوة الصراع، أو حجم الخسائر البشرية والمادية، أو التغيرات الجيوسياسية المحتملة، تستأثر باهتمام القوى المحلية والعظمى، إضافة إلى المؤسسات العالمية، على حساب قضايا المنطقة التقليدية الأخرى، ومنها مصير الفلسطينيين. لم تعد فلسطين هي "قضية العرب الأولى"، ولم تعد على رأس سلم الأولويات من الناحية الفعلية، رغم استمرار وجود العواطف الصادقة نفسها والخطاب الإعلامي ذاته، ولكن على المستوى العملي، تعدّدت المسائل الإقليمية واحتدت المخاطر التي تطرحها، لدرجة لم يعد فيها الحضن العربي قادراً على توفير المكانة السابقة نفسها للقضية الفلسطينية على مستوى السياسات الإقليمية والعربية.

لم تعد فلسطين هي "قضية العرب الأولى"، رغم استمرار وجود العواطف الصادقة نفسها.

ولهذا التراجع مظاهر عديدة، أولها سياسي؛ فنتيجةً للتشرذم والصراعات في المنطقة، لم يعد العرب قادرين على إعطاء الوقت والجهد السياسي اللازمين لحل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وانعكس ذلك في واقع أن الموضوع الفلسطيني لم يعد في صلب أولويات جداول أعمال اللقاءات الجماعية أو الثنائية بين القادة العرب. ويعود السبب في ذلك إلى الاعتقاد السائد لدى العديد من صانعي القرار العرب بأن مخاطر أخرى مثل الهيمنة الإيرانية، والصراع السنّي-الشيعي، والتقسيم أو الانهيار المحتمل لبعض الدول العربية، وتنامي التهديدات الإرهابية، هي أكثر إلحاحاً من السياسات الإسرائيلية أو معاناة الشعب الفلسطيني.

ولعلّ في قرار مجلس الأمن الرقم 2334 لكانون الأول/ديسمبر 2016، الذي يدين المستوطنات الإسرائيلية، خير مثال على ذلك، إذ اضطرت مصر للتراجع وسحب مشروع القرار المتّفق عليه من قبل مجموعة من الدول العربية، إثر ضغوط مارستها إدارة ترامب المنتخب حديثاً (لكن الفلسطينيين تمكنوا لاحقاً من تمرير القرار عندما عادت لتقديم المشروع دول غير عربية).1

أما المظهر الثاني لهذا التراجع فهو الانخفاض الملحوظ في معدلات الدعم المالي العربي والعالمي المقدّم للشعب الفلسطيني. ويعود السبب في ذلك إلى ازدياد حاجات شعوب أخرى في المنطقة، والتي في بعض الأحيان لا تقل جسامة عن الحاجات الفلسطينية. ولا أدل على ذلك من أرقام تقرير البنك الدولي الأخير المقدّم لمؤتمر المانحين الذي عُقد الصيف الماضي، والذي أوضح أن مساعدات الدول المانحة للفلسطينيين تراجعت في ذلك العام بنسبة 50% مقارنةً مع العام الذي سبقه، علماً بأن الأرقام شملت المساعدات العربية وغير العربية.2

والمظهر الثالث لتراجع المساندة العربية لفلسطين يتعلق بالوضع السياسي الفلسطيني الداخلي، فالانقسامات والتشرذم الحاصل في العلاقات العربية- العربية، يعكس نفسه، ويشكل امتدادات له في السياسة الداخلية الفلسطينية، علماً بأن هذه الأخيرة لم تكن تتأثر سابقاً بشكل ملحوظ بالانقسامات الإقليمية. إذ لا يخفى أن الانقسام بين ما يسمى "محور المقاومة"، في حينه، والمكوّن من سورية وحزب الله وغيرهما، مدعوماً من إيران، والذي دعم وشجع حركة حماس، وبين المحور الآخر المسمى "محور الاعتدال"، الذي حافظ على علاقاته مع قيادة منظمة التحرير وفتح، قد لعب دوراً في تأجيج الخلافات الداخلية الفلسطينية.

ومن ناحية أخرى، أثّر الصراع الفلسطيني الداخلي تأثيراً كبيراً على سلوك مصر تجاه القضية الفلسطينية. وقد يُعزى ذلك إلى واقع أن حماس كانت مقرّبة من جماعة الإخوان المسلمين في مصر، والتي يعارضها النظام المصري الراهن بشدّة. أدّى هذا العداء إلى تراجع دور مصر التقليدي في رعاية جهود المصالحة الداخلية والمساهمة في معالجة الانقسامات السياسية الداخلية الفلسطينية.

وفي حين انحسر الاهتمام الإقليمي بالقضية الفلسطينية، تغيّرت تصورات إسرائيل أيضا. فقد سعت الدول الكبرى دائماً إلى الحفاظ على توازن في علاقاتها مع طرفي النزاع الإسرائيلي-الفلسطيني. لكن الأحداث التي بدأت قبل خمس سنوات في المنطقة العربية، بما فيها انهيار الأمن الإقليمي بسبب الحروب الأهلية التي أعقبت الانتفاضات الديمقراطية في عدة دول، ضاعفت أهمية إسرائيل الاستراتيجية بالنسبة إلى الأطراف الخارجية. وهذا صحيح أيضاً في حالة الولايات المتحدة والدول الأوروبية، التي تعتبر إسرائيل الأكثر استقراراً من بين حلفاءها في منطقة الشرق الأوسط. وعلى الرغم من أنها لا ترتاح لبعض سياساتها، مثل الاستيطان، أحجمت عن ممارسة أي ضغوطات على إسرائيل لجهة أهميتها في فترات الاضطرابات الإقليمية.

ويصبح اعتماد الدول الغربية على إسرائيل أكبر على ضوء شعورها بجسامة الهم الأمني عالمياً، وحاجتها إلى حلفاء في مواجهة الإرهاب العالمي، وكذلك على ضوء نجاحها في تسويق نفسها باعتبارها الأكثر خبرة في مجال محاربة الإرهاب. وقد أدى هذا الواقع الجديد إلى تغير ملحوظ في الاستراتيجية الإسرائيلية من خلال مقاربة جديدة تبناها نتنياهو في السنوات الأخيرة تقوم على تهميش البعد الفلسطيني في الصراع استناداً إلى الواقع الاستراتيجي الجديد الناتج عن الصراعات الدائرة في المنطقة. وربما يكون خطاب نتنياهو في الأمم المتحدة في أيلول/سبتمبر من العام 2012، مثّل انطلاقة هذه المقاربة، حيث ركّز في جل خطابه على الخطر الإيراني، وتجاهل الفلسطينيين إلى حدّ بعيد.3 وقد استغل رئيس الوزراء الإسرائيلي خوف دول المنطقة من إيران من أجل السعي إلى تحقيق الأهداف السياسية لإسرائيل.

والأهم من ذلك هو أن مقاربة نتنياهو الجديدة تنتقل من اعتبار أن السلام مع الفلسطينيين هو المدخل للسلام والتطبيع مع الدول العربية. بل على العكس، هو يرى أن السلام مع الفلسطينيين مستحيل إلا عن طريق فتح علاقات إسرائيلية- عربية، بناءً على تصوّر "لـلخطر الإيراني المشترك".4 أُطلق على هذه المقاربة الإسرائيلية الجديدة تسمية "المسار الإقليمي"، التي تناقش حولها الأميركيون والإسرائيليون خلال الأشهر القليلة الماضية، كبديل عن مسار المفاوضات الثنائية.5 وعلى الرغم من عدم وجود دلائل على أي تجاوب إقليمي مع هذه التوجهات، إلا أنها تعطي اليمين الإسرائيلي حيزاً للمناورة التكتيكية على الأقل.

في الخلاصة، فإن تأثير الصراعات الضارية الجارية في المنطقة العربية على القضية الفلسطينية، سيكون مرهوناً بنهاياتها التي يصعب التنبؤ بها. لكن استناداً إلى مجرياتها حتى الآن، ستمنح إسرائيل منافذ للتهرّب من استحقاقات عملية السلام والقانون الدولي. كما توفّر لها أيضاً غطاءً لتسريع إحكام سيطرتها على باقي فلسطين التاريخية، الأمر الذي قد ينقل الصراع إلى مألاتٍ جديدة قد يكون لها ضحيتان: التيار الفلسطيني المعتدل، وفرصة حل الدولتين.

غسان الخطيب مؤسس مركز القدس للإعلام والاتصال، ووزير سابق في حكومة السلطة الفلسطينية، ومحاضر في جامعة بيرزيت.

هوامش

1 “Egypt: Trump Convinced Sisi to Withdraw UN Resolution,” Al Jazeera, December 23, 2016, http://www.aljazeera.com/news/2016/12/egypt-trump-sisi-resolution-israel-settlements-161223064418355.html.

2 أحمد ملحم، " تراجع المساعدات الدوليّة للسلطة الفلسطينيّة 70 في المئة"، المونيتور، 18 أيلول 2016، http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/09/palestine-budget-international-financial-aid-decline.html#ixzz4oVi9qeYA.

3 Jeffrey Heller, “Netanyahu Draws “Red Line” on Iran’s Nuclear Program,” Reuters, September 27, 2012, http://www.reuters.com/article/us-un-assembly-israel-iran-idUSBRE88Q0GI20120928.

4 Chris McGreal, “Netanyahu Predicts Arab Countries Will Align With Israel Against Iran and ISIS,” Guardian, October 1, 2015, https://www.theguardian.com/world/2015/oct/01/netanyahu-israel-isis-iran-nuclear-deal-palestine-middle-east.

5 Peter Baker and Mark Landler, “Trump May Turn to Arab Allies for Help With Israeli-Palestinian Relations,” New York Times, February 9, 2017, https://www.nytimes.com/2017/02/09/world/middleeast/trump-arabs-palestinians-israel.html.

هوامش

1 مع أن مصطلح’ السلطة الفلسطينية‘ يستخدم في العادة للإشارة إلى الضفة الغربية فقط التي تتولى الحكم فيها حكومة تتزعمها ’ فتح‘، فإن الأدق، من الناحية البيروقراطية الإدارية، هو القول بأن هناك سلطتين فلسطينيتين منفصلتين: إحداهما في الضفة الغربية، والثانية في غزة. وتعتبر كل منهما نفسها السلطة الشرعية.

2 حزمة بيانات خاصة تعتمد على بيانات باللغة العبرية في المكتب المركزي للإحصاء في إسرائيل. انظر كذلك: B’tselem, “Settlements Population, XLS,” http://www.btselem.org/download/settlement_population.xls ويُقدر العدد الكلي للمستوطنات بنحو600,000.

3 لم يجب كلٌّ من الأشخاص المُستطلعة آراؤهم على جميع الأسئلة المطروحة، لذا اختلف عدد الإجابات بين سؤال وآخر.

4 في إحدى الجلسات الخاصة لمجلس الأمن في جنيف في كانون الأول/ديسمبر 1988، "دان" ياسر عرفات الإرهاب بجميع أشكاله، ولكنه لم "يتبرأ" منه. William Quandt, Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict Since 1967 (University of California Press, 2005), 284. Mamdouh Nofal, “Yasir Arafat, the Political Player: A Mixed Legacy,” Journal of Palestinian Studies, Vol. XXXV, No. 2 (Winter 2006), 23-37.

5 انظر William Quandt, Peace Process: American Diplomacy and the Arab-Israeli Conflict Since 1967 (University of California Press, 2005).

6 Rashid Khalidi, The Iron Cage: The Story of the Palestinian Struggle for Statehood (Boston: Beacon Press, 2006), 168.

7 Nathan Thrall, “Israel & the US: The Delusions of Our Diplomacy,” New York Review of Books,October 9, 2014, http://www.nybooks.com/articles/2014/10/09/israel-us-delusions-our-diplomacy/.

8 “Diplomatic Relations,” Permanent Observer Mission of the State of Palestine to the United Nations, http://palestineun.org/about-palestine/diplomatic-relations/; “Palestine’s Accession to International Treaties Q&A,” Negotiations Affairs Department, Palestine Liberation Organization, April 2, 2014, https://www.nad.ps/en/publication-resources/faqs/palestine%E2%80%99s-accession-international-treaties-qa.

9 Charmaine Seitz, “Tracking Palestinian Public Support Over 20 Years of the Oslo Agreements,” Jerusalem Media and Communication Center, January 27, 2014, http://www.jmcc.org/documents/Oslo_polls_booklet_112013_FINAL.pdf.

10 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رقم (62)، 28 كانون الأول/ديسمبر 2016، https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-62-Full%20Arabic.pdf; Jerusalem Media and Communication Centre, “Poll No. 88: Youth Poll on Politics, Education & the Future,” October 9, 2016, http://www.jmcc.org/documents/88_Youth_Sept_2016_English_w_charts.docx; مركز العالم العربي للبحوث والتنمية، "نتائج استطلاع الكتروني،" 3 كانون الثاني/يناير 2017، http://www.awrad.org/files/media/Fatah%20Congress%20arabic%20PR%203-1-2017.pdf.

11 Tom Segev, One Palestine, Complete: Jews and Arabs Under the British Mandate, trans. Haim Watzman (New York: Picador, 2000), 408–11.

12 Mark Tessler, A History of the Israeli-Palestinian Conflict (Indiana University Press, 2009), vii.

13 Jerusalem Media and Communication Centre, “Poll No. 89: Gender, Equality and Politics,” March 1, 2017, http://www.jmcc.org/documentsandmaps.aspx?id=874؛ "نتائج استطلاع الرأي العام الفلسطيني" الأولويات الفلسطينية، وضع السلطة الفلسطينية، نائب الرئيس، الانتخابات المحلية والانتخابات الأميركية"، مركز العالم العربي للبحوث والتنمية،31 تشرين الأول/أكتوبر 2016، http://www.awrad.org/files/media/arabic%20press%20release%2031%20October.pdf.

14 مقابلات في رام الله ونابلس، كانون الأول/ديسمبر 2015، وعمان شباط/فبراير 2017، وكذلك اتصالات غير رسمية. انظر كذلك استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رقم (58)، 14 كانون الأول/ديسمبر 2015، http://www.pcpsr.org/sites/default/files/p58%20full%20Arabic.pdf.

15 مناقشة مع مراقب أجنبي للسياسة الفلسطينية لفترة طويلة، جامعة بيرزيت، الضفة الغربية، 2017.

16 مناقشات ندوة عمان، شباط/فبراير 2017.

17 دولة فلسطين، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، كانون الأول/ ديسمبر2015، http://www.pcbs.gov.ps/Downloads/book2176.pdf.

18 Nathan Thrall, The Only Language They Understand: Forcing Compromise in Israel and Palestine (New York: Metropolitan Books, 2017), 255–56. قدّر ثرال بأن عدد اليهود في إسرائيل وفلسطين بلغ 5.93 ملايين نسمة وأن عدد غير اليهود (ليس كلهم فلسطينيين) بلغ 5.95 ملايين نسمة، بدءاً من منتصف العام 2012.

19 البنك الدولي، "معدل الخصوبة، الإجمالي (عدد الولادات لكل امرأة): إسرائيل والضفة الغربية وقطاع غزة"، 2015، https://data.albankaldawli.org/indicator/SP.DYN.TFRT.IN?locations=IL-PS.

20 Scott Wilson, “Netanyahu Resigns in Protest of Pullout,” Washington Post, August 8, 2005, http://www.washingtonpost.com/wp-dyn/content/article/2005/08/07/AR2005080700308.html.

21 مناقشات ندوة عمان، شباط/فبراير 2017.

22 أخذ بعض الزعماء الإسرائيليين يروّجون لفكرة مفادها أنه، في ظل انهيار دول عربية مثل سوريا، واليمن، وليبيا والعراق، فإنه يجدر التفكير بمفاهيم محدودة وضيقة للسيادة الفلسطينية. مناقشات مع أحد أعضاء الحكومة الإسرائيلية، نيسان/ أبريل 2017.

23 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رقم (62)، 28 كانون الأول/ديسمبر2016، https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-62-Full%20Arabic.pdf.

24 Wendy Pearlman, Violence, Nonviolence, and the Palestinian National Movement (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 2011).

25 على سبيل المثال، يبين استطلاع للرأي عام 2016 أن 58 بالمائة من الفلسطينيين في الضفة الغربية وغزة أن "حركة مقاطعة إسرائيل" كان له أثر إيجابي، بينما رأى 14 بالمائة فقط أن له أثرا سلبيا؛ مركز العالم العربي للبحوث والتنمية، "نتائج استطلاع الكتروني مع القطاع الخاص الفلسطيني"، 8 حزيران/يونيو 2016، http://www.awrad.org/files/media/Private%20sector%20Arabic%20press%20release%20%20June%202016.pdf.

26 مقابلة مع خبير اقتصادي فلسطيني، رام الله، كانون الأول/ديسمبر 2015.

27 بناء على حسابات المؤلف التي تستخدم بيانات بتسليم، أن 958 اسرائيليا قد قتلوا على يد الفلسطينيين، بينما استشهد 3250 فلسطينيا بيد الإسرائيليين في الفترة بين 28 أيلول/سبتمبر عام 2000 (عندما قام رئيس الوزراء آرييل شارون بزيارة جبل المكبر) و8 شباط/فبراير 2005 (عندما أعلن شارون وعباس وقف إطلاق النار) انظر: B’tselem, “Fatalities Before Operation ‘Cast Lead,’” http://www.btselem.org/statistics/fatalities/before-cast-lead/by-date-of-event.

28 مقابلات في رام الله كانون الأول/ ديسمبر 2015، ونتائج مسح كارنيغي.

29 Daoud Kuttab, “At Mandela Funeral, Abbas Says He Opposes Boycott of Israel,” Al-Monitor, December 13, 2013, http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2013/12/abbas-attacks-bds.html. ؛ غير أن كبار المسؤولين الإسرائيليين اتهموا عباس بإثارة القلاقل. Jerusalem Post, “Steinitz: Abbas’ Anti-Jewish Incitement Reaches Hitler’s Level,” October 19, 2015.

30 بين استطلاع أخير للرأي أن 37 بالمائة يعتقدون إن المقاومة المسلحة هي وحدها الأسلوب الفعال (بالمقارنة مع 33 بالمائة ذكروا المفاوضات و24 بالمائة ذكروا المقاومة غير العنيفة)، وأن 53 بالمائة سيؤيدون العودة إلى الانتفاضة المسلحة في غياب المفاوضات لإقامة دولتين. استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رقم (62)، 15 كانون الأول/ ديسمبر 2016، https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-62-Full%20Arabic.pdf؛ وأفاد استطلاع آخر أن المقاومة المسلحة هي الأسلوب الأفضل لتامين قيام دولة فلسطينية (مقابل 38 بالمائة ذكروا المفاوضات و25 بالمائة اشاروا إلى المقاومة غير العنيفة). Jerusalem Media and Communication Centre “Poll No. 89: Gender, Equality and Politics,” March 1, 2017, http://www.jmcc.org/documents/89_February_2017_english.doc.

31 “Israeli Police Storm Al-Aqsa Mosque for a Third Day,” Al Jazeera, September 15, 2015, http://www.aljazeera.com/news/2015/09/clashes-rock-jerusalem-al-aqsa-mosque-compound-150915052506420.html.

32 Chloe Benoist, “Death in Numbers: A Year of Violence in the Occupied Palestinian Territory and Israel,” Ma’an News Agency, October 4, 2016, http://www.maannews.com/Content.aspx?id=773407.

33 Isabel Kershner, “Palestinians Stabbing Less but Shooting More, as Israel Cracks Down,” New York Times, July 8, 2016, https://www.nytimes.com/2016/07/09/world/middleeast/palestinians-stabbing-less-but-shooting-more-as-israel-cracks-down.html?_r=0.

34 Khaled Abu Toameh, “Palestinians Have Not Abandoned Armed Struggle,” Jerusalem Post, October 8, 2012, http://www.jpost.com/Middle-East/Palestinians-have-not-abandoned-armed-struggle.

35 مقابلة، رام الله، حزيران/يونيو 2011.

36 Grant Rumley, “New Blood for Fatah and Hamas,” Foreign Affairs, March 9, 2017, https://www.foreignaffairs.com/articles/palestinian-authority/2017-03-09/new-blood-fatah-and-hamas; Ben Caspit, “Why Some in Israel Are Wary of Hamas’ New Gaza Boss,” Al-Monitor, February 15, 2017, http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2017/02/israel-gaza-new-hamas-leader-yahya-sinwar-security.html.

37 وفقا لبيانات مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي كان في الضفة الغربية 382916 مستوطنا في كانون الأول/ديسمبر عام 2015، و 205220 مستوطنا في كانون الأول/ديسمبر عام 2014. B’tselem, “Statistics on Settlements and Settler Population,” May 11, 2017, http://www.btselem.org/settlements/statistics.

38 “Overview of Access of Palestinians from Gaza in 2016,” United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, February 10, 2017, https://www.ochaopt.org/content/overview-access-palestinians-gaza-2016.

39 منذ عام 2001، أغلقت إسرائيل أكثر من عشرين مؤسسة ثقافية وجمعية غير حكومية فلسطينية في القدس الشرقية، بما فيها "بيت الشرق" (الذي كان مقرا لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس)، وغرفة التجارة والصناعة العربية .Najat Hirbawi and David Helfand, “Palestinian Institutions in Jerusalem,” The Palestine-Israel Journal, Vol.17 No.12, 2011, http://www.pij.org/details.php?id=1306.

40 مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي، الجدول 2.1 "السكان، على اساس الفئات السكانية"، Statistical Abstract of Israel 2016, March 2017, http://www.cbs.gov.il/reader/?MIval=%2Fshnaton%2Fshnatone_new.htm&CYear=2016&Vol=67&CSubject=2&sa=Continue, http://www.cbs.gov.il/shnaton67/download/st02_01.xls. ؛ تجدر الإشارة إلى أن الفلسطينيين في إسرائيل يشار إليهم في العادة بأنهم عرب إسرائيليون. غير أن ممثلي الجالية العربية طلبوا أثناء المناقشات مع موظفي كارنيغي أن يشار إليهم بوصفهم فلسطينيين.

41 "الفلسطينيين في نهاية عام 2015"، الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني، 30 كانون الأول/ ديسمبر2015 http://www.pcbs.gov.ps/postar.aspx?lang=ar&ItemID=1567؛ رسميا، هناك ما يقرب من 2.2 مليون من اللاجئين والأشخاص الآخرين المسجلين في الأردن، و 500000 في لبنان، و630000 في سوريا، غير أن هذه الأرقام فيها نظر، ولا سيما بالنسبة لسوريا. وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى، " الأونروا بالارقام 2017"، 1 كانون الثاني/يناير 2016، https://www.unrwa.org/sites/default/files/content/resources/unrwa_in_figures_2017_arabic.pdf.

42 Jonathan Steele, “How Yarmouk Refugee Camp Became the Worst Place in Syria,” Guardian, March 5, 2015, https://www.theguardian.com/news/2015/mar/05/how-yarmouk-refugee-camp-became-worst-place-syria; “The Crisis in Yarmouk Camp,” United Nations Relief and Works Agency for Palestine Refugees in the Near East, https://www.unrwa.org/crisis-in-yarmouk.

43 مناقشات ندوة عمان، شباط/فبراير 2017.

44 United Nations General Assembly, Resolution 3210, “Invitation to the Palestine Liberation Organization,” October 14, 1974, https://documents-dds-ny.un.org/doc/RESOLUTION/GEN/NR0/738/12/IMG/NR073812.pdf?OpenElement.

45 Clyde Haberman, “P.L.O. and Israel Accept Each Other After 3 Decades of Relentless Strife,” New York Times, September 10, 1993, http://www.nytimes.com/1993/09/10/world/mideast-accord-overview-plo-israel-accept-each-other-after-3-decades-relentless.html?pagewanted=all.

46 مناقشات ندوة عمان، شباط/فبراير 2017 ونتائج مسح كارنيغي.

47 Robert M. Danin, “A Third Way to Palestine: Fayyadism and Its Discontents,” Foreign Affairs, January/February 2011, https://www.foreignaffairs.com/articles/israel/2010-12-16/third-way-palestine.

48 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ، رقم (62)، 28 كانون الأول / ديسمبر 2016 https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-62-Full%20Arabic.pdf. غير أن استطلاعا آخر أظهر 59 بالمائة من الشباب الفلسطينيين يرون أن السلطة الفلسطينية تقوم بعملها بصورة جيدة. Jerusalem Media and Communication Centre, “Poll No. 88: Youth poll on Politics, Education & the Future,” October 9, 2016, http://www.jmcc.org/documentsandmaps.aspx?id=873.

49 مقابلات في القدس ورام الله ونابلس، كانون الأول /ديسمبر 2015.

50 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ، رقم (62)، 28 كانون الأول / ديسمبر 2016 https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-62-Full%20Arabic.pdf.

51 أحمد أبو عامر، "المؤتمر السابع لحركة فتح بين واقع التشظّي ومستقبل الانشطار"، المونيتور، 13 تشرين الثاني/نوفمبر 2016، http://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/11/palestine-fatah-conference-division-abbas-dahlan.html#ixzz4npiuc0B1؛ يزيد صايغ، " مؤتمر فتح: من تحرير الوطن إلى مَأسسة السلطة"، الحياة، 29 كانون الأول/ديسمبر 2016، http://www.alhayat.com/Opinion/Writers/19317543/مؤتمر-«فتح»--من-تحرير-الوطن-إلى-مَأسسة-السلطة.

52 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية ، رقم (62)، 28 كانون الأول / ديسمبر 2016 https://www.pcpsr.org/sites/default/files/Poll-62-Full%20Arabic.pdf.

53 Ali Sawafta and Nidal al-Mughrabi, “Palestinian Fatah Faction Picks Deputy Leader to Mahmoud Abbas,” Reuters, Feb 15, 2017, http://www.reuters.com/article/us-palestinians-abbas-deputy-idUSKBN15U2U6.

54 Gregg Carlstrom, “The Qatar Crisis Is Pushing Hamas Back to Iran,” Atlantic, June 14, 2017, https://www.theatlantic.com/international/archive/2017/06/qatar-crisis-saudi-arabia-hamas-iran-syria-gcc-gaza/530229/.

55 حركة المقاومة الإسلامية (حماس)، "وثيقة المبادئ والسياسات العامة"، 1 أيار/مايو 2017، http://hamas.ps/ar/post/7293/.

56 Ian Fisher, “In Palestinian Power Struggle, Hamas Moderates Talk on Israel,” New York Times, May 1, 2017, https://mobile.nytimes.com/2017/05/01/world/middleeast/hamas-fatah-palestinians-document.html.

57 Joel Greenberg, “Palestinians Rally for Unity in Gaza, West Bank,” Washington Post, March 15, 2011, https://www.washingtonpost.com/world/palestinians-rally-for-unity-in-gaza-west-bank/2011/03/15/AB72yFZ_story.html?utm_term=.293aff0217eb.

58 مناقشات ندوة عمان، شباط/فبراير 2017.

59 المركز الفلسطيني للتنمية والحريات الإعلامية (مدى)، " إنتهاكات الحريات الاعلامية في فلسطين التقرير السنوي 2015"، 2016. بينت "مدى" أن عدد الانتهاكات ضد الحريات الإعلامية في الضفة الغربية و قطاع غزة (من جانب السلطات الإسرائيلي والفلسطيني على السواء) في عام 2015 قد بلغ أعلى مستوياته منذ أن بدأت "مدى" برصد تلك الانتهاكات عام 2008، http://www.madacenter.org/images/text_editor/annualRepA2015-.pdf.

60 مقابلات في رام الله ونابلس، كانون الأول /ديسمبر 2015، وكذلك اتصالات غير رسمية.

61 استطلاع للرأي العام الفلسطيني أجراه المركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية، رقم (58)، 14 كانون الأول / ديسمبر 2015، http://www.pcpsr.org/sites/default/files/p58%20full%20Arabic.pdf.

62 مقابلات في القدس ورام الله ونابلس، كانون الأول /ديسمبر 2015.

63 مقابلات في رام الله ونابلس، كانون الأول /ديسمبر 2015، وفي عمان شباط/فبراير 2017، وكذلك اتصالات غير رسمية.

64 Ruth Eglash, “Israel’s Arab Political Parties Have United for the First Time,” Washington Post, March 10, 2015, https://www.washingtonpost.com/world/middle_east/israels-sparring-arab-political-parties-have-united-for-the-first-time/2015/03/09/6f6c021a-c660-11e4-bea5-b893e7ac3fb3_story.html?utm_term=.8e64159485b3.

65 مناقشات ندوة عمان، شباط/فبراير 2017 ونتائج مسح كارنيغي.

66 مركز العالم العربي للبحوث والتنمية، "نتائج استطلاع الكتروني،" 3 كانون الثاني 2017، http://www.awrad.org/files/media/Fatah%20Congress%20arabic%20PR%203-1-2017.pdf.