يمثّل سقوط حلب، الذي بدا مستحيلاً قبل بضعة أشهر، نصراً ساحقاً للقوات الموالية لنظام الرئيس السوري بشار الأسد. لكن السؤال الملّح الآن هو إلى أين ستتّجه هذه القوات: شرقاً كي تُواجه تنظيم الدولة الإسلامية، أم غرباً وجنوباً لدحر معاقل المعارضة في مقاطعة إدلب وحول مدينة درعا؟

بدا في أواسط كانون الأول/ديسمبر أن تنظيم الدولة الإسلامية ردّ على هذا االسؤال، عبر إعادة انتزاعه المُثيرة والمُفاجئة لتدمر من أيدي قوات النظام، واندفاعه السريع نحو القاعدة العسكرية الاستراتيجية تي-4 شرق حمص. بيد أن النظام لطالما منح الأولوية لألحاق الهزيمة بالمعارضة في الأجزاء الغربية من سورية، بدلاً من مقارعة الدولة الإسلامية. ولذلك يُرجّح الآن أن يواصل النظام هذا المنحى إلى أن يحقق هذا الهدف. وهذا في الواقع ليس أمراً مفاجئا. بيد أن معارضي النظام، سواء السوريين أو في الخارج، لازالوا غير مستعدين لمواجهة ماهو آتٍ.

لاسبب للتحرّك نحو الرقة الآن

يكشف سقوط تدمر في أيدي الدولة الإسلامية للمرة الثانية منذ أيار/مايو 2015، على رغم القصف  العنيف، عن عحز النظام عن الاضطلاع بعمليات عسكرية كبرى على جبهات عدة في آن. ففي غياب المستشارين الروس والدعم الجوي، أو صلابة مقاتلي حزب الله، لايزال الجيش السوري عاجزاً عن تعويض النقص في القوة البشرية، ويعاني من عدم كفاءة هيكلية القيادة والسيطرة،  ومن ضعف ترابط وتلاحم الوحدة العسكرية بسبب انخفاض المعنويات وفقدان الثقة بكبار الضباط. وهذا سبب إضافي يدفع النظام إلى تأجيل تيميم وجهه نحو الرقّة.

أكثر من ذلك: لايُحتمل أن يقوم لا النظام السوري ولا روسيا بزج موارد رئيسة في المعركة لاستعادة الرقة، قبل أن تضمنا حصد مكافآت سياسية مقابل ذلك. فكلا الطرفين يُصِّران على نيل صك الاعتراف من الولايات المتحدة أولاً بصفتهما شريكين على قدم المساواة في الحرب ضد الدولة الاسلامية، ثم أنه ليس من عادتهما أيضاً تقديم الهدايا سلفاً. وعلى أي حال، هذا يجب أن ينتظر اشغال الرئيس المنتخب دونالد ترامب لمنصبه وتفعيل سياسته الخارجية ودوائر الأمن القومي.

في هذه الأثناء، قد يسعى النظام إلى تحسين أوراق اعتماده المناوئة للإسلاميين، من خلال الاندفاع إلى طبقة التي تُسيطر على الطريق إلى الرقّة. النجاح هنا سيدُرّ فائدة مزدودجة: قطع دابر الجيب الكبير للدولة الإسلامية الذي يمتد إلى ضواحي حلب، وتموضُع القوات الحكومية للاندفاع لاحقاً نحو الرقّة.

لكن النظام، وبعد الفشل البائس لمحاولته السابقة الإطباق على الرقة، لن يتوجّه حتى إلى هناك من دون الغطاء الجوي الروسي الذي حُجِبَ في المرة السابقة، بل سيفضّل تعزيز سيطرته على حلب عبر إخراج مقاتلي المعارضة من المناطق الواقعة إلى جنوب المدينة. كما قد يواصل التركيز على الباب، شمالي المدينة، بهدف صرف قوات درع الفرات المعارضة المدعومة تركياً عن دخولها إلى هناك، والحفاظ في الوقت نفسه على خيار استعادة القرى التي يسيطر عليها الدولة الإسلامية إلى الشرق.

لكن، ثمة ماهو أهم هنا. فقوات النظام قد تحاول استعادة السيطرة على الطرق السريعة التي تربط حلب بحماه  واللاذقية في المنطقة الساحلية. صحيح أن معارك مريرة ومديدة تنتظر النظام حينئذ، والتقدّم سيكون تدريجياً، لكن التصعيد الأخير في الغارات الجوية على المراكز المدينية التي تسيطر عليها المعارضة  والمحاذية لأجزاء كبيرة من الطرق السريعة، تشي بأن الاستعدادات لحملة عسكرية جديدة تجري على قدم وساق.  والحال أن إعادة فتح الطرق السريعة أمام حركة المرور المدنية، سيوفّر دليلاً لايُدحض على زعم النظام بأنه يُسيطر على المراكز السكانية في البلاد، وسيحسّن إلى حد كبير قدرته على تحريك التعزيزات العسكرية من خطوط جبهة إلى أخرى، مُحققاً بذلك تعهّد الأسد في أواسط تشرين الأول/أوكتوبر باستخدام حلب كمنصّة وثوبٍ إلى مناطق أخرى.

إذا ما نجح النظام في ذلك، سيكون في غضون ذلك قد قلّص إلى حد كبير المعاقل الباقية للمعارضة في مقاطعة إدلب، وقطّعها إلى جيوب مُبعثرة، وقوّض قدرتها على البقاء. لكن النظام، حتى لو فشل في تحقيق هدفه الرئيس، كان قد نجح أصلاً في حصر المعارضة المسلّحة في إدلب وريف غرب حلب، ماجعلها مُعتمدة أكثر من أي وقت مضى على تركيا للتزوّد بالعتاد واستمرار تدفّق السلع والمساعدات الإنسانية. وحينها، سيعتمد تحرُّك وحدات التمرُّد بين إدلب وبين جيب المعارضة المدعومة تركياً في عزاو وجرابلس، على قرار الإذن التركي أيضا.

هذا القدر من الاعتماد على تركيا يجب أن يُقلق المعارضة. إذ أن هذه الأخيرة  ختمت مصير النصف الشرقي من مدينة حلب، حين سحبت آلاف مقاتلي المعارضة خلال مرحلة حاسمة من محاولات المتمردين رفع الحصار في آب/أغسطس، بهدف استخدامهم بدلاً من ذلك ضد قوات سورية الديمقراطية بقيادة الأكراد في جرابلس. هذا لايعني أن تركيا ستتخلى عن المعارضة في إدلب في أي وقت قريب، والدليل هو جهودها المتّصلة لمنع الخلافات الداخلية من تمزيق حركة أحرار الشام المُتمردة القوية. ومع ذلك، ستتعرّض أنقرة إلى ضغوط روسية مُطّردة لتفعل ذلك، أو على الأقل للحد من مساعدتها للمعارضة تحت ذريعة قطع الدعم عن جبهة فتح الشام(جبهة النصرة سابقا). وبالفعل، قد تقوم تركيا، التي ستُواجه برودة فاقعة في الاهتمام الأميركي بسورية في عهد إدارة ترامب، بالتحوّل إلى نهج شبيه بذلك الذي يطبقه الأردن، أي إحكام قبضتهاعلى حدودها مع سورية.

جمود مُعبّر في جنوب سورية

الجمود في جنوب سورية يحمل دلالات مُعبّرة للغاية. فتحالف الجبهة الجنوبية المعارض كان خامداً كلياً تقريبا، منذ فشل الهجوم الذي رُوِّج له كثيراً لانتزاع السيطرة على كل مدينة درعا من أيدي النظام في صيف 2015. حينها قلّصت السعودية مساعداتها المالية، وضغط مركز العمليات المشتركة، الذي يديره الأردن والولايات المتحدة معا، على المتمردين لوقف تركيزهم على النظام، بهدف مجابهة جيش خالد بن الوليد المرتبط بالدولة الإسلامية في ريف درعا الغربي. لقد نُزِعَت  أنياب الجبهة الجنوبية، لكن  مركز العمليات العسكرية يريد الإبقاء على المعارضة المسلّحة كحاجز لمنع انضمام المتمردين إلى الدولة الإسلامية (أو إلى جبهة فتح الشام)، ولاستخدامها أيضاً كورقة في المفاوضات اللاحقة مع روسيا ونظام الأسد.

بيد أن النظام لديه خططاً أخرى: إنه سينقض على مواقع المعارضة لتقطيعها. وكما لاحظ مؤخراً موقع إلكتروني معارض، اتبّع النظام منذ أواخر العام 2015 استراتيجية واضحة ومميّزة لتعزيز قبضته على الطريق السريع بين دمشق ودرعا، ولتوفير منصة انطلاق لتوسّعه شمال وغرب المدينة. وقد فتحت سيطرته على بلدة الفقيع في كانون الأول/ديسمبر الطريق أمام تقدّمه نحو البلدات الرئيسة التي تسيطر عليها المعارضة وهي إنخل – جاسم – نوى. وقبل ذلك بأيام، كان الناطق باسم الجيش السوري الحر يعلن أن هجوم النظام على المنطقة  حتمي،  محذراَ من أنه "إن لم نحرّك الجبهات، سينتقل النظام من الشمال إلى الجنوب، وسنُواجه مصير اخواننا في حلب نفسه ".

كما سيسعى النظام إلى القشط التدريجي لمناطق سيطرة المعارضة في الجنوب، عبر إغراء أو إجبار مجتمعات محلية أخرى على إبرام هدنات، تتضمن احتفاظ المتمردين بأسلحة خفيفة ومجالس إدارة محلية، بشرط خضوع هذه المجتمعات رسمياً إلى سلطة الحكومة. ولاريب أن هزيمة المعارضة في حلب سيُعزز هذا المنحى. ففيما كانت آخر وحدات المتمردين تُخلي المدينة، إدعى مايُسمى المركز الروسي لمصالحة الأطراف المتنازعة في الجمهورية العربية السورية أن "إجمالي  عدد المناطق المأهولة التي وقّع قادتها اتفاقات مصالحة وصلت إلى 1057". وذُكر أن المركز يتفاوض على اتفاقات مماثلة مع 842 مجتمع محلي آخر.

علاوة على ذلك، قد يسعى النظام إلى السيطرة ثانية على نصيب، وهي نقطة العبور مع الأردن، لاستئناف حركة التجارة التي كانت متواصلة إلى أن سيطرت مجموعات المعارضة على هذه النقطة في نيسان/إبريل 2015، مع ماسبّبه ذلك من ضيق وغم أردنيين. وبالتالي، إعادة فتح نصبين سيُدخل الحبور إلى قلب الحكومتين على طرفي الحدود، ويكرّس سيطرة النظام من الحدود الأردنية إلى حلب. وإذا مانجحت روسيا في التوسّط لإبرام سلسلة تفاهمات جديدة- وإن لم تكُ رسمية- بين النظام وتركيا والأكراد، ستبدأ البضائع والمساعدات الدولية بالتدفق مباشرة من نقطة الحدود في عزاز إلى حلب ومابعدها في العام 2017. والواقع أن وضع ترتيبات حركة مرور آمنة ليس أمراً مستحيلاً كما قد يتبادر لوهلة إلى الذهن: إذ تُقدّر وكالات الغوث الدولية أن بضائع تركية قيمتها مئات ملايين الدولارات وصلت بالفعل إلى مناطق النظام والدولة الإسلامية عبر إدلب الواقعة تحت سيطرة المعارضة في أوائل العام 2016.

لقد دشّن انتصار النظام في حلب مرحلة معقّدة من التموضع السياسي والعسكري بين مختلف الأفرقاء في النزاع السوري. بيد أن صفقة السلام لاتظهر بوادرها بعد في الأفق، على رغم أن الرئيس الروسي بوتين أعلن في 15 كانون الأول/ديسمبر أنه يعمل مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان لعقد جولة جديدة من محادثات السلام للتوصل إلى هدنة شامل في سورية، ولإطلاق دورة أخرى من محادثات السلام بين الحكومة والمعارضة السوريتين. وفي هذه الأثناء، تدّعي مصادر المعارضة أن ضباطاً روسيين اجتمعوا سراً بممثيلن عن المعارضة المسلحة في اسطنبول، وهو الأمر الذي قال بوتين أنه ساعد على ابرام صفقة خروج المُتمردين من حلب.

صحيح أن المعارضة السورية كانت في حالة انحدار منذ أمد طويل، إلا أن سقوط حلب سيفاقم هذا المنحى وسيُظهّر أكثر الانشطارات الداخلية في صفوفها، كما تشي بذلك التوترات التي تترى الآن في حركة أحرار الشام.

وكان الرئيس السابق للإئتلاف الوطني السوري أحمد الجربا، ألقى أضواء كاشفة إضافية على التباينات السياسية الخطيرة في صفوف المعارضة في 10 أيلول/سبتمبر، حين كرر تأكيد الأسد منذ أمد بأنه "لن يكون هناك حل في سورية، إلا من خلال حوار سوري – سوري"، وإن "تحت مظلة الأمم المتحدة".

على أي حال، سواء كان التزام روسيا بتحقيق ولو النزر اليسير من المشاركة في السلطة في سورية حقيقي أم لا، وأيضاً مهما كانت السياسة التي تنوي إدارة ترامب ممتارسته في سورية، لن يستكين النظام السوري   مُنتظراً حصد مكاسب سياسية قد تأتي في غضون الأشهر المقبلة.  فعلى رغم أن جيشه مُثقل بعيوب مُوهنة، إلا أن حفل تخريج نحو 2400 ضابط جديد في 14 تشرين الأول/أوكتوبر يُظهر أنه يُواصل زيادة جهوده العسكرية. وقد إدعى الصحافي والكاتب الخبير ابراهيم حميدي، في مقال نشره في أيار/مايو الماضي، أن النظام يتوقّع نصراً ماحقاً في غضون سنتين. وهذا الاحتمال، في ظل المعطيات الراهنة، لم يعد غلوّاً أو مُبالغة.