ابراهيم حميدي محرّر دبلوماسي رفيع المستوى يغطّي الشؤون السورية في صحيفة الشرق الأوسط في لندن. كان لفترة طويلة مدير مكتب صحيفة الحياة في دمشق، قبل أن يغادر سورية إبان اندلاع الانتفاضة في العام 2011. في رصيده خبرة كبيرة في الشؤون السورية، وكان أول من نقل عدداً من الأخبار البالغة أهمية عن النزاع الدائر في البلاد.

أجرت "ديوان" في مطلع تموز/يوليو الجاري مقابلة مع حميدي لفتح النقاش حول التوتر الدائر في سورية من أجل السيطرة على حدود البلاد، ولاسيما تصاعد النزعة الإقليمية للصراع، مادفع به إلى وصف الحرب بأنها "لم تعد حرباً بالوكالة، بل أصبحت حرباً مباشرة بين قوى إقليمية ودولية على الأراضي السورية".

مايكل يونغ: جرى مؤخراً التوصل إلى تفاهم بين الولايات المتحدة وروسيا والأردن لإنشاء منطقة آمنة في جنوب سورية، على مقربة من الحدود مع الأردن. وهذا ما أكّدته الولايات المتحدة وروسيا في قمة مجموعة العشرين الأسبوع الماضي. كتبتم مؤخراً مقالاً سلّطتم فيه الضوء على أنه تم إقصاء إيران، التي تملك ميليشيات حليفة في المنطقة، من التفاهم. أين أصبح التفاهم الآن، وماهي احتمالات تطبيقه على ضوء المعارضة الإيرانية له؟

ابراهيم حميدي: كل من التقى مسؤولين من إدارة ترامب كوّن انطباعاً بأن أولوية واشنطن في سورية هي محاربة الدولة الإسلامية والحد من النفوذ الإيراني. عندما استُخدِمت أسلحة كيميائية في خان شيخون في محافظة إدلب في نيسان/أبريل الماضي، أشارت الإدارة الأميركية إلى أن النظام السوري يتحمّل مسؤولية ذلك، مشدّدةً على أنها لن تعمل أبداً مع الرئيس السوري بشار الأسد. كذلك، حدّد بيان صادر عن وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون في الخامس من تموز/يوليو، الأهداف التي يتوخّاها ترامب في سورية بشكلٍ واضح جدّاً: "أولاً، ينبغي على الأفرقاء في سورية بسط الاستقرار على الأرض... ثانياً، على الأفرقاء اتّباع عملية سياسية للتوصل إلى تسوية تسمح للشعب السوري بالمضي قدماً. أخيراً، تضطلع روسيا بمسؤولية خاصة في المساعدة على تحقيق هذه الجهود". وقد ناشد تيلرسون جميع الأطراف، "بما في ذلك الحكومة السورية وحلفاءها، وقوى المعارضة السورية، وقوات التحالف التي تخوض المعركة لإلحاق الهزيمة بـ[الدولة الإسلامية]، تجنُّب الدخول في نزاعات في مابينها، والتقيّد ببروتوكولات وقف التصعيد وبالحدود الجغرافية المتّفق عليها لخفض التوتر العسكري".

وقد أبلغت واشنطن الروس بأنها ليست معنيّة باتفاق الأستانة حول إنشاء مناطق خفض التوتر في سورية، أو حتى بعملية جنيف حول المسألة السورية. وشدّدت على أن الهمّ الأميركي هو عسكري محض – السيطرة على الأراضي الواقعة شرق سورية والتعاون مع قوات سورية الديمقراطية لطرد الدولة الإسلامية من الرقة، ومع الجيش السوري الحر لتحقيق الأمر نفسه في جنوب البلاد.

كانت واشنطن مقتنعة على مايبدو بأن بإمكانها بلوغ هدفَيها – إلحاق الهزيمة بالدولة الإسلامية والحد من النفوذ الإيراني – عن طريق السيطرة العسكرية على جنوب سورية وشرقها. هنا اقترحت موسكو التعاون مع الولايات المتحدة في جنوب سورية لإنشاء منطقة خفض التوتر هناك، ولاسيما أن الرئيس دونالد ترامب أبدى أيضاً اهتمامه بإنشاء "مناطق آمنة" في ذلك الجزء من البلاد، بهدف الحد من مشكلة اللاجئين ومحاربة الإرهاب. وقد استُتبِع ذلك بمحادثات بين المسؤولين الروس والأميركيين في العاصمة الأردنية عمّان، وكان من الشروط التي وضعتها واشنطن للتعاون تراجع إيران والحرس الثوري وحزب الله، حتى مسافة 30 إلى 50 كيلومتراً من الحدود الأردنية-السورية والإسرائيلية-السورية.

أنشأ الأميركيون قاعدة عسكرية في التنف، على مقربة من تقاطع الحدود السورية والعراقية والأردنية، ما أثار غضب الإيرانيين ودفعهم إلى زيادة الضغوط على الولايات المتحدة وروسيا على السواء عبر إرسال مزيد من الميليشيات الموالية لهم إلى محافظة درعا في جنوب سورية. لابل أكثر من ذلك، توجّهت الميليشيات المدعومة من إيران إلى ريف القنيطرة، وهي البلدة الأساسية في مرتفعات الجولان، وبدأت القتال على مسافة ثلاثة كيلومترات من خط وقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل.

يونغ: منعت الولايات المتحدة قوات النظام السوري والميليشيات الشيعية المتحالفة معها من التقدّم باتجاه المواقع الأميركية في التنف في أيار/مايو الماضي. غير أن ذلك لم يحل دون وصول الميليشيات الموالية لإيران إلى الحدود مع العراق. هل تعتقدون أن هذه الواقعة كشفت عن رغبة أميركية في منع نشوء رابط برّي بين العراق وسورية، أم أنها كانت مجرد جهود محدودة من الولايات المتحدة للدفاع عن جنودها وحلفائها في التنف وحولها؟

حميدي: أمرت إيران ميليشياتها بالتقدّم عبر الالتفاف حول القاعدة الأميركية في التنف، والارتباط مع قوات النظام السوري شمال القاعدة، نحو البوكمال، في حين فعلت وحدات حماية الشعب المدعومة من إيران في العراق الشيء نفسه في الموصل للارتباط مع الجيش العراقي. هنا بدأت روسيا بأداء دور الوسيط بين إيران والولايات المتحدة، وأنشأت قاعدة جديدة لها شرق دمشق. عندما قصفت الولايات المتحدة الميليشيات الموالية لإيران في الصحراء في أيار/مايو الماضي، عملت موسكو على التوصل إلى اتفاق بين واشنطن وطهران رسمَ تحديداً مناطق النفوذ التابعة لكل منهما. تبعاً للاتفاق، انسحبت الولايات المتحدة من قاعدة الزقف شمال التنف، وتجاوبت إيران مع هذه الخطوة عبر تفكيك بعض نقاط التفتيش العسكرية التابعة لها في محيط البلدة الحدودية، حتى مسافة 55 كيلومتراً. فكانت هذه المقايضة الفعلية الأولى للأراضي، أو الاتفاق الفعلي الأول بين الأميركيين والإيرانيين في سورية، والذي جرى التوصل إليه عن طريق وساطة روسية مباشرة.

يونغ: قال أمين عام حزب الله، حسن نصرالله، في خطاب ألقاه مؤخراً، إنه في حال اندلاع حرب مع إسرائيل في المستقبل، قد ينضم مقاتلون من إيران والعراق وبلدان أخرى إلى المعركة. ألا يحمل هذا الكلام إقراراً بأن إيران تسعى إلى إقامة رابط برّي بينها وبين لبنان، وفي هذه الحالة، ماهو المنحى الذي ستسلكه الأمور في ظل رفض الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل نشر قوات موالية لإيران على مقربة من مرتفعات الجولان الخاضعة إلى الاحتلال الإسرائيلي؟

حميدي: أوافقك الرأي. من الواضح أن إيران تريد الحفاظ على شريان الحياة الذي تؤمّنه لحزب الله، عن طريق العراق وسورية. هناك ثلاثة شرايين حيوية لحزب الله: الأول يمر عبر طريق دمشق-بغداد، والثاني عبر مطار دمشق الدولي، والثالث عبر ميناء طرطوس الذي يُستخدَم لنقل الأسلحة الإيرانية إلى الحزب.

يعتقد البعض في الغرب أن إيران ستقبل بالتخلّي عن طريق دمشق-بغداد وعن وجودها في الجولان مقابل الموافقة على منحها منطقة نفوذ تمتدّ من دمشق إلى الحدود السورية-اللبنانية. تشي تصريحات حسن نصرالله الأخيرة باستعدادٍ للموافقة مبدئياً على مقايضات الأراضي، مقابل حصول إيران على مناطق النفوذ المنشودة، على أمل أن يضمن ذلك لحزب الله حضوراً سياسياً وجغرافياً في سورية في المستقبل.

يونغ: هل ستسعى الولايات المتحدة إلى استخدام قواتها وحلفائها في التنف لطرد الدولة الإسلامية من دير الزور والبوكمال والميادين؟ أم أنه طرح غير واقعي؟

حميدي: يدور سباق للسيطرة على عاصمة الدولة الإسلامية، الرقة، بين التحالف بقيادة الولايات المتحدة ومعه قوات سورية الديمقراطية من جهة، وقوات النظام السوري والروس من جهة ثانية. هذه المدينة القديمة على ضفاف نهر الفرات هي بمثابة الجوهرة في تاج الحرب على الإرهاب، والتي يحاول كل فريق أن يستحوذ عليها لنفسه.

في الوقت الراهن، التحالف وقوات سورية الديمقراطية في موقع متقدّم بعدما استولت القوات المدعومة من الولايات المتحدة على مدينة الطبقة المجاورة وقاعدتها العسكرية، وتستعد الآن للتقدّم باتجاه مدينة دير الزور الغنية بالنفط على ضفاف نهر الفرات. لقد أنشأت الولايات المتحدة قاعدتَي التنف والزقف العسكريتَين لهذا الغرض، وهي تفكّر على الأرجح في إنشاء قاعدة جديدة في الشدادي في ريف الحسكة، شرق نهر الفرات، كما تأمل بشن هجوم على دير الزور بمساعدة قوات سورية الديمقراطية والجيش السوري الحر بعد السيطرة على الرقة. في غضون ذلك، تسعى قوات النظام السوري، المدعومة من إيران وروسيا، إلى تحقيق نصر مماثل في دير الزور. قد تنشأ مقايضة بين جميع الأفرقاء يُسمَح بموجبها للولايات المتحدة بالسيطرة على الرقة مقابل السماح للروس بالسيطرة على دير الزور – إنما من دون تدخّل القوات الموالية لإيران.

يونغ: إذا أردتم المقارنة بين النفوذ الإيراني والنفوذ الروسي في سورية، أيٌّ من البلدَين يمارس التأثير الأكبر؟

حميدي: يملك الروس راهناً ثلاث قواعد عسكرية في سورية – في طرطوس واللاذقية، والآن في الريف حول دمشق. ولديهم أيضاً شرطة عسكرية متمركزة في حلب، فضلاً عن مستشارين وخبراء يعملون مع النظام في مقر الحكومة في العاصمة السورية. ولدى إيران ميليشيات منتشرة في مختلف أنحاء البلاد، وقد نجحت في إنشاء "نظام ظل" في سورية. في الوقت الراهن، يعتمد الإيرانيون على الروس والعكس. وموسكو غير مستعدّة لإرسال مزيد من الجنود إلى ساحة المعركة طالما أن إيران تقوم بالمهمة. وحتى عندما أقدمت على ذلك في حلب، أحضرت الجنود من الشيشان وليس من الأراضي الروسية تحديداً. سوف تلجأ إلى موارد أخرى في المستقبل، فقد تستقدم جنوداً من كازاخستان وقرغيزستان. غير أن الروس حاولوا، أكثر من مرة، أن ينأوا بأنفسهم عن إيران، لكن القول أسهل من الفعل.

كان من الأسباب التي دفعت بالولايات المتحدة إلى اقتراح إنشاء "منطقة آمنة" في جنوب سورية اختبار مدى استعداد روسيا وقدرتها على النأي بالنفس عن إيران. مما لاشك فيه أنه كلما طال أمد المعارك، كلما اكتسبت إيران نفوذاً متزايداً. فهذه الأخيرة متجذّرة بقوة في ساحة القتال السورية إلى درجة أنها لاتزال قادرة على ممارسة تأثير هائل، سواء استمرّت الحرب أو تم التوصّل إلى تسوية سياسية. حتى لو تم إنشاء مجلس عسكري مشترك بين النظام والمعارضة المسلّحة، سيبقى لإيران رأيٌ في مايجري من خلال مشاركة الميليشيات الخاضعة إلى سيطرتها.

يونغ: افترض البعض أنه يمكن استخدام روسيا للحد من الامتداد الإيراني في سورية. هل هذا واقعي؟

حميدي: أعلم أن بعض الأشخاص يراهنون على "سورية روسية" بدلاً من سورية إيرانية، لكنني أعتقد أنه أمرٌ صعب المنال. لقد استثمر الإيرانيون قدراً كبيراً من الأموال والأسلحة والقوة البشرية في سورية، ولن ينكفئوا بسهولة. يتكهّن البعض أن الإيرانيين سيستنزفون الوجود الروسي في سورية، تماماً كما فعلوا بالوجود الأميركي في العراق. وهذا أيضاً صعب المنال، نظراً إلى الاختلاف في طبيعة النزاعَين. لكنه احتمال يستحق عناء الرصد والمتابعة.

يونغ: ماهو المنحى الذي سيتّخذه برأيكم الصراع على النفوذ عند الحدود السورية في الأشهر الستة المقبلة؟

حميدي: فيما تدخل الحرب عامها السابع في آذار/مارس المقبل، أعتقد أن البلاد التي تطلّع سوريون كثر إلى بنائها عند نزولهم إلى الشارع – دولة علمانية موحّدة وديمقراطية – أصبحت وهماً. لم يعد السوريون أصحاب القرار في رسم مستقبلهم، إذ بات فمصيرهم بالكامل في أيدي الآخرين. تضم سورية الآن ثمانية مطارات وقواعد عسكرية أميركية، وسيرتفع هذا العدد على الأرجح، فضلاً عن ثلاثة مطارات عسكرية روسية أساسية. الجيوش التركية والأردنية والإسرائيلية متواجدة في سورية اليوم، إلى جانب التحالف الذي تقوده الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة الإسلامية. لم تعد الحرب الدائرة حرباً بالوكالة، بل أصبحت حرباً مباشرة بين قوى إقليمية ودولية على الأراضي السورية، ولذا لن يتمكّن أي طرف من أن يقلب الأوضاع العسكرية لمصلحته بالكامل، غير أن كل طرف قادر على منع الآخر من تحقيق نصر كامل ونظيف.

قال تيلرسون كلاماً لافتاً في الخامس من تموز/يوليو، بعد اجتماع عُقِد على مستوى الحكومة لمناقشة الملف السوري في البيت الأبيض في 30 حزيران/يونيو الماضي. فقد ناشد جميع الأفرقاء "التقيّد بالحدود الجغرافية المتّفق عليها". إذاً نحن نشهد فعلياً تحوّل سورية سريعاً إلى جيوب من النفوذ الخارجي – الأميركي والروسي والإيراني والأردني والتركي والإسرائيلي. لقد ضمنت إيران حصّتها التي تمتد من دمشق إلى لبنان، والتي تشتمل أيضاً على حزام أمني وعسكري حول العاصمة السورية. ويسيطر الروس على منطقة واقعة غرب سورية، وكذلك على الأجواء غرب الفرات، فيما يفرض الأميركيون سيطرتهم على كل المناطق شرق النهر. ستبقى مناطق النفوذ هذه قائمة، مع أننا نأمل بأن يظل وضعها مؤقتاً بانتظار التوصل إلى اتفاق شامل يكون بمثابة اتفاق دايتون لتسوية المسألة السورية.