بدا التوقيت موفّقاً، حين أعلن صندوق مصر السيادي في 3 شباط/فبراير أنه يستعد لطرح أسهم في عدد قد يصل إلى عشر شركات عسكرية في البورصة الوطنية. وكانت وزارة المالية، وكذلك عدد من الخبراء الإقتصاديين استطلعتهم وكالة "رويترز" قبل أيام قد توقعوا أن ينمو الإقتصاد بنسبة 5.8 في المئة في السنة المالية الحالية، أي ضعفي المعدل العالمي، وبنسبة 5.9 في المئة في السنة المالية 2020-2021. ثم جاءت جائحة الكورونا الجديد، فتدهورت البورصة المصرية، لتسجّل أكبر تراجع بين مجمل البورصات العربية بحلول 16 آذار/مارس ولتخسر 95 مليار جنيه مصري في الأسبوع حتى 19 آذار/مارس. وبعدها بستة أيام، أعلن الرئيس عبد الفتاح السيسي دعماً للبورصةقيمته 20 مليار جنيه (1.27 مليار دولار)، في محاولة لإنعاش أسعار الأسهم، ولكن بلغت خسائر البورصة التراكمية 132 مليار جنيه حتى 4 نيسان/أبريل بيد أنه لم يعد مؤكداً أنه يمكن المضي قدماً بفكرة تعويم الشركات العسكرية، ويتعيّن على السيسي والهيئات الحكومية المعنية أن تعتبر جائحة الكورونا فرصةً لإعادة النظر تماماً بالفكرة-أو أن تقوم بما يجب لإنجاحها.

كان ثمة عوائق مهمة تقف حجر عثرة في طريق الشركات العسكرية حتى قبل الجائحة. فقد أعلن السيسي عن فكرته أصلاً في آب/أغسطس 2018، وبالتالي فإن مرور سنة ونصف السنة تقريباً قبل أن يتولى الصندوق السيادي مهمة تقييم ملاءمتها التجارية، إنما يدل على صعوبات طرح الشركات العسكرية في البورصة، كما يؤكده تردد الوزراء في تبنّي الفكرة. ويكشف التأخر في طرح الشركات العسكرية عن مفارقة كبيرة، بالمقارنة مع الإسراع المُلفت في إطلاق مشروعات أكثر طموحاً وكلفةً بكثير تبنّاها السيسي بعد مجيئه إلى الرئاسة. فقد انطلق العمل في توسعة قناة السويس، على سبيل المثال، بعد ثلاثة أيام وحسب من إعلان السيسي للمشروع عبر التلفاز في 5 آب/أغسطس 2014، ما اضطر وزارة المالية لإعداد الإجراءات القانونية لاستقبال استثمارات المواطنين في وقت قياسي. أما مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، والتي ستبلغ كلفتها الإجمالية أضعافاً مضاعفة عن كلفة توسعة القناة، فقد انتقل من الإعلان في آذار/مارس 2015 إلى بدء الحفر في الموقع المختار شرقي القاهرة بعد بضعة شهور فقط.

يزيد صايغ
يزيد صايغ باحث رئيسي في مركز كارنيغي للشرق الأوسط في بيروت، حيث يتركّز عمله على الأزمة السورية، والدور السياسي للجيوش العربية، وتحوّل قطاع الأمن في المراحل الانتقالية العربية، إضافة إلى إعادة إنتاج السلطوية، والصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، وعملية السلام.
More >

نظرياً، يشكّل طرح الشركات العسكرية في البورصة، ابتعاداً مهماً وايجابياً عن الضبابية المالية والجدوى المشكوك بأمرها اللتين تشخّصان الاقتصاد العسكري المصري. فإذا أُنجز الطرح بطريقة صحيحة، يمكنه الكشف تماماً عن الأوضاع المالية لهذه الشركات، وتقديم وسيلة معقولة لزيادة رأس مالها. غير أن المشكلات الفنية والتحديات السياساتية المتعلّقة بالشفافية والتنافس غير المتكافئ والربحية والغموض القانوني، تثير الشكوك المهمة حول أهلية الشركات العسكرية للطرح في البورصة ومدى جدوى ذلك اقتصادياً. لا بد من معالجة كل ذلك، وإلا سيشوّه أُسس التنافس في السوق، ويعرّض المستثمرين إلى المخاطر، ويكشف الغموض الذي يلف تفكير السيسي الاقتصادي والتناقضات الكامنة في مقترحه. واذا تركت إدارة السيسي هذه الأمور من دون علاج، سيتحوّل الطرح إلى مجرد وسيلة لشفط الأموال الخاصة من الأسواق بهدف تعويم الشركات العسكرية ذات الحسابات المُعتَّمة ومجالس الإدارة غير الخاضعة إلى لقانون المدني.

فتح الحسابات المالية

إن الكشف المالي الكامل من قبل الشركات العسكرية غير مرجّح إطلاقاً، ولعله مستحيل. تدّعي الشركات الـ 34 التابعة لوزارة الإنتاج الحربي وللهيئة العربية للتصنيع، أن انتاجها من السلع والخدمات المدنية يخضع إلى التفتيش من قِبَل الجهاز المركزي للمحاسبات، لكنها ليست في عداد الشركات التي قد يتم طرحها في البورصة. بل أن الشركات العشر التي قد تبيع الأسهم، تتبع لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية التابع لوزارة الدفاع، والذي تبقى حساباته طي الكتمان لدواعي الأمن القومي وغير خاضعة إلى تفتيش الجهاز المركزي للمحاسبات.

يقوم مكتب خاص في وزارة المالية بمراقبة حسابات وزارة الدفاع، لكن لا يزيد ذلك عن التأكد من توازن المداخيل والمصاريف. فلا يشمل التحقّق المُنتظم من صحة الفواتير والشهادات، ناهيك عن تدقيق مالي كامل للهيئات المرتبطة بالوزارة وللشركات التابعة لها. كما أنه لا يتيح القيام بتقييم فعّال لجدوى نشاطها التجاري ولا لعائدها الاقتصادي على الاستثمار. وتبقى حسابات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، فيما عدا ذلك، خارج صلاحية أجهزة الكشف المالي والتدقيق والمحاسبة الحكومية كافة، وغير خاضعة إلى الرقابة البرلمانية، كما هو الحال أيضاً بالنسبة إلى حسابات وزارة الدفاع وإلى ميزانية الدفاع عموماً.

يعني ذلك أنه لابد من فتح حسابات شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية أمام أنواع ومستويات التدقيق نفسها التي تخضع إليها الشركات الأخرى المطروحة في البورصة، لكي تكون هي أيضاً صالحة للطرح. وسيكشف ذلك، مثلاً، عن مصادر الاستثمارات في شركات جهاز المشروعات وعن إنفاقها ورأس مالها الفعليين، وكذلك عن ديونها ومستحقاتها ومصير أرباحها. وقد أشادت مضيفة البرنامج التلفزيوني المعروفة لميس الحديدي على مقترح السيسي للطرح بحماس خلال مقابلة أجرتها مع وزير قطاع الأعمال العام هشام توفيق في تشرين الثاني/نوفمبر 2019، تحديداً لأنه يعني فتح حسابات الشركات العسكرية كلياً وخضوعها إلى الحوكمة والإصلاح، "وأولاً لأن ده بيقفل كل الكلام عن أن هذا صندوق أسود".

على رغم ذلك، قد تسعى إدارة السيسي إلى تعديل قواعد البورصة للسماح بطرح الشركات العسكرية، من دون أن تقوم بالكشف المالي الكامل. ولعلها جرّبت فعلاً أن تسلك هذا الطريق. فعندما جدَّد السيسي اقتراحه في نهاية تشرين الأول/اوكتوبر 2019، قال "إحنا شغّالين في الموضوع ده بقالنا ثلاث سنوات، لكن موضوع الطرح في البورصة له اجراءات كثيرة مش عايز اتكلم فيها". لقد تفادت مصر حتى الآن التعرض إلى المراقبة الدولية، طالما ان تنافس الشركات العسكرية للحصول على حصص في أسواق محددة وعلى التمويل الحكومي يؤثّر فقط على نظيراتها من الشركات المدنية الوطنية، إلا أن تعديل قواعد الطرح في البورصة من شأنه إبراز المشكلة في الخارج وإلحاق الضرر الشديد بسمعة البورصة المصرية. وبالتالي، سنبغي إذا على إدارة السيسي أن تخطو بحذر اذا ما كانت تريد استدراج الاستثمار الأجنبي.

الامتيازات الاقتصادية العسكرية

إن الكشف المالي مرحّباً به، ومفيداّ، لكنه غيض من فيض وحسب. يجب أن تعمل إدارة السيسي على تأمين التنافس المتكافئ بين الشركات العسكرية والمدنية، إذا كان الهدف الحقيقي من طرح الشركات العسكرية في البورصة هو تحسين قدرتها على البقاء وليس أن يكون ذلك حيلة لانتزاع رأس المال من المستثمرين المُضلَّلين. فكما هو موضح في تقرير "أولياء الجمهورية: تشريح الاقتصاد العسكري المصري"، تتمتّع الهيئات العسكرية بامتيازات تمنحها أفضليات اقتصادية مهمة مقارنةً بنظيراتها المدنية في قطاعي الأعمال الخاص والعام.

إن قائمة الامتيازات طويلة، أولها الحق الذي منحه السيسي للهيئات العسكرية باستخدام الاراضي العسكرية كحصتها من رأس المال في المشاريع التجارية، إلى جانب الصلاحية القانونية أو الفعلية لمنح أو حجب تراخيص استخدام أراضي الدولة من قبل أي شخص أو جهة مدنية، أكانت خاصة أم عامة. والشركات العسكرية معفية غالباً من دفع ضريبة الدخل أو الضريبة العقارية، الرسوم الجمركية، وغيرها من الرسوم والاقتطاعات الحكومية. كما أنها تتمتّع بنفقات إنتاجية أدنى بكثير: الدعم الذي يفيد الصناعات المُستهلِكة للطاقة، مثل مصنع الإسمنت التابع لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية الذي اقترح السيسي طرحه في البورصة؛ واستخدام عربات القوات المسلحة للنقل واعفائها من دفع رسوم المرور على الطرق السريعة التي تديرها الهيئات العسكرية؛ والحصول السهل على العملة الصعبة وبأسعار تبادل ميسَّرة؛ والعمالة شبه المجانية في ما يخص شركات جهاز المشروعات تحديداً.

بيد أن الامتياز الأهم هوأنه يحق بالقانون للهيئات العسكرية ولشركاتها أن تتلقى، وأن تُرسي بدورها، العقود بما يُعرف بمصطلح "الأمر المباشر" أو "الإسناد المباشر"، أي من دون منافسة أو مناقصة. ويوفّر ذلك أفضلية ضخمة في استثناء المنافسين المدنيين من قطاعي الأعمال الخاص والعام، اذ يضمن للهيئات والشركات العسكرية المداخيل حتى لو كانت السلع والخدمات التي تقدمّها متدنية الجودة. كما يقدّم هذا الامتياز للجهات العسكرية القدرة على لي ذراع الشركات المدنية لتقبل بشروط تجارية مُجحفة في الحاضر، لعلمها أنها ستحظى بعقود اضافية مستقبلاً إن قبلت، وانها لن تتمكّن من دخول مناقصات مستقبلية إن رفضت. لن تتمكّن شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية المطروحة في البورصة من الاحتفاظ بهذا الامتياز من دون المجازفة بتشويه شروط التنافس في السوق. علماً انه حتى لو فقدت هذا الامتياز رسمياً، فإن علاقة تلك الشركات اللصيقة بجهاز المشروعات وبوزارة الدفاع، ستجعل من الصعب بمكان تحقيق الفصل في مجال الممارسة الفعلية، إلا إذا أصبحت المناقصات والحسابات المالية شفافة مائة في المائة.

إن الشركات العسكرية معفية تماماً تقريباً من التدقيق من قبل الجهات المدنية، ما يثير سؤالا: هل يستمر إعفاء شركات جهاز المشروعات المطروحة في البورصة من التدقيق، أم تضطر إلى الامتثال للقواعد في ما يخص تقديم البيانات والخضوع إلى لتفتيش؟ هذا، ويهيمن ضباط القوات المسلحة، العاملون في الخدمة والمتقاعدون منهم، على هيئة الرقابة الإدارية، وهي الجهاز الحكومي الرقابي الأقوى على الإطلاق في مصر، ويستخدمها السيسي كرأس حربة في حملته لمكافحة الفساد، كما وظَّفها رؤساء الجمهورية المتعاقبون كأداة لتطويع المسؤولين الحكوميين ورجال الأعمال تمشياً مع رغباتهم وسياساتهم، ولمكافأة الموالين من خلال حمايتهم من التدقيق. ويقوم مئات الضباط المتقاعدين المنتشرين في أجهزة الدولة النافذة بتعزيز قوة الإكراه والردع هذه، عبر تمكين وزارة الدفاع وغيرها من الهيئات والشركات العسكرية من تسريع أو تأخير الإجراءات البيروقراطية التي يحتاج إليها المستثمرون المدنيون.

مساحة قانونية رمادية

بيد أن هذه الامتيازات قد لا تُضعِف شهيّة المستثمرين لشراء الأسهم في الشركات العسكرية. وقد لاحظ توفيق في تشرين الأول/أوكتوبر 2019 أن 95 في المائة من المستثمرين الذين اشتروا أسهماً في حصة 4.5 في المائة من شركة الشرقية للدخان التي تم طرحها قبل سبعة أشهر كانوا أجانب (كانوا بالواقع مستثمر إماراتي واحد). وبالمقابل، من المرجّح جداً أن أغلب من سيشتري الأسهم في الشركات العسكرية سيكونون مواطنين مصريين، جزئياً لدوافع وطنية، لكن أيضاً لأنهم سيفترضون أن الحكومة لن تدع هذه الشركات تفشل، وأنها (أي الشركات) ستظل تتلقى العقود الحكومية المُربِحة بغض النظر عن كفاءتها أو أدائها الفعليين.

لكن ذلك لا يخفي كلياً المخاطر التي سيتعرّض لها المستثمرون. إن جميع الهيئات العسكرية تخضع إلى لولاية القضائية العسكرية حصراً، وليس إلى المحاكم المدنية في مطلق الأحوال. لا ينطبق ذلك على كل الشركات العسكرية: فشركات وزارة الإنتاج الحربي والهيئة العربية للتصنيع مُسجّلة كشركات قطاع الأعمال العام، وبالتالي يفترض أن تخضع نشاطاتها المدنية إلى الإطار القانوني المدني ذاته لباقي الشركات في ذلك القطاع، على الأقل اسمياً ولو لم يتم ذلك بالممارسة الفعلية. غير أن شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التي قد يتم طرحها في البورصة لا تخضع حالياً سوى إلى القضاء العسكري.

وبالتالي، فإن المشاريع أو الشراكات المشتركة التي تُقام بين الهيئات العسكرية والشركات الخاصة-بما فيها الأجنبية-لا تخضع إلى قانون الشركات المصري، ولا إلى قوانين الشركات الأجنبية. بل تعمل في مساحة قانونية رمادية، فتكمن حمايتها الحقيقية الوحيدة في علاقاتها السياسية. بيد أنه من غير المعروف ما إذا كانت أي شركة مدنية قد امتحنت مدى فعالية الحماية. وحسب ملحق تجاري في إحدى السفارات الغربية في القاهرة الذي تحدثت معه وكالة رويترز في العام 2018، شعر المستثمرون الأجانب ألا فائدة من اللجوء إلى التحكيم في حال نشوب نزاع مع أي جهة عسكرية، بل الأفضل "أن تغادر البلاد". ولم تكن العلاقات السياسية كافية كذلك لحمل مستثمرين صينيين وإماراتيين رئيسيين على عدم الانسحاب من مشروع العاصمة الادارية الجديدة بسبب اختلافات حول تسعير الارض وتقاسم الأرباح مع وزارة الدفاع والشركات العسكرية التي تديره.

يشكّل غياب الإطار القانوني الناظم والقابل للتطبيق نقطة التعرّض الأهم للمستثمرين المدنيين، أكانوا من القطاع الخاص أم العام، مصريين أم أجانب. وقد حذَّر موقع حكومي بريطاني تم تحديثه العام 2020 المستثمرين البريطانيين بضرورة الحصول على مستحقاتهم مقدَّماً، لأن "إنفاذ العقود في مصر ضعيف"، على سبيل المثال. وكما لاحظ الصحافي المصري محمود خالد، فإن "القانون الرقم 182 للعام 2018 بشأن تنظيم التعاقدات التي تبرمها الجهات العامة" يسمح لهذه الجهات-والتي تضم تلقائياً الهيئات والشركات العسكرية-الحصول على شركات أو استثمارات أو اراضٍ من دون الكشف عن أثمانها للمستثمرين من خارج تلك الجهات، بذريعة دواعي الأمن القومي.

لعل المستثمرين لن يأبهوا للسلبيات التي ستلحق بمنافسيهم، طالما يضمنون العائد على استثمارهم. لكن عليهم أن يهتموا بمسألة مَنْ سوف يُحدد ذلك العائد. فكما هو حال الهيئات العسكرية كافة الناشطة اقتصادياً، يحتفظ جهاز مشروعات الخدمة الوطنية بالأرباح، فيما يحيل الخسائر إلى الخزانة العامة. ويتلقى كبار المدراء، وهم جميعاً ضباط عاملون في القوات المسلحة، حصة من الأرباح التي يتم احتسابها، على ما يبدو، بغض النظر هل الشركات رابحة فعلاً أم لا، وهي مفارقة بالتأكيد. سيتعيَّن، إذاّ، إعادة تصميم هيكلية الحوكمة تماماً في شركات جهاز المشروعات التي يتم طرحها في البورصة، بما في ذلك إنشاء مجالس عمومية وحقوق تصويت لحاملي الأسهم وتثبيت سلطة تعيين وإقالة مجالس الإدارة.

وبالإضافة إلى توضيح العلاقة بين الشركات المطروحة وبين صناديق وزارة الدفاع وخزانة الدولة، سيتطلّع المستثمرون إلى تحقيق شفافية أفضل في حسابات الشركات وفي عائداتها. لكن، حتى ذلك ربما لن يكفي للتعويض عن العيوب: فقد نقل قرار تشريعي صدر في أيار/مايو 2011 عن رئيس المجلس الأعلى للقوات المسلحة والذي كان يعمل آنذاك بصلاحيات رئيس الجمهورية، السلطة الى مدّعي وزارة الدفاع ليقرر ما إذا سيحال الضباط المتهمون بتجاوزات مالية الى المحاكم المدنية أم العسكرية، حتى لو كانوا قد خرجوا من الخدمة. وحتى لو لم تردع هذه الرمادية القانونية المستثمرين عن شراء الأسهم الآن، فقد تهدد أرباحهم واستحقاقاتهم القانونية لاحقاً.

شركات غير رابحة

ثمة سؤال عن مدى ربحية الشركات العسكرية في الواقع. لم تصدر تصريحات رسمية عن هوية شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية التي قد يتم طرحها في البورصة، لكن أشار السيسي في آب/اغسطس 2018 إلى إمكانية بيع الأسهم في مصنع الإسمنت العملاق الذي تم بناؤه بمعونة فنية صينية بتكلفة 1.12 مليار دولار في بني سويف، والذي كان قد ابتدأ العمل به قبل ستة أشهر فقط. إن قرار جهاز المشروعات زيادة السعة الإنتاجية في قطاع اقتصادي مُشبع أصلاً، ليبيع جزءاً أو أكثر من استثماره بعد ذلك بفترة وجيزة وحسب، إنما يثير التساؤل الجدّي حول قدرته على تقييم الجدوى الاقتصادية واحتياجات السوق. بل ولم يكن قد مضى سوى القليل من الزمن منذ أن انتهى جهاز المشروعات من زيادة سعة الإنتاج في مصنع العريش للإسمنت التابع له، الذي سبق وباشر العمل في 2011-2012؛ ويشار إلى أن مصنع بني سويف الجديد لم يعمل سوى بنسبة 40 في المائة من سعته بحلول أيلول/سبتمبر 2019.

بعد أن تكبّد الِتكاليف الإنشائية لبناء مصنع إسمنت جديد، واجه جهاز مشروعات الخدمة الوطنية خيارات صعبة. فمن جهة أولى، يمكنه المضي بالعمل من دون سعته الإنتاجية الكاملة، أو أن يحافظ على معدل إنتاجي معتدل ويخزِّن إنتاجه من المنتجات الوسيطة والنهائية، وكلا الأمرين سيثقلانه بعبء مالي مزمن. أما من الجهة الثانية، فيمكن للجهاز أن يدخل في منافسة حثيثة للحصول على حصة أكبر في سوق تهيمن عليه الشركات الخاصة (المحلية والأجنبية) من خلال رفع سقف الإنتاج لديه وتخفيض الأسعار لمضاهاة منافسيه.

قد يحمي جهاز المشروعات نفسه من عواقب إغراق السوق، لأن الهيئات العسكرية هي أيضاً زبون رئيس لمواد البناء لمشاريع الإسكان والبنية التحتية العامة التي يديرها. بيد أن ولوج الجهاز بقوة الى قطاع الإسمنت أضرّ بالعديد من الشركات الخاصة - أغلبها تكبّد خسائر في السنتين الماضيتين، واضطرت شركة النهضة المملوكة للقطاع العام إلى وقف الإنتاج -واستعدى القطاع الخاص الذي يحتاج السيسي إلى استثماراته التجارية وتأييده السياسي. وقد اضطرت الحكومة إلى الوعد بتعويض منتجي الإسمنت المدنيين، ما فاقم صافي الكلفة الملقاة على المالية العامة.

باختصار، قد يكتشف حاملو الأسهم المدنيون أنهم يساعدون وزارة الدفاع وجهاز مشروعات الخدمة الوطنية على تمرير الاستثمارات السيئة، من دون أن يكتسبوا في المقابل سيطرة فعلية على صنع القرار حيال استثمارات مستقبلية. لكن قد تقدّم شركات أخرى تابعة للجهاز فرص استثمارية أفضل. مثال على ذلك هو مجمع بني سويف الذي يضم أيضاً سبعة مصانع للرخام والغرانيت، بالإضافة إلى خمسة مصانع أخرى كان مخططا (في منتصف العام 2019) إقامتها في مناطق تعدينية غنية تقع تحت إشراف وزارة الدفاع في أنحاء أخرى من مصر. وتعمل شركات الجهاز كذلك في إنتاج الفوسفات والمعادن الثقيلة (المستخرجة من الرمل الأسود، الذي يحتكره الجهاز الآن)، وحتى الذهب. إن هذه جميعاً صناعات استخراجية تستند إلى التعدين وبيع الموارد الطبيعية، والتي باتت وزارة الدفاع تحظى بشبه احتكارات فيها منذ أن استولت القوات المسلحة على الحكم في العام 2013.

من الواضح أن المساهمين غير العسكريين سيجنون عائدات سخية لو تم طرح هذه الشركات في البورصة. وقد توفّر شركات جهاز المشروعات في مجالات الزراعة والصناعة الغذائية والمواشي والاستزراع السمكي والإمداد والتوريد فرصاً تجارية جيدة أيضاً، والأمر مشابه بالنسبة إلى شركات التعاقد والإنشاءات، نظراً إلى ضمانها سيل من العقود العامة. لكن من الممكن تماماً أن تبرز صعوبات: إذ تتوقف ربحية شركات الجهاز المعنية إلى حد كبير على امتياز الحصول على ما يُعرف بتسمية "الأراضي الصحراوية"-وهو أمر خلافي مع القطاع الخاص ومع البنك الدولي وصندوق النقد الدولي- وعلى الموارد المائية العذبة المتناقصة لاستخدامات استصلاح الاراضي والزراعة والاستزراع السمكي. والكثير من هذه النشاطات، علاوة على الصناعات الاستخراجية، توجد في مناطق عسكرية أو استراتيجية تحت سيطرة وزارة الدفاع، ما يُضعف فرص المنافسة ويُضعف الحوافز لتحسين الأداء.

فليحذر المستثمرون

لعل هذه الاعتبارات تفسّر التردد البادي لدى الوزراء حيال مقترح تعويم الشركات العسكرية. والواضح أن السيسي ينظر إلى الأمر بعين مختلفة. فقد سعى إلى جذب المستثمرين في تشرين الأول/اوكتوبر 2019، حيث قال" المشروع انتهى، يعني خَلَص إنتَ مِش راح تخشّ لا في دراسات جدوى، ولا يعني تراخيص"، ما يوحي بأن المسؤولين قد أتمّوا جميع الاحتياجات والإجراءات. علماً أن هذا هو نفسه الرئيس الذي سبق أن تحدث، قبل أقل من سنة، بشكل لاذع عن دراسات الجدوى، قائلاً "إذا كنت مشيت فيها وأخذتها العامل الحاسم في حل المسائل في مصر، أنا أتصور أننا كنا سنحقق فقط 20-25 بالمئة مما حققناه".

بيد أن وزير قطاع الأعمال العام توفيق كان حذراً في تعليقه على تجديد السيسي لمقترح طرح الشركات العسكرية حين سُئل عنه عبر التلفزيون بعد بضعة أيام، وإن لم يتهرب تماماً من السؤال. فقال أن "الفكر طبعاً ممتاز، بس لِسَّا ما ترجمش لأنه... الشركات في أول مراحل من إنتاجها، أغلب الشركات التي بتؤسس، تحتاج إلى بعض الوقت علشان تأخذ حصة سوقية في سوق المنتجات بتاعها أو الخدمات لِحَد ما تثبت ربحيتها... في أغلب المشروعات [أي العسكرية] نحن محتاجين شوية وقت لحد ما تثبت ربحيتها وبعدين تقدر تنجح في البورصة".

ثمة أسباب موجبة للحذر. حين أعلن السيسي عن توسعة قناة السويس في العام 2014، قرَّر أن يأتي التمويل كلياً من المصادر المحلية، داعياً المواطنين إلى شراء شهادات استثمارية، على أن تقوم الحكومة بسدادها بعد خمس سنوات. فاستجاب مليون ومئة ألف مستثمر مصري بمساهمات بلغت 64 مليار جنيه - وسحبوا 32 مليار جنيه من الودائع المصرفية المحلية ليفعلوا ذلك. غير أن التكلفة تضاعفت أو أكثر بسبب إصرار الرئيس على إنجاز المشروع في غضون سنة بدلاً من ثلاث، ولأن الزيادة المتوقعة في الملاحة الدولية عبر القناة وفي رسوم عبورها لم تتحققا بسبب التراجع (الظاهر حتى قبل إطلاقه المشروع) في حجم التجارة الدولية. وكانت هذه الحسابات الاقتصادية المنقوصة ستؤدي إلى كارثة حين جاء موعد دفع مستحقات المستثمرين في العام 2019، لولا تخفيض قيمة الجنيه المصري بنسبة 50 في المئة في أواخر العام 2016، ما أتاح للحكومة أن تسحب من احتياطي العملات الصعبة المتنامي لتوفي بالتزاماتها المالية بنصف الكلفة. ويوحي ذلك بأن مصيراً مشابهاً قد ينتظر المستثمرين في طروحات الشركات العسكرية في البورصة.

دخول صندوق مصر السيادي إلى الحلبة

يمكن، من الناحية النظرية، أن يوفر بيع حصص هامة من الأسهم في شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية لشركات القطاع الخاص العاملة في المجالات نفسها وسيلةً لتطوير نشاطاتها وأعمالها. مثلاً، ستتمكّن من الانتقال من إنتاج المواد الخام إلى المواد المشغولة في مجالات كالرخام والغرانيت، حيث تزيد القيمة المضافة إلى الصادرات وإلى الاقتصاد عموماً. وقد يرحّب مستثمرو القطاع الخاص بفرصة شراء الأسهم في شركات إنتاج الكيماويات الوسيطة والصناعية أو في فنادق توليب المملوكة للجهاز. بيد أنه يجب وضع سياج قانوني واجرائي صارم حول الشركات المطروحة (وحتى الرابحة منها) لفصل وعزل حساباتها تماماً عن حسابات الجهاز، سوى إذا سمحت شروط الطرح لمستثمري القطاع الخاص بالحصول على حصص مسيطِرة أو حتى باستملاك الشركات كلياً. وفي غياب ذلك، أي من دون شفافية تامة وحاجز قانوني واقٍ فاعل، قد تتحوّل الشركات المطروحة إلى بقرات حلوب تنعش الشركات الخاسرة المتبقية في حوزة جهاز المشروعات.

لكن يبدو أن مقترح السيسي يتعلق فقط ببيع الأسهم في شركات عسكرية مختارة وبزيادة رأس مالها، وليس بتسليم إدارتها أو السيطرة عليها. كما أن طرحها في البورصة لا يعني خصخصتها.

وهنا يأتي دور صندوق مصر السيادي، الذي تأسس في أواخر العام 2018. يقدّم الصندوق طرقاً بديلة لتجنّب المتطلبات القانونية والمالية الأكثر صعوبة المتعلقة بطرح الشركات العسكرية في البورصة. فقد ترى إدارة السيسي والمؤسسة العسكرية فيه سبيلاً ناجعاً لتوليد رأس المال، نظراً إلى أداء البورصة الضعيف وإلى الفاعلية التجارية غير المؤكدة للشركات العسكرية. فقام الصندوق، في 3 شباط/فبراير 2020، بالتوقيع على اتفاق تعاون يضع شركات عدة تابعة لجهاز مشروعات الخدمة الوطنية في محفظة أصول للتطوير والاستثمار.

يخدم صندوق مصر غرض السيسي في نواحٍ عدة. إذ من الواضح أن الرئيس التنفيذي للصندوق أيمن سليمان يشاطر رئيس الجمهورية رغبته باختصار الاجراءات الحكومية البيروقراطية، وهو أكد في كانون الأول/ديسمبر 2019 أن الصندوق سيكون متحرّراً "من كل تلك التعقيدات البيروقراطية، وسنحسّن طريقة القيام بالأعمال التجارية في حد ذاتها والعمل وفقاً للضوابط والتوازنات من داخل الإدارة الحكومية التي يعجز المستثمرون عن التعامل معها". وتتيح إدارة الصندوق للأصول الاقتصادية العسكرية أيضاً الالتفاف على قضايا شائكة كملكية الأرض، والتي تتمنّع وزارة الدفاع عن التخلّي عنها بشكل خاص. وتتمثّل قضية أخرى في المكانة القانونية للاستثمارات الواقعة في مناطق جغرافية مخصصة على أنها "استراتيجية" في أنحاء البلاد، حيث يوجد العديد من المشروعات الاقتصادية العسكرية، وحيث يمنع القانون نقل ملكية أراضي الدولة إلى أي جهة أخرى. ويمنح ذلك وزارة الدفاع، وهي التي تسيطر على استخدامات الأراضي في هذه المناطق، نفوذاً واسعاً ودائماً حين تقدم الهيئات أو الشركات العسكرية الارض كحصتها من رأس المال في الشراكات مع الشركات المحلية والأجنبية.

هذا، ويتيح صندوق مصر الالتفاف على مسألة الملكية والسيطرة، ولو فقط عبر تمويهها. ولقد قال سليمان، في محاولة جلية منه جذب الاستثمار الاجنبي المباشر واهتمام القطاع الخاص، أنه "يمكن الاستثمار في أصول [جهاز مشروعات الخدمة الوطنية] مع القطاع الخاص وصولاً إلى نسبة مئاة في المائة. ويمكن للصندوق أن يستثمر في هذه الأصول إلى جانب المستثمرين المحتملين، أو أن يساعد جهاز المشروعات على خلق الشراكات المباشرة في هذه الأصول." بيد أنه من غير المرجح إطلاقاً أن يتصوّر مسؤولي وزارة الدفاع أو الجهاز بيع كامل للشركات في الواقع. والأرجح أن هذا هو ما يفسّر عدم اللجوء، لا من قِبَلِهم ولا من قِبَل إدارة السيسي، إلى حل بديل ثالث لتحسين الفاعلية الاقتصادية وزيادة رأس المال، ألا وهو الخطة التي أطلقتها الحكومة في العام 2018 لبيع الأسهم في 23 شركة مملوكة للدولة، كجزء من برنامجها للخصخصة.

يعبّر تصريح سليمان في "أننا نفضِّل حيازة أصول غير مستخدمة في محفظتنا" عن الفارق بين البديلين. فكان من الأجدى أن يتم التركيز على شركات الصناعة التحويلية العشرين التابعة لوزارة الإنتاج الحربي - والتي لم يعلن سوى ستة منها عن تحقيق أرباح في العام 2017، بعد سنين عديدة من الخسائر- لو كان الهدف الأول هو إعادة الهيكلة وإعادة التمويل للشركات العامة غير الكفؤة بغية تحسين انتاجيتها وأدائها السوقي. والجدير بالذكر أن حتى شركات وزارة الإنتاج الحربي الرابحة لم تنجح، لولا الاستفادة من النفوذ العسكري القوي لكي تزيح المنافسين المدنيين جانباً وتحوز على عقود التوريد والأشغال الحكومية بدلاً منهم.

باختصار، إنجاح مثل هذا الصنف من الشركات العسكرية يتطلب استثماراً مهماً في زيادة الخبرات والمهارات والإنتاجية وفي البحث والتطوير العلمي من أجل ضمان تحسين جودة السلع والخدمات، وزيادة المحتوى المحلي، وتعظيم القيمة الاقتصادية المضافة. وهذا كله يشكّل تحدياً كبيراً للقطاع العام المصري، وهو أحد أسباب تعطّل برنامج الخصخصة الحكومي تماماً منذ عامين (ما عدا الاستثناء الوحيد المتمثّل ببيع حصة متواضعة من أسهم الشركة الشرقية للدخان).

بحث السيسي عن التمويل

تكمن جاذبية تعويم شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية، في المقابل، في قبضها على الموارد الطبيعية وفي موقعها السياسي المتنفِّذ بامتياز، والذي يشهد عليه كثرة عدد مشاريعها التي دشّنها السيسي. والأرجح أن إغراء الربح السهل والسريع هو الذي دفع مستثمرين أوروبيين وعرب ومصريين إلى التعبير عن اهتمامهم بهذه "الكنوز"، كما أسماها سليمان، حتى قبل أن يعرفوا ما هو مطروح للبيع منها.

كما أن هناك دافعاً آخرَ لاختيار شركات جهاز مشروعات الخدمة الوطنية للطرح، هو بحث السيسي الدائم عن رأس المال. لقد أدى القرض البالغ 12 مليار دولار الذي قدّمه صندوق النقد الدولي إلى مصر على مراحل بين عامي 2016 و2019 إلى طفرة من مستثمري الديْن الأجانب، لكن آثاره تتضاءل فيما تراجع الاستثمار المباشر الأجنبي خارج قطاع الطاقة بشدة منذ العام 2017. وفي دفعه إلى طرح شركات جهاز المشروعات، يسترضي السيسي قاعدة مؤسسية هامة ويبحث عن سبل إضافية لتوليد الدخل السريع، في وقت واحد. ولعل ذلك يفسّر سبب استعجال الصندوق: فكشف قول سليمان لصحيفة الفاينانشال تايمز في أواخر شباط/فبراير 2020 إن العمل جارٍ "لتقدير حجم الأصول وتخمين قيمتها ومجال السوق أمامها"، حقيقة أن إصرار السيسي على تعويم الشركات العسكرية قد تكوّن قبل استكمال جرد أصولها وقبل التأكد من جدواها بزمن بعيد.

ويعني ذلك أيضاً أنه بدلاً من استثمار الفوائض المالية أو المدخرات المحلية الكبيرة، واللتين تفتقر مصر إليهما، يعمل صندوق مصر كبائع بالمزاد لأصول الدولة غير العاملة، وللديْن الحكومي، وللموارد الطبيعية. إن حصة جهاز مشروعات الخدمة الوطنية من رأس المال العامل لصندوق مصر متواضع، بل وأصغر من ذلك مقارنةً بالمحفظة الإجمالية التي يسعى الصندوق إلى تكوينها. وبالتالي يجب عدم المبالغة في تقييم أهمية تعويم بعض شركاته. إلا أن التعويم المحتمل يدل، مع ذلك، على النموذج الذي تتبناه إدارة السيسي تجاه شراكة القطاعين العام والخاص، حيث يحتفظ الأول بالسيطرة ويتحمّل الثاني المجازفة.