بنغازي، ليبيا - في غرفة عمليات جراحية مُكتظة تقبع في مستشفى رثّ متداعٍ، تصطفّ رفوفٌ من ملفات وسخة لجنودٍ تعرّضوا إلى مروحة من الجروح: شظيّة في الرقبة، وطلقات نارية في الصدر، وأرجل محترقة. هنا اندلع قتالٌ ضارٍ الأسبوع الماضي، حين شنّ تحالفٌ من وحدات الجيش، والشرطة، والميليشيات القَبَلِيَّة، ومتطوّعين من المنطقة، حملة أُطلق عليها اسم "عملية الحتف"، هدفها طرد الجهاديين وقوات تنظيم الدولة الإسلامية من معاقلهم.

كانت هذه معركة قال العديد من السكان أنها كانت نسياً منسيّاً إلى حدٍّ كبير وأُسيء فهمها من جانب المجتمع الدولي. وفيما كانت حكومتا ليبيا المتنافستان (تلك المعترف بها دوليّاً ومقرّها في مدينة طبرق الشرقية، والأخرى في العاصمة طرابلس في الغرب)، تناقشان المسودّة النهائية لخطة سلام توسّطت بها الأمم المتحدة، كان ثمة مناخ من الشكوك وانعدام الثقة يغشي مدينة بنغازي. فالناس هنا يعتقدون أن المحادثات بإشراف الأمم المتحدة هدفها إضفاء الشرعية على الإسلاميين في طرابلس، الذين يتهمونهم بدعم القوات الجهادية في بنغازي.

وفي حفل تأبين شعبي حضرتُه لتشييع ناشطَين قُتلا في المعركة، شنّ وزير الثقافة والإعلام في الحكومة الشرقية حملة على وحدات البحرية الأميركية لأنها قبعت منتظرةً قبالة الشواطئ، لكنها لم تفعل شيئاً ضدّ تنظيم الدولة الإسلامية، كما اتهم إسرائيل بتزويد الجهاديين بالأسلحة. وقد انفجر الجمهور بتصفيق صاخب حين جاء الوزير على ذكر اسم مهندس "عملية الحتف": الفريق خليفة حفتر.

الفريق حفتر بات الآن أقوى شخصية في ليبيا وأكثرها إثارة للاستقطاب. وقد شنّ حفتر، وهو كان من ثقاة معمر القذافي سابقاً وضابطا خدم طويلاً في الجيش قبل أن ينشقّ في الثمانينيات، عملية "كرامة ليبيا" في العام 2014، وهي عملية عسكرية غير مُجازة رسمياً سعت إلى إخراج الميليشيات الإسلامية من بنغازي، وإلى وضع حدٍّ لموجة العنف والاغتيالات التي ابتُليَت بها هذه المدينة.

بيد أن الفريق حفتر لم يتوقّف هنا. إذ هو حاول نقل المعركة إلى طرابلس وإطاحة الحكومة فيها ومن معها من فصائل إسلامية. كانت هذه خطوة أثارت مخاطر وساهمت في قسمة البلاد. أنصار حفتر تساءلوا عما إذا كان هذا الأخير غالى في سلوكياته حين دمغ ميليشيات معتدلة بسمة الإرهاب. وحين قابلت الفريق حفتر العام الماضي، كان ازدراؤه ومقته للإسلاميين السياسيين بكل تلاونيهم واضحَين بجلاء. قال: "هناك ثلاثة خيارات أمام هؤلاء: تحت التراب، أو في السجن، أو خارج البلاد". 

على خطوط الجبهة في بنغازي، يشكو بعض القادة بحسرة في مجالسهم الخاصة من طموحات حفتر السياسية وضعف كفاءته العسكرية، حتى وهم ينخرطون على مضض في الحملة. قال لي أحد هؤلاء، قبل أن يطلب باللاسلكي من سلاح الجو العتيق والمتهالك التابع للفريق حفتر تخفيف الضغط على وحداته المحاصرة: "إنه قذافي. إنه يحاول بناء ميليشياته الخاصة".

حققت حرب الفريق حفتر بعض التغيّرات الملحوظة في بنغازي. فقد انحسرت الاغتيالات إلى حدٍّ كبير، وبات التجوال بالسيارة ليلاً آمناً نسبيا. الشبان اليافعون يحتشدون في مقاهي الأرصفة لتدخين النراجيل، فيما آخرون يمارسون لعبة كرة القدم تحت الأضواء الغامرة. والمتاجر تبيع الأدوات الرياضية والثريات.

بيد أن الناس يعبّرون في مجالسهم الخاصة عن القلق من الأكلاف التي يرتبها ذلك على الديمقراطية. ففي الأسبوع الماضي، منعت ميليشيا تابعة للفريق حفتر رئيس الوزراء من مغادرة البلاد. هذا علاوةً على أن شنّ "عملية الحتف" عشية الموعد النهائي الذي حدّدته الأمم المتحدة لتشكيل حكومة وحدة وطنية، بدا كأنه وقت لتقويض المحادثات. ويخشى البعض من أنه إذا لم يتم تشكيل حكومة وحدة وطنية، فستنتهي ولاية البرلمان في طبرق في أواخر تشرين الأول/أكتوبر، وسيشكِّل الفريق حفتر مجلساً عسكرياً لحكم شرق ليبيا، أو ممارسة سلطة أكبر خلف الكواليس.

وثمة آخرون مستسلمون لفكرة قبول القبضة الحديدية للرجل القوي، طالما أنهم يستطيعون العيش بسلام. قالت والدة أحد الأصدقاء: "سأقطع إصبعي قبل أن أقترع في أي انتخابات أخرى".

في هذه الأثناء، لاتزال المعارك تترى. فالصواريخ وقذائف المدفعية تنهمر على الضواحي قرب المطار، فيما الطائرات المقاتلة تشقّ عنان السماء. المدارس والجامعات لاتزال مُشرّعة الأبواب، لكن غرف الصفوف فيها مُكتظّة بالعائلات النازحة بدلاً من الطلاب. انقطاع الكهرباء شائع، والجيش يقول إنه يواجه عدوّاً حاذقاً وفعاليّاً في تعصّبه، ومعزَّزاً بمقاتلين أجانب وشحنات أسلحة تُنقل بالمراكب من مصراتة، وهي المدينة في الغرب المتحالفة مع طرابلس.

لكن، ثمة ديناميكيات أخرى قيد العمل. فالعديد من القوات الموالية لحفتر (قادتها يقولون إنها تترواح بين 40 إلى 80 في المئة)، هي من ميليشات الأحياء. كما أن الصراع في بعض المناطق يدور في إطار حلقة عائلية، وحتى إثنية، مُفرَغة، سمتها الرئيسة تصفية حسابات قديمة بين القبائل العربية البدوية في الشرق وبين عائلات في غرب ليبيا بعضها له روابط قديمة مع تركيا. قال لي قائد ميليشيا قبلية: "هذا الأمر يتعلّق بمعركة مع الأتراك والماسونيين". وتحدّث آخر عن أطفال لايناهزون الـ14 أو 15 عاماً يقاتلون في صفوفهم. وقد سمع كاتب هذه السطور قصصاً عن إعدامات سريعة لسجناء، وطردٍ قسري لعائلات، وتدميرِ ممتلكات.

يُقال إن غُلاة المحافظين السلفيين باتوا من أهم المقاتلين الكفوئين والمُقتدرين. لكنهم أيضاً يقاتلون من موقع التضامن المحلّي وأحياناً القَبَلِي، مايدحض الفكرة بأن هذه حرب محض إيديولوجية بين العِلمانيين وبين الإٍسلاميين.
في الجهة الأخرى، تبدو التركيبة مشوّشة أيضا. صحيح أن تنظيم الدولة الإسلامية موجودٌ وينمو بالتأكيد، بيد أن أحد نقّاد الفريق حفتر، (فضّل عدم إيراد اسمه) يعتقد أن العديد من مقاتلي الطرف الثاني ليسوا مقاتلين مُتمرّسين، بل مجرّد شبّان يافعين من عائلات بنغازية مهمَّشة علقوا مع ميليشيات إسلامية، وهم يبحثون الآن عن مخرجٍ لوقف القتال.

لقد كانت الولايات المتحدة حكيمة حين أحجمت عن الانخراط في هذا النزاع متعدّد الأوجه، واعتبرت بدلاً من ذلك، أن أفضل طريقة لمساعدة ليبيا لمنازلة تنظيم الدولة الاسلامية، تكمن في تشكيل حكومة موحَّدة يمكنها التنسيق بين المقاتلين من مختلف الألوان. إذ أن أي مساعدات عسكرية الآن لن تفعل شيئاً سوى صبّ الزيت على نار الحرب الأهلية.

بيد أن الوقت ينفد. فمندوبو كلٍّ من الفصائل الشرقية والغربية اجتمعوا في مقرّ الجمعية العامة للأمم المتحدة لإجراء محادثات بهدف اتخاذ قرارٍ حول تشكيل حكومة جديدة. وما لم تُسفر هذه المحادثات عن ذلك، فستتمزّق ليبيا بين تيارَين كلاهما كارثيَّين على قدر المساواة: التجزُّؤ والجهادية، أو الانزلاق إلى السلطوية.

لقد  أفاد مسؤولون أميركيون في مجالسهم الخاصة أنه إذا حدث ذلك، ستتحوّل الولايات المتحدة إلى سياسة الاحتواء وعمليات مكافحة الارهاب ذات الاستهدافات الدقيقة. لكن، في حين أن هذا قد يبطىء من توسُّع الجولة الإسلامية على المدى القصير، إلا أنه لن يفعل سوى القليل لبلورة مستقبلٍ قابلٍ للحياة أو الديمومة يستأهله سكان بنغازي المُنهَكين ومعهم بقية مواطنيهم الليبيين.

تم نشر هذا المقال في جريدة نيويورك تايمز.