استندت الدولة الوطنية الحديثة في أوروبا، دولة ما بعد الحرب العالمية الثانية، في بناء شرعيتها إلى إطلاق مجموعة من الوعود باتجاه المجتمعات والمواطنين كان من بينها الوعد بحياد الدولة. فالدولة تعامل المواطنين دون تمييز، والدولة لا تلتفت في تعاملها مع المواطنين إلى هويات عرقية أو دينية أو انتماءات سياسية، والدولة تضمن حقوق وحريات المواطنين دون عصف أو انتقاص. كان الوعد بحيادية الدولة نتيجة مباشرة لكارثة الحربين العالميتين الأولى والثانية التي رتبتها القوميات المتطرفة والقوميات العنصرية بجرائمها وعنفها وإقصائها لقطاعات سكانية بعينها. لم يكن أمام الدولة الوطنية الحديثة، بعد أن قتل باسم «الدولة» وباسم «الشعور الوطني» ملايين البشر وارتكبت النازية الألمانية جرائمها البشعة في محارق اليهود ومذابحها في وسط وشرق وجنوب أوروبا، لم يكن أمامها غير أن تعد بالحيادية لكي تعيد التأسيس لمواطنة ترفض التمييز وتتجاوز الهويات والانتماءات الضيقة باتجاه هوية وطنية جديدة مقوماتها المساواة في الحقوق والحريات والتزام الدولة لمقتضيات حكم القانون.

نقطة ثانية فيما يتعلق بوعد الحيادية ترتبط بكون الدولة الوطنية الحديثة هي دولة مسؤولية اجتماعية، دولة رفاهة وعدت بضمان الحقوق الاقتصادية والاجتماعية للمواطنين وتمر اليوم بأزمات هيكلية للإبقاء على الحق في العمل وفي الرعاية الصحية والضمانات الاجتماعية مصونا شأنه شأن الحق في الخدمات التعليمية والترقي المهني. في أوروبا، تعاني الدولة الوطنية الحديثة، باستثناء الحالة الألمانية، من انخفاض معدلات النمو الاقتصادي وأزمات بطالة وتهميش حادة لم تخبرها الشعوب الأوروبية منذ خرجت من دمار الحرب العالمية الثانية وتسارعت عمليات التحديث والتنمية (خاصة في الشق الغربي والشمالي من القارة). شرعية الدولة الوطنية الحديثة في أوروبا نهضت مستندة إلى وعد الحياد أولا، ثم وعد الرخاء ثانيا، متبوعا بوعد الأمن الذي تهدده عصابات الإرهاب المتأسلمة وتفجيراتها المتكررة وجرائم العنف الفردية المتلاحقة التي يرتكبها مواطنون أوروبيون ينتمون إلى الهوية الدينية الإسلامية.

غير أن أزمات استمرار الرخاء وتحديات الأمن لم تدفع الدولة الوطنية الحديثة في جل المجتمعات الأوروبية إلى التخلي عن حياديتها أو إلى تجاهل قاعدة مواطنة الحقوق والحريات المتساوية والتغاضي عن مقتضيات حكم القانون. في هذا السياق، يكتسب تعامل الدولة الوطنية مع جالياتها العربية-الإسلامية أهمية رمزية وسياسية معتبرة. على نقيض استخدامه المكثف في الكتابات العربية (باللغة العربية)، تجاوزت الوثائق الرسمية والكتابات الصحافية وأدبيات العلوم الاجتماعية في أوروبا كلمة «الأقلية» حين الإشارة إلى وضعية الجاليات العربية-الإسلامية. يبدو في اللحظة الراهنة توظيف مفاهيم مثل «الجاليات والمجموعات والجماعات العرقية والدينية» أكثر تناسقا مع المزاج الفكري والثفافي والسياسي الأوروبي. ويعبر ذلك ولا شك عن تحول في الإدراك العام لوجود الجاليات ذات الأصول الآسيوية والأفريقية والتركية والعربية باعتبارها حقيقة إنسانية مركبة لا يمكن اختزالها في مجرد علاقات خطية بين أغلبية مهيمنة وأقليات مستضعفة.

الأهم هنا أن الواقع المعاش للجاليات والجماعات والمجموعات العرقية والدينية الوافدة في المجتمعات الأوروبية يبتعد كل البعد عن الادعاءات التبسيطية التي يداوم بعض منتجي الكتابات العربية على إطلاقها بشأن عنصرية الأوروبيين وحول استراتيجيات الصهر والقسر والطرد. على نقيض ذلك، يظهر التعامل العام مع الجاليات العربية-الإسلامية بجلاء مركزية النظرة الاندماجية الهادفة إلى صياغة علاقة ارتباط وثيقة بينها وبين المرتكزات القيمية والمعرفية والسياسية للنظم المجتمعي في أوروبا، مع الإبقاء على التمايزات الثقافية فاعلة في المجال الخاص بمكوناته الثلاثة الفرد والأسرة والدين. والأمثلة على هذا التوجه عديدة، بدءاً من التمويل الحكومي لبرامج تعلم لغة الأغلبية، مرورا بالمؤسسات الحكومية والمدعومة حكوميا مكافحة العنصرية والتمييز، وانتهاء بسياسات التجنيس الليبرالية.

كذلك لا ينبغي الخلط بين احترام الحكومات الديمقراطية في المجتمعات الأوروبية للتعددية وتقديسها للحرية الفردية والتسامح وبين جوهرية الوعد بحيادية الدولة الذي أشرت إليها أعلاه. في الممارسة السياسية الواقعية، يعني وعد الحياد أن الحكومات لا تنظر حين تصيغ الأطر الدستورية واللوائح القانونية المنظمة لحركة الأفراد وحقوقهم وواجباتهم في المجال العام إلى انتماءاتهم الطبقية أو العرقية أو الدينية، أو إلى غيرها من الولاءات الأولية التي يفترض في فضاء المواطنة الرحب تخطي حدودها الضيقة. فقط فيما يخص تنظيم حياة المواطنين في المجال الخاص (مجال الفرد والأسرة والدين) يتعين على الحكومات احترام التقاليد والأعراف المختلفة وأخذها قانونياً وإجرائياً بعين الاعتبار دون إحداث تعارض بينها وبين مبادئ المساواة في الحقوق والحريات وحكم القانون.

لا تملك الحكومات الديمقراطية في المجتمعات الأوروبية، إذا، إلا أن تقف موقف المنع حين تهدد الخصوصيات الثقافية باختراق الفضاء العام على نحو إقصائي يلغي حيادية الدولة الوطنية الحديثة، إن بصورة رمزية كما في أزمة حجاب الطالبات المسلمات في مدارس الدولة الفرنسية العلمانية أو على نحو سياسي كما في محاولات تأسيس أحزاب سياسية إسلاموية الطابع لا تعترف بشرعية النظام الديمقراطي القائم في ألمانيا وهولندا. أما التحجج، المنتشر أيضا في الكتابات العربية، بكون حضور الرموز الدينية المسيحية في الفضاء العام لبعض المجتمعات الأوروبية ومعه وجود أحزاب سياسية ذات جذور مسيحية إنما يدلل على فساد وعد الحيادية فمردود عليه من خلال استدعاء ميلاد النموذج الديمقراطي الأوروبي في سياق التصالح بين السلطة الدينية والزمنية على نحو سمح للدولة الوطنية بالهيمنة على المجتمع سياسيا وترك للمؤسسات الكنسية حق التوجيه القيمي والأخلاقي للأغلبيات المسيحية.

ويظل الانفتاح في الفضاء العام على رموز وتصورات دينية أخرى، إسلامية كانت أو غيرها، رهين في هذا السياق بالصياغة الديمقراطية لتوافق مجتمعي حولها يتجاوز حدود الجاليات والجماعات والمجموعات العرقية والدينية المختلفة.

تم نشر هذا المقال في جريدة القدس العربي.