كريم سجادبور باحث أول في برنامج الشرق الأوسط في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي وخبيرٌ في الشأن الإيراني. وقد تحدّثت مدونة "ديوان" معه عن العلاقات المتشنّجة بين إيران والسعودية، في خضم التنافس الدائر بينهما على النفوذ في المنطقة. يقول سجادبور عن طموحات إيران الإقليمية إنه لطالما كانت الأهداف التي تضمرها الجمهورية الإسلامية هي نفسها، فيما الاستراتيجية التي تنتهجها لتحقيقها تتغيّر. لكن تفشّي التعصب المذهبي والكراهية تجاه إيران في العالم العربي السنّي يزرع عوائق أمام طموحاتها. قد تلعب إيران دوراً في المساعدة على كسب الحرب في سورية، كما يتوقع سجادبور، لكنها لن تتمكّن من الفوز بالسلام.

مايكل يونغ: شهدنا أمراً غير مسبوق مؤخراً، حين كتب وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، مقالاً في صفحة الرأي في صحيفة نيويورك تايمز ينتقد فيه الوهابية، ويضع النظام السعودي بالتالي في موقع الدفاع. ماذا كان القصد وراء هذه الخطوة؟

كريم سجادبور: تشنّ إيران بلا هوادة حملة علاقات عامة ضد السعودية منذ أكثر من عام. يدرك ظريف، على مايبدو، أن صورة السعودية في الولايات المتحدة هي الآن أسوأ من أي وقت مضى، وحتى أسوأ مما كانت عليه إبان هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001. من الحجج التي يسوقها ظريف أنه خلافاً لما تُصوّره وسائل الإعلام، ليس الصدام الأكبر في الشرق الأوسط بين السنّة والشيعة، بل بين المتشدّدين السنّة الذين يستلهمون فكرهم من الوهّابية السعودية ويحصلون على التمويل السعودي وبين جميع باقي الأطراف. بيد أن ظريف ناقل رسائل غير فعّال. إذ أن قيام إيران بإدانة دعم السعودية للتشدّد الإسلامي هو أشبه بتنديد فلاديمير بوتين بسلطوية روبرت موغابي. أي كمن يرشق الآخرين بالحجارة وبيته من زجاج.

ثانياً، في حين أن المسؤولين على غرار ظريف يحاولون، على مايبدو، إقناع واشنطن بأن طهران شريك إقليمي أكثر أهلاً للثقة من الرياض، يواصل مسؤولون إيرانيون أكثر نفوذاً – على غرار آية الله علي خامنئي – التنديد بالولايات المتحدة ووصفها بأنها عدو لدود. وعلى الرغم من تعاظم الاستياء من السعودية وجاذبية إيران، تواجه الحكومة الأميركية واقعاً بسيطاً: تريد الحكومة السعودية من الولايات المتحدة أن تكون حليفةً لها، في حين أن العناصر الأكثر نفوذاً في الحكومة الإيرانية يريدونها عدوةً لهم.

يونغ: السعودية هي حالياً تحت المجهر الأميركي، مع قيام الكونغرس للتو بإبطال فيتو رئاسي على مشروع قانون من شأنه أن يجيز لعائلات ضحايا 11 أيلول/سبتمبر 2001 مقاضاة السعودية في المحاكم الأميركية على خلفية اتهامها بالتورّط في تلك الهجمات. هل تشعرون بأن ثمة تبدّلاً في التوجهات في الولايات المتحدة والغرب، حيث بات الرأي العام يعتبر أن السعوديين هم الأشرار، في حين تُرمَق إيران بنظرة أفضل لأنها تعارض السعودية؟

سجادبور: تدهورت صورة السعودية في الولايات المتحدة إلى حدٍّ كبير في الأعوام الأخيرة، ربما أكثر مما حدث إبان هجمات 11 أيلول/سبتمبر، عندما تبيّن أن خمسة عشر شخصاً من خاطفي الطائرات، وعددهم 19، هم مواطنون سعوديون. تربط الأخبار اليومية السعودية بتنظيم الدولة الإسلامية وتسلّط الضوء على تشدّد السلطات السعودية في التعامل مع النساء والمعارضين والمثليين جنسياً والأقليات الدينية.

وعلى الرغم من أن السعودية تنفق مبالغ طائلة على مجموعات الضغط (اللوبي) وعلى شركات العلاقات العامة في واشنطن، أقرّ الكونغرس الأميركي مشروع قانون يُعرَف بـقانون "العدالة ضد رعاة الإرهاب" (جاستا) الذي يُجيز لعائلات ضحايا 11 أيلول/سبتمبر مقاضاة الرياض في المحاكم الأميركية للحصول على تعويضات.

في المقابل، لاتستعين إيران بشركات علاقات عامة، لكن ثمة جالية أميركية كبيرة من أصل إيراني تؤدّي دوراً نَشِطاً في النقاشات السياسية، من خلال صحافييها ومحلّليها وباحثيها. ومع أن عدداً كبيراً منهم لايتعاطف مع النظام الإيراني، إلا أنهم يحاولون تقديم صورة إيجابية عن الثقافة والشعب الإيرانيَّين. أما السعودية فليست لديها جالية كبيرة في بلدان الاغتراب، وهذه النقطة ليست في مصلحتها، كما ليس ثمة حضور سعودي جليّ في وسائل الإعلام الغربية.

قد تحاول الإدارة الأميركية العتيدة – ولاسيما برئاسة هيلاري كلينتون في حال فوزها في الانتخابات – "إعادة ضبط" العلاقات مع الرياض. لكن السؤال المطروح هو إذا كانت آراء الأميركيين عن السعودية مجرد انعكاس للتشنّجات في العلاقات الثنائية خلال عهد باراك أوباما، أو إذا كانت مواقف الأميركيين من المملكة قد شهدت بالفعل تحوّلاً جوهرياً. لمستُ، في أحاديث أجريتها مع سعوديين، أنهم يدركون أن جيل الألفية الثالثة في الولايات المتحدة لن يكنّ أبداً مشاعر الودّ نفسها لبلدٍ يمنع النساء من القيادة ويضطهد المثليين جنسياً. ويردفون القول إن نسبة الإعدام في إيران أعلى منها في السعودية، كما أن طهران تُعامل النساء والمثليين جنسياً والأقليات الدينية كمواطنين من الدرجة الثانية.

يونغ: يرى السعوديون في النفوذ الإيراني تهديداً وجودياً لهم في المنطقة. ماهو المخطط الإيراني للمنطقة، وهل يمكننا الافتراض أن الجمهورية الإسلامية تسعى لفرض شكلٍ من أشكال الهيمنة الإقليمية؟

سجادبور: وصف جيف بيزوس، مؤسس موقع "أمازون" ورئيسه التنفيذي، فلسفة شركته ذات مرة بأنها تُختصَر بالعبارة الآتية: "عنادٌ في الرؤية، مرونة في التفاصيل". أعتقد أنه يمكن قول الشيء نفسه عن السياسة الخارجية الإيرانية. الأهداف التي تضمرها إيران هي هي منذ أربعة عقود، لكن الاستراتيجية التي تنتهجها لتحقيق تلك الأهداف تتبدّل.

الركائز الثلاث للسياسة الإيرانية في المنطقة منذ العام 1979 هي، أولاً، معارضة النفوذ الأميركي؛ ثانياً، معارضة وجود إسرائيل؛ ثالثاً، التنافس مع السعودية. في بعض المراحل، كما في التسعينيات، سادت علاقة عمل جيدة إلى حدٍّ ما بين طهران والرياض، لكن النزاعات الإقليمية، كما في سورية واليمن، فاقمت اليوم عدم الثقة المتبادل، مايؤدّي بدوره إلى تصاعد النزاعات.

تُفيد إيران في الوقت الراهن من واقع أن القوى الشرق أوسطية (مثل مصر وتركيا)، شأنها في ذلك شأن القوى العالمية (مثل الولايات المتحدة وأوروبا)، تتخبّط في سياساتها الداخلية إلى درجة أن قدرتها على توظيف مزيدٍ من الوقت والموارد في مناطق الحروب الإقليمية، أصبحت محدودة. أما إيران، فتبدو من جهتها مستقرة نسبياً وذات فعالية كبيرة في فرض نفوذها في خضمّ الفوضى العارمة.

انعكس أحد أوجه التباين الرئيسة بين إيران والسعودية في اختلاف مقاربتهما للنزاع السوري. فبينما غالباً ماتُلتقَط صورٌ للحرس الثوري الإسلامي الإيراني على الأرض في سورية، أو في قلب المعارك هناك، تولّت السعودية إدارة جهودها لمساعدة المعارضة السورية انطلاقاً من العاصمة الأردنية عمّان.

يونغ: في سورية، كما ذكرتم للتو، أدّت إيران دوراً أساسياً في تعزيز نظام بشار الأسد. برأيكم، كيف تعمل الجمهورية الإسلامية على ترسيخ مكاسبها هناك؟ تحدّث البعض عن تطهير مذهبي، والبعض الآخر عن توطينٍ للشيعة في سورية. ما رأيكم؟

سجادبور: يبدو أن إيران والأسد ينتصران في الحرب راهناً. لكن نظراً إلى الوقائع الديمغرافية السورية، لن يتمكّنا من الفوز بالسلام. كتب مكيافيلي: "قد تكون لأحدهم قوات مسلحة قوية جدّاً، لكن عند دخول إقليم ما، يحتاج دائماً إلى مشاعر الودّ من أبنائه". قد ينتصر المرتزقة الإيرانيون والباكستانيون والأفغان والتابعون لحزب الله في المعارك العسكرية في سورية، لكنهم لن يكسبوا أبداً ودّ السكان.

لقد برّرت طهران دعمها للأسد بالإشارة إلى أنه جزء لايتجزّأ من "محور المقاومة" ضدّ إسرائيل. بعبارة أخرى، إيران متواطئة في مقتل مئات آلاف السوريين، ونزوح الملايين، كي تحارب، ظاهرياً، الظلم الإسرائيلي. يفوق عدد السوريين الذين لقوا مصرعهم وهُجِّروا من منازلهم في الأعوام الخمسة الماضية، عدد الفلسطينيين الذين لقوا المصير نفسه في العقود السبعة الماضية.

يونغ: إلى أي حدٍّ يمكن اعتبار الأحداث في اليمن جزءاً من استراتيجية إيرانية متعمّدة لتوريط دول الخليج في نزاع موهِن في شبه الجزيرة العربية؟

سجادبور: أعتقد أن إيران لم تسعَ إلى استثمار استراتيجي طويل الأمد – كما هو الحال في لبنان أو العراق - من خلال دعمها للمتمرّدين الحوثيين في اليمن، بل أرادت أن يكون هذا الدعم بمثابة ورقة مقايضة قصيرة الأمد، في مقابل توقّف السعودية عن التدخّل في سورية مثلاً.

ربما كانت هذه مجرّد مغامرة انتهازية بالنسبة إلى إيران، لكن السعودية رأت فيها تهديداً وجودياً. أشار الكاتب السعودي علي الشهابي إلى أن الدور الإيراني في اليمن أثار مخاوف في المملكة مطابقة لما كانت أميركا ستشعر به لو أن "ميليشيا مدعومة من السوفيات سيطرت على المكسيك خلال الحرب الأهلية".

المُقلق في الأمر هو أن مشاعر الازدراء بين الحكومتَين انتقلت على مايبدو إلى أبناء المجتمعَين. لقد باتت القومية الإيرانية والقومية السعودية ترتكزان بصورة متزايدة على الشوفينية تجاه الطرف الآخر. يقول المثل الصيني: "من يسعى إلى الانتقام عليه أن يحفر قبرَين: واحداً لعدوّه والآخر له".

يونغ: مانقاط الضعف التي ترونها في الاستراتيجية الإقليمية لإيران؟ وهل هي على درجة من الحدّة بحيث تهدّد مخططات الجمهورية الإسلامية؟

سجادبور: قد تواجه الاستراتيجية الإيرانية في المنطقة، في الأشهر والسنوات المقبلة، تحدّيات عدّة. فمن شأن استمرار هبوط أسعار النفط لفترة طويلة أن يؤدّي إلى تزايد العبء المالي المطلوب من أجل الحفاظ على ملاءة نظام الأسد في سورية، وكذلك ملاءة الميليشيات الإقليمية في لبنان والعراق واليمن وسواها من البلدان. لكن لطالما أعطت إيران الأولوية لمغامراتها الإقليمية على حساب الرفاه الاقتصادي لشعبها. أعتقد أن سكّان شيراز سيتضوّرون جوعاً قبل أن تتوقف إيران عن تمويل حزب الله.

من نقاط الضعف أيضاً تفشّي التعصّب المذهبي والكراهية تجاه إيران في العالم العربي السنّي. في مرحلة معيّنة، كانت إيران تمارس قوة ناعمة هائلة في الشرق الأوسط الإسلامي، أما اليوم فعليها الاعتماد بشكلٍ أساسي على القوة الصلبة لتأكيد نفوذها. لايمكن أن تكون إيران "قوة إقليمية ناجحة" – بحسب تعبير الرئيس باراك أوباما – إذا كان معظم أبناء المنطقة يضمرون لها الكراهية.

الوسيلة الأكثر فاعلية كي تحاول إيران تحسين صورتها لدى العرب السنّة هي من خلال اندلاع نزاع عربي أو فلسطيني جديد مع إسرائيل. عندما تطغى على نشرات الأخبار العربية الأنباء عن دكتاتور مدعوم من إيران يُدعى بشار الأسد يقتل العرب السنّة، تواجه إيران ضربةً لسمعتها. تُبلي إيران جيداً عندما يكون الغضب العربي موجّهاً ضد إسرائيل والولايات المتحدة – كما حصل في صيف العام 2006 عندما قصفت إسرائيل لبنان وكانت الولايات المتحدة غارقة في المستنقع العراقي.

من الأسئلة المهمة المطروحة: ما الاستراتيجية التي ستتّبعها الإدارة الأميركية العتيدة في التعامل مع إيران؟ كانت إدارة أوباما تأمل أن يساهم الاتفاق النووي في تسهيل التعاون الإقليمي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن ذلك لم يتحقق. وعلى الرغم من أن الإدارة الأميركية تنكر الأمر، إلا أن هناك حكماً اعتقاداً على نطاق واسع بأن البيت الأبيض أحجم عن التصدّي للممارسات الإيرانية في المنطقة خوفاً من تهديد إنجازه الأساسي في السياسة الخارجية: الاتفاق النووي.

أظن أن الإدارة الأميركية العتيدة، ولاسيما إدارة برئاسة هيلاري كلينتون، سوف تبدي تحفّظاً أقل في تحدّي طموحات طهران الإقليمية. لكن ثمة مخاوف مشروعة من أن الأدوات الإكراهية – ومنها العقوبات – التي قد تُستخدَم من أجل التصدّي للممارسات الإيرانية في المنطقة، قد تطلق عن غير قصد شرارة التصعيد وتؤدّي في نهاية المطاف إلى تداعي الاتفاق النووي.