تدهورت سوق العمل العالمية منذ ظهور الأزمة الاقتصادية في العام 2008. بيد أن مشاكل سوق العمل في بلدان المغرب العربي بنيوية، وليست مجرد نتيجة للأزمة المالية.

في ندوة نظّمها مركز كارنيغي للشرق الأوسط على مدى يومين في الرباط في المغرب، درست مجموعة متميّزة من الخبراء حالة أسواق العمل في دول المغرب العربي. وقد سلّط جمال أغماني، وزير التشغيل والتكوين المهني المغربي، والحسن عاشي، الباحث في مركز كارنيغي، ومشاركون من الجزائر وتونس والمغرب، الضوء على الحاجة الملحّة إلى التصدّي للتحديات المتّصلة بالعمالة، وتحسين لا كمية فرص العمل وحسب، بل أيضاً ما هو أهمّ، أي نوعية هذه الفرص.

اتجاهات العمالة والبطالة

تُظهِر تونس والجزائر والمغرب كلّها انخفاضاً في معدلات البطالة على مدى السنوات العشر الماضية. ويُعزى هذا الانخفاض، في الدرجة الأولى، إلى تغيّر الاتجاهات الديموغرافية، مثل تباطؤ النمو السكاني، كما أوضح عاشي. ومع ذلك، لاتزال معدلات البطالة لدى النساء والشباب مرتفعةً.

  • تونس: لم تنخفض معدّلات البطالة في تونس بشكل ملحوظ خلال السنوات الماضية. ووفقاً لمنجي بن شعبان، الأستاذ في جامعة تونس، لايزال التمييز ضدّ المرأة والخريجين من الشباب يلعب دوراً في التوظيف. كما أنّ معظم الوظائف يُوفِّرها قطاع الخدمات. 

  • الجزائر: شهدت سوق العمل الجزائرية انخفاضاً في الطلب على الوظائف بناءً على الاتّجاهات الديموغرافية، إضافةً إلى زيادة في الضغوط على سوق العمل بسبب تنامي مشاركة المرأة في القوة العاملة. وخلص رفيق بوقليا حسن، الأستاذ في جامعة وهران، إلى أن الجزائر حقّقت نجاحاً كبيراً في الحدّ من البطالة، فقد خُفِّضَت نسبة البطالة فيها بأكثر من النصف بين العامين 1987 و2008، إلّا أنّ هذا التخفيض أتى على حساب جودة فرص العمل المتاحة.

  • المغرب: في المغرب، يعاني خريجو مؤسسات التعليم العالي من معدلات بطالة مرتفعة بشكل ملحوظ. وفي هذا الإطار، أوضح محمد بن سعيد وكنزا أوبجا، الأستاذان في جامعة محمد الخامس، أن السبب في ذلك عائد إلى نظام التعليم الذي لايعكس احتياجات سوق العمل، وسوق العمل التي لاتتطلّب قوةً عاملةً متعلّمةً. وخلص عاشي إلى القول إن انخفاض معدلات البطالة في أرجاء المغرب العربي يحجب مشاكل العمالة الخطيرة التي لاتزال قائمةً في المنطقة. 

نوعية فرص العمل

اتّفق المؤتمرون من البلدان الثلاثة على أن غالبية فرص العمل في المغرب العربي غير مستقرّة وذات قيمة مضافة منخفضة، وهي لا تحقّق إنتاجيةً عاليةً أو حفزاً للنمو. بالإضافة إلى ذلك، أرجع المتحدّثون حصةً كبيرةً من فرص العمل إلى القطاع غير الرسمي. وتوصّلوا إلى الخلاصات التالية:

  • نوعية الوظائف التي يتم توفيرها يجب أن تؤخَذ في الاعتبار عند دراسة معدلات البطالة في البلدان الثلاثة. واقترح التهامي عبد الخالق، الأستاذ في المعهد الوطني المغربي للإحصاء والاقتصاد التطبيقي، مقاربةً لمعالجة هذه المسألة.

  • وأكّد نصر الدين حمودا، مدير الأبحاث في مركز البحث في الاقتصاد التطبيقي من أجل التنمية CREAD في الجزائر، أن نسبة الأشخاص غير المسجَّلين في الضمان الاجتماعي تخطّت الـ50 بالمئة في العام 2008 في الجزائر، مايؤَشِّر إلى حجم القطاع غير الرسمي في هذا البلد.

  • واعتبر فتحي الأشهب، من جامعة صفاقس، أن الحلول التي طبّقتها الحكومة التونسية لتعزيز خلق فرص عمل عالية الجودة ودائمة كانت حلولاً غير مناسبة.

سياسات سوق العمل

طبّقت الدول الثلاث عدداً من السياسات الهادفة إلى خلق فرص عمل والحدّ من البطالة. وفي هذا السياق، عرض مراد بن الطاهر تجربة المغرب، فيما عرض ميلودي غوبنتيني تجربة تونس. وشكّك الحاضرون في فعالية هذه السياسات، قائلين إنه من الضروري أخذ مايلي في عين الاعتبار:

  • صعوبات قياس تأثير السياسات على مستوى توفير فرص العمل.

  • حقيقة أن بعض الأشخاص يعثرون على وظائف من دون مساعدة من السياسات التي تنفّذها الحكومات ومؤسساتها، ولكنهم يستفيدون من هذه السياسات مع ذلك. هذا الأمر يعكس عجز السياسات الحكومية على استهداف الفئات المناسبة.

  • معدّل التغطية المنخفض لهذه السياسات التي تحدّد معايير تجعل من 80 بالمئة من العاطلين عن العمل حالياً غير مؤهَّلين للحصول على المساعدات التي تُوَجَّه بشكل رئيس نحو خرّيجي مؤسسات التعليم العالي.

أخيراً، خلص عاشي إلى أن ثمة حاجة إلى فهمٍ أفضل لحجم الاستثمارات المُخصَّصة لسياسات سوق العمل التي يتم استخدامها لتحسين نوعية العمل وإدماج الفئات المستَبعَدة. من شأن ذلك أن يساهم في صياغة مخصّصات واستثمارات أفضل في المستقبل.

مرونة أسواق العمل 

الجو العام بين أرباب العمل والنقابات العمالية متوتّر في المغرب العربي. فأرباب العمل يطالبون بمزيد من المرونة في عملية التوظيف لأن قوانين العمل صارمة جداً، في حين أن النقابات العمالية تعتبر أن الموظّفين لايتمتّعون بحماية كافية. 

كما استنتج الخبراء أن ثمة حاجة إلى إدخال المزيد من المرونة من دون التنازل عن جودة التوظيف، وأن أرباب العمل ونقابات العمال يجب أن يتوصّلوا إلى توافق في الآراء لايعرّض للخطر حقوق أصحاب العمل أو موظّفيهم وواجباتهم. 

وشدّد عاشي على الحاجة إلى إعادة النظر في سياسات سوق العمل. فأنظمة النمو الحالية لاتخلق فرص عمل كافيةً، والوظائف التي توجِدها تتّسم بالهشاشة ومعظمها غير رسمي. وأشار، بالإضافة إلى ذلك، إلى أنه ينبغي للاستثمار في التعليم أن يعالج الاحتياجات الرئيسة لسوق العمل بهدف تجنّب هدر الموارد.