تكشف التغييرات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، النقاب عن مشاكل بنيوية في النموذج التنموي الحالي في المنطقة، ناهيك عن أنها بدّلت العلاقة في مابين أصحاب المصلحة الاجتماعيين والاقتصاديين والسياسيين.

في جلسة نقاشية استضافها مركز كارنيغي للشرق الأوسط، عرض كلٌّ من عبد الله الدردري، نائب رئيس الوزراء السوري السابق للشؤون الاقتصادية، وجهاد أزعور، وزير المالية اللبناني السابق، وهادي العربي، المدير الإقليمي لمكتب الشرق الأوسط في البنك الدولي، آراءهم حول الدروس الاقتصادية المستقاة من الصحوة العربية، وحول أولويات الإصلاح في المستقبل. أدار النقاش إبراهيم سيف من مؤسسة كارنيغي.  

نموذج تنموي غير مستدام

رأى الدردري أن الصحوة العربية كشفت عدداً من العيوب الكبيرة في النموذج التنموي القديم. فمعدلات النمو والبطالة المرتفعة في المنطقة قبل العام 2010 أخفت في طيّاتها عدداً من مكامن الضعف البنيوية الهامة.

  • القطاع الريعي: أوضح الدردري أن القطاع الريعي شكّل مصدر النمو الرئيس، وأنه لايضيف إلى الاقتصاد إلا قيمة قليلة، وهو إجمالاً يعيق المنافسة. نتيجةً لذلك، بقيت مرونة التوظيف منخفضةً بالنسبة إلى النمو المحقق.
     
  • التوظيف: أضاف الدردري أنه في حين كان النمو في التوظيف لافتاً على الورق، إلا أنه ظلّ متخلّفاً عن نمو القوة العاملة مع دخول ملايين الشباب إلى سوق العمل.
     
  • النمو السيّئ: اعتبر الدردري أنه تمّ توليد معظم النمو في التوظيف من القطاعين العام وغير الرسمي المتضخّمين أصلاً، حيث شكّل الأخير أكثر من 50 بالمئة من النمو في التوظيف في العقد الماضي. نتيجةً لذلك، كان العديد من الوظائف الجديدة غير ثابت، ومن دون مهارات، وذي قيمة مضافة متدنّية.
     
  • الضرائب: قال الدردري أن الضرائب المحلية لم تستهدف الفئات المناسبة عزّزت الحوافز للعمل في القطاع غير الرسمي.
     
  • المساعدات غير المتكافئة: أشار الدردري إلى أن 30 بالمئة فقط من اليد العاملة العربية استفادت بشكل ما من برامج المساعدة الاجتماعية، على الرغم من مستويات الفقر والبطالة المرتفعة.

أبرز الدروس المُستَخلَصة

  • الحذر من الإحصاءات الإيجابية: لفت الدردري إلى أن أرقام النمو لاتلتقط صحة النظام الاقتصادي، ولذلك يجب الأخذ بعين الاعتبار كلٍّ من تركيبة الاقتصاد والتداعيات التوزيعية.
     
  • عدم التخلّي عن النموذج القديم بالكامل: لم يَعُد الأنموذج الاقتصادي النيوكلاسيكي الذي حُكِمَت المنطقة بموجبه موثوقاً، ولذا يجب تطوير أنموذج جديد. إلا أن الدردري وأزعور حذّرا من التخلّي الكامل عن المبادئ التي حكمت النموذج السابق، إذ كان لبعض الإصلاحات الاقتصادية التي طُبِّقَت في العقد الماضي فائدة حقيقية. وبالتالي اعتبرا أنه من الأفضل اعتماد تدابير مختارة أثبتت عن نجاعتها في الخارج.
     
  • أهمية خلق الوظائف: يجب إعادة توجيه السياسات الاقتصادية نحو خلق وظائف ملائمة، وهو نموذج وصفه أزعور بـ"النموذج التنموي الموجَّه نحو الوظائف".

أولويات الإصلاح

قال أزعور أنه على الرغم من أن توقّعات النمو في الاقتصادات المعتمدة على النفط وغير المعتمدة عليه، للسنوات القليلة المقبلة، تتفاوت بحوالى 3 بالمئة، إلا أنه ثمة عدداً من مكامن الضعف الاقتصادية البنيوية المعروفة في هذين النوعين من البلدان، والإصلاح الاقتصادي هو جزء أساسي من عملية الانتقال إلى الاستقرار في المنطقة بأسرها. وقد حدّد المشاركون مجموعةً من الأولويات التي من المفترض أن تقود عملية الإصلاح في المنطقة.

  • تعزيز الثقة بين المواطن وبين الدولة: اتّفق المشاركون على أن مثل هذه الثقة تتطلّب مشاركةً سياسيةً، وصولاً إلى المعلومات، وآليات محاسبة.
     
  • بناء القدرات البشرية: لفت العربي إلى أن أياً من الجامعات العربية لايدخل ضمن الجامعات الـ500 الأولى في العالم، ولذلك لابد من تحسين التعليم لما من شأنه أن يساهم في إدخال التطوير الذي تحتاج إليه المنطقة أمسّ الحاجة.
     
  • إصلاح مؤسسات الحماية الاجتماعية: شرح أحد المشاركين أن مشاريع المساعدة الاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا تُعتَبَر من بين أكثر المشاريع تكلفةً في العالم، إذ تكلِّف 6 إلى 12 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. وهذا المستوى من الإنفاق لايمكن أن يدوم، ناهيك عن أن الوصول إلى الخدمات ونوعية هذه الخدمات لايزالان سيّئين.
     
  • تطوير سياسة صناعية لجذب الاستثمار ذي القيمة المضافة العالية: سلّط العربي الضوء على الدور الجوهري الذي تواصل السياسة الصناعية المُتقَنة أداءه في الاقتصادات الحيوية الناشئة في ماليزيا والصين والهند.
     
  • إنشاء منظمة إقليمية لدعم العملية الانتقالية: رأى أزعور أن رزم المساعدات الخارجية للمنطقة بقيت محدودة إلى الآن. فمبادرات مجموعة G8 قصيرة المدى لأن رئاسة المجموعة تتغيّر كل عام. وأضاف أن المساعدة المقدَّمة من بعض البلدان الخليجية تساهم في زيادة التفاعل الاقتصادي في مابين الدول العربية، غير أن طبيعتها المخصَّصة لغرض محدَّد تجعلها غير كافية لمعالجة الطبيعة البنيوية للمشكلة معالجةً ناجعة.

أهمية المؤسسات

وفقاً للعربي، لايكون الإصلاح الاقتصادي ناجحاً إلا إذا اقترن بإطار مؤسساتي سليم. هذا الإطار يتّسم بالتالي:

  • حقوق ملكية محدَّدة
     
  • مؤسسات تنظيمية فعّالة
     
  • إدارة سليمة للاقتصاد الشامل، ومصرف مركزي مستقلّ
     
  • نظام قضائي مستقلّ وفعّال

ختاماً، حذّر العربي من أن تطوير مؤسسات اقتصادية سليمة هي مهمة متواصلة تتطلّب التزاماً. فمؤسسات السوق الفعّالة لاتنشأ، ولاتنتظم، ولاتستقرّ، ولاتكتسب شرعية من تلقاء نفسها.