مصر الديموقراطية التي نريد

مقال النهار
ملخّص
تحتاج مصر اليوم إلى أحزاب وقوى معارضة لا تساوم على الديموقراطية، بل تعمل من أجل إصلاح شامل وحقيقي يؤدي إلى تغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى الأفضل، وإقناع قطاعات شعبية واسعة بقدرتها على تحمل المسؤولية وتسيير دفة المجتمع والسياسة إن نجحت في الوصول إلى الحكم.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 
تفصلها هوة سحيقة عن الكثير من حقائق مصر اليوم. فمصر التي نريد في بداية القرن الحادي والعشرين لا تسحل بها أجهزة الأمن مواطنات ومواطنين تظاهروا سلميا للمطالبة بإنهاء حالة الطوارئ وتعديل القوانين المقيدة لمباشرة الحقوق السياسية وضمان إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية نزيهة. مصر التي نريد لا تتحول عاصمتها الجميلة ثكنة عسكرية لمجرد أن بعض المواطنين، وهذا حقهم المكفول دستوريا، تنادوا إلى تنظيم تظاهرات سلمية ورغبوا في التعبير العلني والجماعي عن أملهم في إصلاحات ديموقراطية قريبة.
 
مصر التي نريد ونستحق تمتنع بها الحكومة وأجهزة الأمن عن تقييد فعل ونشاط أحزاب وقوى ورموز المعارضة والمجتمع المدني طالما التزم هؤلاء بالإطار الدستوري والقانوني الناظم للعمل السياسي والجماهيري ولم يخلوا به. مصر الجميلة هذه تسمح بالمؤتمرات الحزبية وبالتجمعات الجماهيرية السلمية، ولا تضع المتاريس والحواجز وقيادات الشرطة في وجه نشطاء سياسيين كالدكتور محمد البرادعي وأيمن نور وغيرهما يبحثون عن التواصل مع المواطنين ويريدون تشجيعهم على الاهتمام بالشأن العام. وعندما يحدث ذلك، وتتبلور مساحات علنية وحرة لإدارة التواصل بين السياسيين والمواطنين، سيتراجع حتما ما شاهدناه يتكرر في الآونة الأخيرة من تكالب بعض السياسيين على أماكن العبادة وتوظيفها بصورة تخلط بين السياسة والدين وتضر في نهاية الأمر بكليهما.
 
مصر التي نريد لا تدير بها – إن وجدت - أجهزة الإعلام الحكومية أو شبه الحكومية حملات هجوم رخيصة على كل من رغب في المنافسة بجدية في الانتخابات الرئاسية أو البرلمانية وتمتع جماهيريا بدرجة من الصدقية والقبول، وهذه هي حال الدكتور البرادعي اليوم وبعض المعارضين الآخرين للحكم. الكثير مما يردده الإعلام الحكومي وشبه الحكومي عن هؤلاء والخلط المبتذل بين المهني والسياسي والشخصي للتعريض بهم يشكل إهانة بالغة للإعلام والإعلاميين وينبغي أن يندى له جبين كل إنسان شريف يؤمن بالحق في الاختلاف وبحتمية الحوار السلمي والمتحضر بين الفرقاء إن في الحياة السياسية أو في غيرها من مناحي الحياة.
 
مصر التي نريد لا تزوّر حكومتها الانتخابات أو تحتال أجهزتها التنفيذية والأمنية على إرادة الناخبين بأدوات ووسائل باتت محل رفض داخلي وامتعاض عالمي. يستحق المصريون حكومة تضمن نزاهة العملية والإجراءات الانتخابية على كل المستويات ولا تخشى الرقابة، محلية كانت أو أجنبية، بل ترحب بها لاكتساب قبول شعبي وشرعية دولية.
 
إلا أن مصر التي نريد لا تقتصر بها أعداد النشطاء والمتظاهرين المطالبين بإصلاحات ديموقراطية، وفي لحظة يهيمن بها النزوع السلطوي الرافض للإصلاح على الحكومة وتدير بها الأجهزة الأمنية يوميات الحياة السياسية، على بضع مئات من الشباب يتناقصون بمرور الوقت بدلا من أن يتزايدوا. فقط الحراك الشعبي الحقيقي والطلب الواسع على الديموقراطية هما العنصران القادران على تغيير الوضع الراهن، إما بتحفيز الحكومة - أو على الأقل بعض النافذين بها - على إعادة التفكير في كلفة السلطوية والبحث الجاد عن إستراتيجيات للإصلاح الديموقراطي أو بتمكين المعارضة من فرض الإصلاح.
 
مصر التي نريد لها أحزاب وقوى ورموز معارضة لا تساوم على الديموقراطية في مقابل حفنة من المقاعد البرلمانية تعدهم بها الحكومة ويضمنها الحزب الحاكم. وهي ذاتها مصر الجميلة التي تشكل بها المعارضة حكومة ظل كفؤة تطرح برامج واقعية لإنجاز الإصلاح وتغيير الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية إلى الأفضل وتعمل على إقناع قطاعات شعبية واسعة بقدرتها على تحمل المسؤولية وتسيير دفة المجتمع والسياسة إن نجحت في الوصول إلى الحكم. مثل هذه المعارضة لا تكتفي بالمؤتمرات الصحافية وأحاديث الفضائيات ولا تضيع طاقاتها في صراعات داخلية، بل تعطي الأولوية للحركة بين الجماهير وتعمل باستمرار على الاستجابة لمطالبهم في خطابها وبرامجها، وتفتح في الوقت نفسه قنوات مباشرة للحوار حول الإصلاح مع "إصلاحيي الحكومة."
 
معارضة ومعارضو مصر التي نريد يحترمون مدنية الحياة السياسية وقدسية مواطنة الحقوق المتساوية، وإن أسس بعضهم لخطابه وبرامجه معوّلا على مرجعية دينية. عندما يتوقف بعض المعارضين عن الانتقاص من حقوق المصريين الأقباط والافتئات على حرياتهم السياسية والمدنية، وعندما يكفون عن الزج بالدين في ميادين الثقافة والفن والإبداع ويتسامون به عن التوظيف كقيد على حرية التعبير عن الرأي، وعندما يلتزمون الدفاع عن حقوق الإنسان ويسائلون الدولة وأجهزتها إن هم انتهكوها، سنقترب كثيرا من مصر الديموقراطية التي نريد. وعندما تشرع المعارضة ككل في تمكين المرأة بهياكلها التنظيمية وممارسة الديموقراطية في انتخاباتها وإدارة علاقات قياداتها بالأعضاء على نحو يضمن المحاسبة والمساءلة وتجديد الدماء، سنقترب ولا شك من بلورة ثقافة ديموقراطية ذات صدقية شعبية ومن ثم أكثر وأكثر من مصر الديموقراطية التي نريد. فما أبعد واقع اليوم عن أمل الغد وما أصعب تحقق الأخير بالتبعية. مصر التي نريد تحتاج إلى حكومة غير الحكومة ومعارضة غير المعارضة، وجزئيا على الأقل إلى مواطنين غير المواطنين.
End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.orghttp://carnegie-mec.org/2010/04/14/مصر-الديموقراطية-التي-نريد/fbni

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。