أزمة الثقة تصيب الحكومات ... بعد المؤسسات المالية

مقال الحياة
ملخّص
تلقي الأزمة المالية الحالية، في ظل غياب قيادة حازمة في الولايات المتحدة أو أوروبا، بظلال من الشك على مستقبل الاقتصاد العالمي، وللخروج من هذه الأزمة يجب السعي إلى استعادة الثقة بالحكومات وساستها، فهي التي تضع القوانين وتراعي تطبيقها وتتحكم بالمعلومات.
مواضيع ذات صلة
موارد إعلامية وأدوات ذات الصلة
 
لا تدلّ مؤشرات الاقتصاد الأميركي التي نُشرت أخيراً، على أن ثمة جديداً في بيانات الاقتصاد الأول عالمياً، إذ ليس جديداً أن يكون هناك عجز في الموازنة وصلت نسبته إلى تسعة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وعجز في الميزان التجاري عند 691 بليون دولار، وحال من التباطؤ في الاقتصاد منذ عام 2008. وباتت هذه المؤشرات حول الاقتصاد الأميركي في حكم الأمر العادي، فما الذي دفع الأسواق إلى الهلع على خلفية خفض إحدى مؤسسات التصنيف العالمي (ستاندارد أند بورز) مرتبة الولايات المتحدة درجة تبقيها من ضمن الحدود الآمنة لكنها تشير إلى خلل فيها؟
 
الجديد هو أن توقيت القرار يأتي في ظل أزمة ثقة ليس في المؤسسات المالية فحسب، بل أيضاً في الساسة الذين يفترض أنهم يراقبون أداء الأسواق المالية ويضعون المؤشرات الأساسية لضمان سلامة معاملاتها. ولنعد إلى الوراء قليلاً، إلى عام 2008، حينما تكشّفت أزمة الرهون العقارية في الولايات المتحدة وانتقلت عدواها إلى بقية أسواق العالم. ما جرى حينها هو أن العالم صب جام غضبه على تلك المؤسسات واتهمها بالجشع وسوء الإدارة وتضليل المستثمرين والمستهلكين على حد سواء.
 
كانت هذه الاتهامات صحيحة إلى درجة كبيرة، لكن السؤال الذي غاب في حينها هو: كيف تمادت تلك المؤسسات في سلوكها، ومن الذي أمّن لها الحماية اللازمة كي تمارس هذا النوع من السلوك؟ الإجابة: إنها الحكومات نفسها والمسؤولون أنفسهم الذين تباروا في حينها على تعميق جراح تلك المؤسسات ولومها، لأن ذلك يضمن للساسة البقاء لفترات أطول في الحكم. وكان مسؤولو المؤسسات المالية يعرفون أنهم شركاء مع الساسة في المسؤولية، لذلك لزموا الصمت بانتظار إجابات عملية. وكان لهم ذلك. فبعد الشتائم، جاءت حزم الإنقاذ الكريمة التي مولت معظمها أموال دافعي الضرائب، وهنا يمكن التمييز بين توجيه اللوم إلى تلك المؤسسات وبين السياسات العملية التي اتُّبعت لإنقاذ تلك المؤسسات، وهو ما حصل بالفعل، إذ باستثناء «ليمان براذرز»، غاب عدد محدود من المؤسسات الكبرى عن المشهد أو لم يستفد من كرم الخزينة.
 
ما يجري الآن في الأسواق من هلع لا تبرره المؤشرات المالية، بل على العكس، فبعض المؤشرات الاقتصادية يشير إلى استعادة الاقتصاد العالمي توازنه. لكن عنصرين جديدين استجدا على معادلة 2008: الأول يتعلق بأزمة الثقة بالحكومات، وتحديداً ببعض السياسيين الذين يبدو أنهم مستعدون للتضحية بأسس الاستقرار الاقتصادي في مقابل البقاء في السلطة. ومثال اليونان والبيانات الخاطئة التي قدمتها حول سلامة أوضاعها المالية، طرح علامة شك حول مدى الثقة التي يمكن المتعاملين باليورو إيلاؤها للساسة الأوروبيين.
 
أما البعد الثاني، فيتعلق بالمدى الذي يمكن أن تذهب إليه اللعبة السياسية الداخلية في الولايات المتحدة. فتأجيل التوصل إلى اتفاق حول سقف الدين لا يمثِّل لعبة سياسية مرحلية، بل بات يتعلق بخوف حقيقي ينتشر في أوساط أثرياء الولايات المتحدة حول مصالحهم وتراجع سيطرتهم على الاقتصاد ومقدراته لصالح طبقة وسطى صاعدة تسعى إلى زيادة حصتها من كعكة الاقتصاد الأميركي. ويعكس هذا التفاقم في الخلاف تطورات داخلية مهمة في الولايات المتحدة لعل نقاشات الموازنة كانت أول ميادينها.
 
ومع وجود عملة (اليورو) في مهب الريح وما نشهده من تفكّك في الموقف الأوروبي وتحديداً الألماني الذي بات يفكر في الانسحاب من العملة الأوروبية الموحدة، ومع وجود عملة أخرى (الدولار) محكومة بتنازع جدي داخلي، لم يكن غريباً أن تشهد الأسواق إقبالاً على المعادن، مثل الذهب الذي بلغ أسعاراً قياسية، إذ هو يُعتبر الملاذ الآمن من هذه التقلبات. كذلك انعكست قراءات النمو المتوقع والاستهلاك فتراجعت أسعار النفط.
 
وبالتوازي مع فقدان الثقة بمؤسسات الدول الكبرى وحكوماتها وفقدانها القدرة على المبادرة، هناك قوى اقتصادية صاعدة لها مزايا، فهي لا تزال تتمتع بالثقة، ومؤشراتها الاقتصادية الكلية من نمو وعجز تبدو مستقرة، وهي تسعى في الوقت ذاته إلى التموضع على خريطة الاستثمار العالمي وممارسة دور في إدارة المؤسسات المالية العالمية. وهذا يعزز من الضغوط، خصوصاً على الولايات المتحدة، التي إلى وقتنا هذا تُعتبر الرائد الأول في الاقتصاد. لكن حقيقة ما يجري فيها من استقطاب سياسي أرسلت الإشارات الخاطئة إلى الأسواق وإلى بقية دول العالم وهو ما نرى نتائجه حالياً من ارتباك في الأسواق.
 
قيل مرة إن الاقتصاد مهم إلى درجة أنه لا يمكن تركه للاقتصاديين وحدهم. ويبدو أن المقولة تنعكس الآن، فالاقتصاد مهم، ولا يمكن تركه للساسة وحدهم لتصفية خلافاتهم الداخلية على حساب من وضعوا ثقتهم في الاقتصاد الأميركي، فسندات الخزينة والإقبال عليها تُعتبر شهادة حسن سلوك للولايات المتحدة على رغم كل ما يتردد. لكن الأزمة الحالية، في ظل غياب قيادة حازمة في الولايات المتحدة أو أوروبا، تلقي بظلال من الشك على مستقبل الاقتصاد العالمي، وللخروج من هذه الأزمة يجب السعي إلى استعادة الثقة بالحكومات وساستها، فهي التي تضع القوانين وتراعي تطبيقها وتتحكم بالمعلومات، بعد ذلك يأتي دور المؤسسات المالية. ومن دون ذلك، نحن أمام فوضى لا حدود لها.
End of document
 
المصدر http://carnegie-mec.orghttp://carnegie-mec.org/2011/08/12/أزمة-الثقة-تصيب-الحكومات-...-بعد-المؤسسات-المالية/fbdb

ابقوا على اطلاع

تسجّل للحصول على أحدث التحليلات من كارنيغي عبر البريد الإلكتروني! الخانات التي تحمل العلامة (*) إلزامية.

معلومات شخصية
 
 
Carnegie Middle East Center
 
شارع الأمير بشير، برج العازارية بناية 20261210، ط5 وسط بيروت ص.ب 1061 -11 رياض الصلح, لبنان
هاتف: +961 1 99 12 91 فاكس: +961 1 99 15 91
ملاحظة...

أنتم تخرجون الآن من موقع مركز كارنيغي-تسينغوا للسياسة العالمية وتدخلون موقعاً عالمياً آخر لكارنيغي.

请注意...

你将离开清华—卡内基中心网站,进入卡内基其他全球中心的网站。